عون الرحمن

قصة كاميليا شحاتة

شرح كتاب العبادات

ما هكذا تورد الابل يا جمعة!!!؟

الخميس، 24 يونيو 2010

مقتل الإمام علي وعام الجماعة

مقتل الإمام علي وعام الجماعة
الاثنين, 01 مايو 2006


الكاتب موقع قصة الإسلام

مقدمة
بعد أن تم أمر التحكيم اشتد أمر الخوارج، وأرسلوا رجلين منهم فقالا له: يا علي لا حكم إلا لله.

فقال: نعم، لا حكم إلا لله.

وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل ذلك: إن هذه كلمة حق أُريد بها باطل، فالخوارج يؤولونها على غير ما يراد بها.

فقال له هذان الرجلان من الخوارج: تب من خطيئتك، واذهب بنا إليهم نقاتلهم حتى نلقى ربنا.

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قد كتبنا بيننا وبين القوم عهودًا، وقد قال الله تعالى: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ] {النحل:91} .

فقال أحدهما: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله، لأقاتلنك، أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه.

فقال علي رضي الله عنه: تبًا لك، ما أشقاك، كأني بك قتيلًا تسفي عليك الريح.

فقال الرجل: وددت أن قد كان ذلك.

فقال علي: إنك لو كنت محقًا كان في الموت تعزية لك عن الدنيا، ولكن الشيطان استهواكم.

فخرجا من عنده يحرّضان الناس تحريضًا على الخروج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وأعلنوا صراحة تكفيرهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتكفيرهم لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعًا، وكفّروا كل من رضي بالتحكيم،

ومن كفر وجب قتله، لأنه أصبح مرتدًا، وبهذا استباحوا دماء من رضي بالتحكيم، واجتمعوا في بيت عبد الله بن وهب الراسبي، وهو أحد زعمائهم، فخطبهم خطبة بليغة زهّدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال لهم:

فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى جانب هذا السواد.

الخوارج ويوم النهروان
اجتمعوا هؤلاء جميعًا في مكان يُسمّى النهروان، وبدءوا يدعون من على شاكلتهم من الطوائف الأخرى، وقالوا: يجب أن نخرج منكرين لهذا التحكيم.

ثم قام زعيم آخر من زعمائهم وقال: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون.

وقام لهم زيد بن حصن الطائي، وتلا عليهم آيات كثيرة من القرآن الكريم منها: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ] {ص:26}.

وهو يقصد بهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وقال أيضًا: قال الله تعالى: [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] {المائدة:44}.

وكفّر عليًّا ومن معه، ومعاوية ومن معه، وأخذوا يئولون الآيات حسب ما يريدون، ثم قام آخر فحثّهم على الجهاد في سبيل الله، فبكى منهم رجل يُقال أنه عبد الله بن سخبرة السلمي تأثرًا بهذه الكلمات، وحثّ الناس على الخروج لقتل هؤلاء الكفار، وقال: اخرجوا، اضربوا في وجوههم، وجباههم بالسيوف، حتى يُطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم، وأُطيع الله كما أردتم، أنابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قُتلتم فأي شيءٍ أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته.

وبدءوا يحمّسون أنفسهم، والناس على الخروج على المسلمين الذين هم في نظرهم كفارًا.

ويعلّق ابن كثير على مواقفهم هذه فيقول: إن هؤلاء الخوارج من أغرب بني آدم، فسبحان مَنْ نَوّع خَلْقَهُ كما أراد.

وقال فيهم الكثير من العلماء إنهم ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا] {الكهف:103، 104،105}.

فجمّعوا قواهم، وقرروا الخروج إلى المدائن في شمال شرق الكوفة، لكنهم غيّروا وجهتهم لقوة المدائن ومنعتها واتجهوا إلى مكان آخر قريب من الكوفة، وبدءوا يقطعون الطرق، ويقتلون المسلمين بحجة أن من رضي بالتحكيم فهو كافر مرتد يجب قتله، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وقتلوا زوجته رغم أنها كانت حاملًا.

فلما زاد فحشهم وكثرت جرائمهم قرر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقاتلهم، فخرج لهم بجيش كبير اختلف الرواة في تقدير عدده، ولكنه على أي حال كان يزيد كثيرًا عن جيش الخوارج.

وقبل أن يدخل معهم في قتال أراد رضي الله عنه أن يجنّب المسلمين شر القتال بعد ما حدث في موقعتي الجمل وصفين، وقُتلت الأعداد الكبيرة من المسلمين، فبعث إليهم من يقول لهم: عودوا إلى طاعة أميركم، يحكم بينكم فيقتل مَنْ قتل أحدًا من المسلمين، ويعفو عن من لم يقتل.

فاجتمعوا وقالوا: كلنا قتل إخوانكم، وقد استحللنا دمائهم ودمائكم.

خرج إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنفسه، وبدأ في وعظهم، فقال لهم: ارجعوا إلى ما خرجتم منه، ولا ترتكبوا محارم الله، فإنكم قد سولّت لكم أنفسكم أمرًا تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيمًا عند الله سبحانه وتعالى، فكيف بدماء المسلمين؟

فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا بينهم: لا تخاطبوهم، ولا تكلموهم، وتهيأوا للقاء الرب عز وجل، الرواح الرواح إلى الجنة، وكان هذا شعارهم.

رتّب علي بن أبي طالب رضي الله عنه جيشه، وجعلت راية أمان مع الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وقال: من ذهب إلى هذه الراية فهو آمن. أملًا في تقليل عدد من يُقتل.

وذكرنا قبل ذلك أن عدد الخوارج في البداية كان اثنا عشر ألفًا، ولما حاورهم عبد الله بن العباس رضي الله عنه تاب منهم أربعة آلاف، ورجعوا معه إلى علي رضي الله عنه، وبعد المحاورات والمناقشات الأخيرة رجع أربعة آلاف آخرون، وبقي أربعة آلاف على رأيهم.

والتقى الجيشان فكانوا على أهبة الاستعداد للقتال، فعاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جديد وقال لهم: هذه راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، من توجه إليها فهو آمن، ومن عاد إلى الكوفة فهو آمن، ومن ذهب إلى المدائن فهو آمن.

فبدأ البعض منهم بالانسحاب إما مكرًا وخديعة؛ ليخرج بعد ذلك، وإما خوفًا، فمنهم من توجه إلى راية الأمان مع أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، ومنهم من توجه إلى الكوفة أو المدائن، وتركهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما وعدهم، وبقي منهم ألف صامدون لقتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيشه - الذي قيل في روايات كثيرة إن قوامه كان ما بين الستين والثمانية وستين ألفًا - فقرر علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتلهم.

ونذكر في هذا الشأن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنبأ بظهور هذه الطائفة العجيبة، فقد روى الإمام مسلم عن زَيْد بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.

وفي البخاري ومسلم قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وعند الإمام أحمد عَنْ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَتَلَهُمْ ثُمَّ قَالَ: انْظُرُوا فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

إِنَّهُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِالْحَقِّ، لَا يُجَاوِزُ حَلْقَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنْ الْحَقِّ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، سِيمَاهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ رَجُلًا أَسْوَدَ مُخْدَجَ الْيَدِ فِي يَدِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ، إِنْ كَانَ هُوَ فَقَدْ قَتَلْتُمْ شَرَّ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَقَدْ قَتَلْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ.

فَبَكَيْنَا.

وعند أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ، وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ.

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟

قَالَ: التَّحْلِيقُ.

وورد مثل هذه الأحاديث عن كثير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من دلالات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى الإمام أحمد عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوسًا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ نِسَائِهِ. قَالَ: فَقُمْنَا مَعَهُ، فَانْقَطَعَتْ نَعْلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ يَخْصِفُهَا، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَضَيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ يَنْتَظِرُهُ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْقُرْآنِ، كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ.

فَاسْتَشْرَفْنَا وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ.

قَالَ: فَجِئْنَا نُبَشِّرُهُ.

قَالَ: وَكَأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ. صححه الألباني.

فكانت هذه الأحاديث بشارات بالجنة، وبالثواب الجزيل لمن يقتل هؤلاء، وخطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جيشه يحفزّهم على القتال، وبدأ القتال بين الفريقينن، وثبتوا ثباتًا عجيبًا حتى قُتل منهم ستمائة، وجُرح أربعمائة.

قال أبو أيوب الأنصاري: طعنت رجلًا من الخوارج بالرمح فأنفذته في ظهره، فأيقن أنه ميت، فقلت: أبشر يا عدو الله بالنار.

فقال: ستعلم أينا أولى بها صليًا.

فهو إلى آخر لحظةٍ في حياته مُصِرّ على ما هو عليه.

بعد انتهاء المعركة سريعًا، سلّم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأربعمائة إلى ذويهم ليداووهم، وردّ أسلابهم، وأعطاهم فرصة أخرى للتوبة، وسميت هذه المعركة معركة النهروان.

ولكن يبقى الدليل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه علامة هؤلاء القوم، وهو الرجل ذو الثدية، فأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أناس من جيشه ليبحثوا عنه، فلم يجدوه، فرجعوا إليه، وأخبروه بذلك، فقال رضي الله عنه في منتهى الثقة: والله ما كَذبتُ وما كُذبتُ، لئن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عودوا إليهم فستجدوه.

فعادوا، فلم يجدوه، فأخبروه رضي الله عنه، فأعاد عليهم ما قاله لهم قبل ذلك فعادوا للمرة الثالثة، فوجدوه تحت مجموعة من القتلى على ضفاف النهر، فأخرجوه وكان أسودًا شديد السواد، منتن الريح، ووجدوا فيه العلامة.

فلما أُخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك سجد لله شكرًا، وسجد معه القوم سجدة طويلة يشكرون الله تعالى على أن وفقهم لهذا الخير من قتل هؤلاء الخوارج.

وكان قتال هؤلاء الخوارج أواخر سنة 37 هـ، أو أوائل سنة 38 هـ، وهو الأصح.

أما الخوارج الذين رجعوا عن قتال جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذهبوا إلى راية الأمان عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أو ذهبوا إلى البلاد القريبة، فلم يرجعوا عن اقتناع منهم بأنهم على الباطل، وإنما كان رجوعهم إما خوفًا، وإما تَقِيَّة، وإما استعدادًا وترتيبًا لقتال آخر في وقت لاحق، وظلّوا طوال هذا العام يخرجون على عليٍّ رضي الله عنه واحدًا تلو الآخر، فبعد موقعة النهروان التي قُتل فيها ستمائة وجُرح أربعمائة خرج عليه رضي الله عنه رجل يُسمّى الحارث بن راشد الناجي مع مجموعة من قومه وردد نفس المقولة: لا حكم إلا لله. وقاتلهم علي رضي الله عنه، وقتل منهم الكثير، كما خرج عليه أيضًا الأشهب بن بشر البجلي، وغيره كثير، وقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه جميعًا، فكان أمر الخوارج هذا يقلّب الأمور على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الكوفة، ولم يكن جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه لينًا سهلًا في يده يسمع له ويطيع كما ينبغي، فكان دائم الانقلاب عليه، وكثير الاعتراض على كثير من الأمور التي يراها عليّ رضي الله عنه مع أنه خير أهل الأرض في ذلك الوقت.

أما الموقف في الشام فكان جيش معاوية رضي الله عنه يطيعه تمامًا، ولم يكن هناك أي حالة خروج عليه رضي الله عنه.

فكان هذا ابتلاء من الله تعالى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

الموقف في مصر
كانت مصر بعيدة عن ساحات القتال، كان يتولّى أمر مصر في هذا الوقت محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه من قِبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه لم يستطع السيطرة على الأمور بشكل كامل في مصر، وخاصة بعد وقعة صفين، وبعد خروج الخوارج على علي رضي الله عنه، وبدأت تقوى شوكة مَنْ هم على رأي معاوية، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما من وجوب أخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه قبل مبايعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا لسببين:

الأول: أن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان صغير السن، فلم يكن عمره يتجاوز 26 سنة عندما تولّى الأمور في مصر.

السبب الثاني: أن تولية محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما لأمر مصر أثار حفيظة هؤلاء الذين يرون وجوب قتل من قتل عثمان رضي الله عنه أولًا قبل المبايعة، وذلك لأن محمد بن أي بكر رضي الله عنهما كان ممن شارك في حصار عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان من أهل الفتنة ابتداءً، وهو الصحابي الوحيد الذي شارك في هذا الأمر، ولكننا ذكرنا أنه رجع عن هذا الأمر، وتاب بين يدي عثمان رضي الله عنه لمّا ذكّره بأبيه أبي بكر رضي الله عنه، فبكى، وندم، وأخذ يدافع عنه، ويرد عنه أهل الفتنة، ولكن القوم غلبوه، ودخلوا على عثمان رضي الله عنه، وقتلوه، وشهدت بذلك السيدة نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وبدأ القوم يفكرون في القيام بثورة على محمد بن أبي بكر، وازدادت شوكتهم، وبدأت يد محمد بن أبي بكر رضي الله عنه تضعف على مصر، فلما علم بذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكانت مصر أقرب إليه منها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يتزعم العثمانيين كما سموا أنفسهم في مصر معاوية بن حديج السكوني، والذي كان على مقدمة الجيش الذي كان قادمًا لنصرة عثمان بن عفان رضي الله عنه قبل مقتله، ثم عاد مرة أخرى لما علموا بمقتله رضي الله عنه.

وأرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه جيشًا قوامه ستة آلاف للسيطرة على الأمور في مصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه خبيرًا بمصر قبل ذلك، فقد كان هو أول من فتحها، وتولّى إمارتها فترة طويلة في عهد عمر وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، حتى تولّى الأمور عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

وانضم الستة الآف الذين معه إلى عشرة الآف أخرى كانت مع معاوية بن حديج في مصر، فصاروا ستة عشر ألفًا، وتعاونا معًا، واستنفر محمد بن أبي بكر رضي الله عنه أهل مصر للخروج معه، وكان الكثير منهم من أهل اليمن ممن يسكنون مصر، فأبوا عليه، ورفضوا، فحثهم على الجهاد في سبيل الله فخرج معه على أكبر تقدير ألفان من المسلمين، وعلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذا الأمر، فأرسل قوة كان فيها الأشتر النخعي لمساندة محمد بن أبي بكر ومن معه، ولما وصل الأشتر النخعي إلى مصر وفي منطقة تُسمى (القلزم) استقبله أحد الناس، وأعطاه شربة عسل، فلما شربها مات فقد كانت مسمومة، فقيل أن الذي أشار على الرجل إعطاء الأشتر النخعي تلك الشربة المسمومة هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وهذا الرواية فيها نظر وفيها ضعف، وإن صحت ففيها حجة قوية لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه؛ لأنه يستحل دماء كل من شارك في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما كل هذه الحروب والمعارك إلا لهذا الأمر، وكان الأشتر النخعي ممن حاصر عثمان بن عفان رضي الله عنه وممن شجّع الناس على هذا الأمر.

فلما مات الأشتر النخعي ضعفت قوة وبأس فريق محمد بن أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن الأشتر كان صاحب كلمة ورأي، وكان علمًا من أعلام القتال، ولما علم معاوية، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه مات بهذه الطريقة قالا: سبحان الله، إن لله جنودًا من عسل.

كان عمرو بن العاص رضي الله عنه يريد أن تسير الأمور دون قتال، أرسل رسالة إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه يقول له: إني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، فإن الناس قد اجتمعوا في هذه البلاد على خلافك، ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك إن التقينا، فاخرج منها، فإني لك لمن الناصحين والسلام.

لكن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه لم يسمع لهذه الكلمات، وتقاتل الفريقان، فكان النصر في جانب عمرو بن العاص رضي الله عنه وهُزمت القلّة القليلة التي كانت مع محمد بن أبي بكر، وقُتل رضي الله عنه أثناء القتال، وقيل تبِعه بعض أهل الشام بعد القتال، فقتلوه في خِربة قريبة من موقع المعركة التي دارت بين الفريقين.

وقد حزن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قتله، فقد تربى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه في حجره رضي الله عنه، فقد تزوّج عليٌّ رضي الله عنه السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها بعد وفاة زوجها أبي بكر رضي الله عنه، وانقضاء عدتها، وربّى محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما.

كما حزنت السيدة عائشة رضي الله عنها حزنًا شديدًا لقتله وضمّت إليها أولاده لرعايتهم.

تمّت السيطرة بالفعل لعمرو بن العاص على مصر وأصبح واليًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وأصبحت الشام، ومصر تحت سيطرة معاوية بن سفيان رضي الله عنه.

أما على الساحة العراقية، فقد كان القوم ينقلبون على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يومًا بعد يوم، حتى غضب عليهم غضبًا شديدًا، وخطب فيهم خطبة طويلة قال فيها: المغرور والله من غررتموه، ولَمَن فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيت به منكم، عمي لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تسمعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.

يعلّق ابن كثير رحمه الله على هذا الأمر فيقول:

وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العرق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان؛ أعبدهم، وأزهدهم، وأعلمهم، وأخشاهم لله عز وجل، ومع هذا كله خذلوه حتى كره الحياة، وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول:

ما يحبس أشقاها؟! أي ما الذي يجعل أشقاها ينتظر؟

وأشقاها هو مَنْ يقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فهو رضي الله عنه يريد أن يستريح من عناء هؤلاء القوم الذين يجادلونه، ولا يطيعون له أمرًا، ويتمنّى الموت حتى يفارقهم، وقد ورد في هذا أحاديث منها ما رواه الإمام أحمد بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ الْخَوَارِجِ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ بَعْجَةَ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَلِيُّ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ.

فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ مَقْتُولٌ ضَرْبَةٌ عَلَى هَذَا تَخْضِبُ هَذِهِ- يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ- عَهْدٌ مَعْهُودٌ، وَقَضَاءٌ مَقْضِيٌّ، وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى.

وعن عثمان بن صهيب، عن أبيه، قال علي: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟

قلت: عاقر الناقة.

قال: صَدَقْتَ، فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟

قلت: لا علم لي.

قال: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى يَافُوخِهِ.

وكان يقول: وددت لو أنه قد انبعث أشقاكم، فخضب هذه من هذه، يعني لحيته من دم رأسه.

المؤامرة الثلاثية ومقتل رابع الخلفاء الراشدين
كان الخوارج لا يبرحون، كل مدّة يخرجون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيقتل منهم الكثير، ثم يخرج عليه مرات ومرات، واستمرّت الأوضاع على هذا الاضطراب في العراق، بينما كانت الأوضاع هادئة في الشام، فقد كان أهلها يسمعون، ويطيعون لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

وكان آخر ما فعله الخوارج في هذا التوقيت أن اجتمع ثلاثة منهم؛ عبد الرحمن بن ملجم الكندي، وكان في وجهه علامة السجود من كثرة العبادة، وكان معروفًا بها، وآخر اسمه البرك بن عبد الله التميمي، وآخر اسمه عمرو بن بكر التميمي، وتشاوروا فيما ينبغي أن يفعلوه، فهم غير راضين بأمر التحكيم، ويكفرون عليًا، ومعاوية ،وعمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعًا، ويكفرون كذلك كل من رضي بالتحكيم، وأخذوا يترحمون على إخوانهم الذين قتلوا في النهروان، وفي المعارك التي تلتها وقالوا:

ماذا نفعل بالبقاء بعدهم، إنهم والله كانوا لا يخافون في الله لومة لائم.

ثم قالوا: فلو شرينا أنفسنا من هذه الدنيا، فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم، فأرحنا منهم البلاد، وأخذنا منهم ثأر إخواننا.

فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم أمر علي بن أبي طالب.

وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية.

وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص.

فتعاهدوا على ذلك، واتفقوا على ألا ينقض أحد عهده، وأنهم سوف يذهبون لقتلهم، أو يموتون، وتواعدوا أن يقتلوهم في شهر رمضان، وكتموا الأمر عن الناس جميعًا إلا القليل، ومن هؤلاء القليل من تاب وحدّث بهذا الأمر.

ومما يُروى - ويصل إلى درجة الصحيح - أن امرأة تُسمّى قطام بنت الشجنة كانت فائقة الجمال، وقُتل أبوها وأخوها في يوم النهروان، جاءت إلى عبد الرحمن بن ملجم، وهو يتحدث مع بعض الناس في أمر قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما رآها أراد أن يخطبها، فشرطت عليه أن يدفع ثلاثة آلاف درهم، وخادمًا، وجارية، وأن يقتل علي بن أبي طالب فقال: والله ما أتيت هذه البلدة - الكوفة - إلا لهذا الأمر.

فشجعته على هذا الأمر وتزوجها، فتجمّعت عليه النيّات.

وذهب عبد الرحمن بن ملجم لرجل آخر يُسمّى شبيب بن نجدة الشجعي، وقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟

فقال شبيب: وما ذاك؟

قال: قتل علي.

فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئًا إدًّا، كيف تقدر عليه؟

فهو يستنكر عليه أن يفكر في قتل علي رضي الله عنه؛ لأنه كان قويًا شجاعًا يهابه الرجال، وله مواقف عظيمة في الحروب، وبطولات رائعة في القتال، ثم هو أمير المؤمنين.

فقال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة- الفجر - شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير.

فقال: ويحك، لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت سابقته في الإسلام، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أجدني أنشرح صدرًا لقتله.

فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ نقتله بهم.

وأخذ يحفزه، فوافقه على أن يساعده في هذا الأمر.

وتواعد عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر على يوم واحد يقتلون فيه الثلاثة عليًا، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ويخلّصون الأمة من أئمة الضلال في زعمهم.

فتواعدوا أن يقتلوا الثلاثة يوم السابع عشر من شهر رمضان، فتوجه البرك إلى دمشق حيث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وتوجه عمرو بن بكر إلى الفسطاط بمصر حيث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان عبد الرحمن بن ملجم بالكوفة حيث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

مقتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

انتظر عبد الرحمن بن ملجم في فجر هذا اليوم حتى خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بيته لصلاة الفجر، وأخذ يمرّ على الناس يوقظهم للصلاة، وكان لا يصطحب معه حراسًا، حتى اقترب من المسجد فضربه شبيب بن نجدة ضربة وقع منها على الأرض، لكنه لم يمت منها، فأمسك به ابن ملجم، وضربه بالسيف المسموم على رأسه، فسالت الدماء على لحيته، كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم مشهد قتله قبل ذلك.

ولما فعل ذلك عبد الرحمن بن ملجم قال: يا علي الحكم ليس لك ولا حكم إلا لله.

وأخذ يتلو قول الله تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ] {البقرة:207} .

ونادي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عليكم به.

فأمسكوا بعبد الرحمن بن ملجم، وفر شبيب في البلاد.

وقدم علي رضي الله عنه جعدة بن هبيرة رضي الله عنه ليصلّى بالناس صلاة الفجر، وحمله الناس إلى بيته، وعلم رضي الله عنه أن هذا السيف مسموم، وأنه ميّت لا محالة، وخاصّة أن هذه الضرية وقعت كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستدعى عبد الرحمن بن ملجم، وكان مكتوف الأيدي، فقال له علي رضي الله عنه: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟

قال: بلى.

قال: فما حملك على هذا؟

قال: شحذته - أي السيف - أربعين صباحًا، وسألت الله أن يُقتل به شر خلقه.

فقال له علي: والله ما أراك إلا مقتولًا، وقد استجاب الله لك.

ثم قال علي رضي الله عنه: إن مت فاقتلوه، وإن عشت فأنا أعلم ماذا أفعل به.

فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن متَّ نبايع الحسن؟

فقال رضي الله عنه: لا آمركم ولا أنهاكم.

ولما احتضر رضي الله عنه جعل يكثر من قول لا إله إلا الله حتى تكون آخر كلامه، ثم أوصى الحسن والحسين بوصيته وكتباها:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] {الأنعام:162،163} أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ صَلَاحَ ذَاتَ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.

انظروا إلى ذوي أرحامكم، فصِلُوا؛ ليهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعفو أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَيْنِ نِسَائِكُمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيولي الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر، والتقاطع، والتفرق، وتعاونوا على البر، والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام، ورحمة الله.

ثم لم ينطق رضي الله عنه بعد ذلك إلا بلا إله إلا الله حتى كانت آخر لحظة في حياته رضي الله عنه وأرضاه قرأ: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] {الزَّلزلة:7،8} .

ولقي ربه شهيدًا رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوج ابنة رسول الله صلى اله عليه وسلم، وابن عمه.

وغسّله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وصلّى عليه ابنه الحسن رضي الله عنه، ثم جاءوا بعبد الرحمن بن ملجم وأقاموا عليه الحدّ فقتلوه بسيفه.

محاولة قتل معاوية رضي الله عنه

أما معاوية رضي الله عنه، فقد انتظره البرك بن عبد الله الذي تعهد بقتله في نفس التوقيت، وضربه بالسيف المسموم فتجنّبه معاوية رضي الله عنه فأصاب فخذه، فحمله الناس إلى بيته، وقبضوا على البرك بن عبد الله، وداوى الناس معاوية رضي الله عنه فشفاه الله، ولم يمت من هذه الضربة.

أراد عمرًا وأراد الله خارجة

أما عمرو بن العاص، فذهب إليه عمرو بن بكر المتعهد بقتله، وانتظر خروجه لصلاة الصبح، ولكنه- سبحان الله - كان مريضًا في هذا اليوم، فعهد بالصلاة إلى نائبه خارجة، فما خرج إلى الصلاة ظنّه الرجل عمرو بن العاص، فذهب إليه وقتله، فأمسكوا به وقتلوه به، ونجّى الله عمرو بن العاص منه، وقال الناس: أراد عمرًا وأراد الله خارجة.

فصارت مثلًا لمن أراد شيئًا وأراد الله شيئًا آخر.

بعد مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أصبح المسلمون بلا خليفة، وبدأ المسلمون يفكرون في اختيار خليفة لهم.

الحسن بن علي رضي الله عنهما وعام الجماعة
في هذا التوقيت كانت إمارة الشام على وفاق مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكانت إمارة كبيرة وضخمة وقوية وحصينة، فكانوا يشعرون بقوة بأسهم، ولما استشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه اجتمع أهل العراق، وبايعوا الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه؛ ليكون خليفةً للمسلمين، وهو اختيار موفَّق فالحسن رضي الله عنه كان ورعًا تقيًا عالمًا مجاهدًا، وهو ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه "سيّد" وكان يُلقّب بسيّد المسلمين، والأحاديث التي تدل على مكانة الحسن والحسين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه لهما كثيرة.

فاجتمع أهل العراق على مبايعته، وجاء قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه وكان تحت إمرته على أذربيجان أربعون ألف مقاتل كلهم قد بايع عليًا رضي الله عنه على الموت قبل استشهاده، فجاء رضي الله عنه، يقول للحسن رضي الله عنه: امدد يدك نبايعك.

فلم يردّ عليه الحسن، ولم يرض بهذا الأمر، ولم يكن يريده؛ لأنه يعلم أن وراءه الدماء الكثيرة، ولكن مع إصرار قيس بن سعد بن عبادة قَبِل رضي الله عنه البيعة، وكان هذا يوم 17 رمضان سنة 40 هـ، وهو يوم وفاة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

بويع الحسن رضي الله عنه في العراق، وكانت العراق تدير مساحة شاسعة من الدولة الإسلامية وبلاد فارس التي فُتحت.

أما أهل الشام فبعد استشهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يجدوا بديلًا لخلافة المسلمين غير معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ومما ينبغي أن نشير إليه في هذا المجال أنه طوال فترة خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومع عدم مبايعتهم له، لم يطالبوا بالخلافة، ولم يطالب معاوية رضي الله عنه بالخلافة، بل إنهم قالوا:

إن أخذ علي بن أبي طالب الثأر من قتلة عثمان، فسوف نبايعه أميرًا على المسلمين، ولم يكن الأمر كما أُشيع في كتب الشيعة، والمستشرقين ومن تربى على أيديهم من المسلمين أن هذه المعارك الضخمة والحروب الكثيرة والدماء التي سفكت، إنما كانت لأجل الإمارة، والحكم، وهذا من الافتراء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين ما قاتلوا إلا بعد اجتهادهم، ويقين كل من الفريقين أنه على الحق، وأنه بهذا القتال يرضي الله سبحانه وتعالى.

فبويع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بالخلافة من قِبل أهل الشام، وأصبح للمسلمين، ولأول مرة خليفتان، أحدهما في الشام، والآخر في العراق، وهذا لا يستقيم شرعًا، ولا يصح في الإسلام، بل ينبغي أن يكون للمسلمين خليفة واحد يسمع له الجميع ويطيع.

وكان الحسن بن علي رضي الله عنه لا يحب القتال، وهو ممن حاول أن يمنع أباه عليًّا رضي الله عنه من الذهاب إلى صفين، لولا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أقنعه بأنه إنما يقيم شرع الله بمقاتلة من خرج على بيعة الإمام، فلما تولّى الحسن رضي الله عنه الخلافة رغِب في الكفّ عن القتال، وحفْظ الدماء، وعدم الدخول في مشاحنات، أو معارك بين المسلمين، لكن أهل لعراق أصرّوا على قتال أهل الشام وعلى رَدّ الإمرة إلى العراق، وثاروا كعادتهم عليه رضي الله عنه، واجتمعت الألوف المؤلّفة على أمر قتال أهل الشام، والقتال وإن كان له تأويل شرعي، إلا أن فيه مخالفة للإمام ،وقد خشِي الحسن رضي الله عنه من فتنة مخالفة كل هذه الجموع، فخرج رضي الله عنه على رأس جيش لقتال أهل الشام وهو كارهٌ لهذا الأمر، وعلم معاوية رضي الله عنه بخروجه فخرج له بجيشه.

وعند اقتراب الجيشين كان الصراع شديدًا في داخل نفس الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو غير راغب في القتال، ويريد أن يحقن دماء المسلمين، فأرسل رسائل إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يطلب منه أن يرجع عن رأيه، ويدخل في جماعة المسلمين ويبايعه على الخلافة، لكن معاوية رضي الله عنه كان يرى أن تلك هي فرصته التي ربما لا تتكرر لأخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه بعد أن يكون أميرًا على جميع المسلمين، وكان جيش العراق القادم مع الحسن بن علي رضي الله عنه جيشًا ضخمًا كبيرًا، وخاصة بعد أن قُتل النصف من جيش معاوية رضي الله عنه في موقعة صفين، وكانوا راغبين في القتال، وقد بايعوا الحسن رضي الله عنه على الموت.

يقول الحسن البصري: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال.

ولما رآهم عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: إني لأرى كتائب لا تولّى حتى تقتل أقرانها.

فقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: إن قُتل هؤلاء وهؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بضعفتهم، من لي بنسائهم، من لي بصبيانهم؟

وكان رضي الله عنه يكره القتال، وكان كما يقول الإمام ابن تيمية: أشد الناس بعدًا عن القتال.

فقرر رضي الله عنه أن يرسل رسولين إلى الحسن بن علي رضي الله عنه للمحاورة والمشاورة، فأرسل إليه عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر فذهبا إليه وجلسا معه.

فقال الحسن رضي الله عنه: إن هذه الأمة قد عاثت في دمائها.

فقال له الرسولان: إنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسالمك.

فقال الحسن رضي الله عنه: فمن لي بهذا؟

فقالا له: نحن لك بهذا، فسُرّ بذلك الحسن وكان يرغب في هذا الأمر.

فقرر الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقوم بخطوة من أخطر الخطوات في تاريخ الأمة الإسلامية، وهي خطوة جريئة لا يقدم عليها إلا رجل ذو نفس طاهرة طيبة كالحسن رضي الله عنه وأرضاه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرر رضي الله عنه أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وهو راضٍ تمامًا، وهو في غاية القوة، فقد كان يفوق جيش الشام كثيرًا جدًا، وكان باستطاعته أن يبيد جيش الشام عن آخره ويبقى جيشه كبيرًا، ولكنه أراد أن يحقن الدماء بتنازله رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه.

وأرسل الحسن رضي الله عنه رسالة إلى معاوية رضي الله عنه بتنازله عن الخلافة على أن تُحقن دماء المسلمين، وعلى أن ترجع الجيوش دون قتال ودون حرب.

وبهذا أصبح معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه رضي الله عنه أمير المؤمنين الشرعي بعد الحسن بن علي رضي الله عنه الذي ظل أميرًا شرعيًا للمسلمين لمدة ستة أشهر.

وتنازل الحسن رضي الله عنه وإصلاحه بين المسلمين بتنازله هذا من دلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ففي البخاري أن أبا بكرة كان يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وكان الحسن رضي الله عنه هو سبب الإصلاح بين فريقي العراق والشام، وسُمّي هذا العام (41 هـ) بعام الجماعة، وكان عامًا سعيدًا على المسلمين، لاجتماع الكلمة ووحدة الصف.

ولكن أهل العراق الذين تعودوا على الثورات على أمرائهم وعدم الطاعة لهم وعلى الخلاف والشقاق لم يرضوا بهذا الأمر، وغضبوا غضبًا شديدًا، وبعد عودة الحسن رضي الله عنه إلى الكوفة كانوا يقابلونه فيقولون له: السلام عليك يا مذل المؤمنين.

بعدما كانوا يقولون له: السلام عليك يا أمير المؤمنين.

وكان رضي الله عنه يقول لهم: لا تقولوا هذا، لستُ بمذلّ المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك، وكان يقول: في يدي رقاب المسلمين.

وفي مسند الإمام أحمد عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُلْكُ.

قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً، وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ سِتَّ سِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

فكانت الستة أشهر التي حكمها الحسن بن علي رضي الله عنه هي إكمال الخلافة الراشدة، وبداية إمارة معاوية رضي الله عنه هي بداية الملك الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلق الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية على هذا الأمر فيقول: وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام وخيارهم.

فقد كان رضي الله عنه كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسمونه خال المؤمنين؛ لأنه أخو السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها وأخيها وصلى وسلم على زوجها صلى الله عليه وسلم.

وللمرة الأولى منذ ست سنوات يهدأ القتال، وتُجمع الأمة الإسلامية على خليفة واحد.

الخميس، 10 يونيو 2010

مجزرة أسطول الحرية.. رؤية جديدة

مجزرة أسطول الحرية.. رؤية جديدة


راغب السرجاني
أضيفت بتاريخ : : 09 - 06 - 2010
نقلا عن : موقع قصة الإسلام



عايشتُ الساعات الأولى لحملة أسطول الحرية المتجهة إلى غزة المحاصرة- والتي قادها أكثر من 750 ناشطًا حقوقيًّا وإغاثيًّا من 40 دولة من دول العالم، منهم 100 سيدة و400 تركي و100 عربي، والباقون من الاتحاد الأوربي والمنظمات الحقوقية- بل وشاركتُ بشكل مباشر في جمع التبرعات لتمويل هذه الحملة من خلال عدة مؤتمرات في كثير من المدن الإيطالية، وغمرتني سعادة كبيرة أن أصبحت القضية الفلسطينية محل اهتمام المنصفين في العالم رغم اختلاف أعراقهم ولغتهم ودياناتهم، وتحرك قلبي مع تحرك الأسطول من ميناء أنطاليا التركي يوم 28 مايو الماضي، وكلي أمل أن يصل سالمًا إلى أهلنا في غزة بما يحمله من مساعدات إنسانية متنوعة، منها ستة آلاف طن من الحديد، وألفا طن من الإسمنت، إضافةً إلى مولدات كهربائية وأجهزة طبية وأدوية، وكمية كبيرة من المعونات الغذائية والدوائية.

ولكن حدث ما لا تشتهيه الأنفس، وضرب الكيان الصهيوني الأسطول وأوقع مجزرة جديدة تكتب في تاريخه الأسود، وسقط 19 شهيدًا وجرح أكثر من 70 ناشطًا أغلبهم من الأتراك، فعندها تذكرت قول الله تعالى عن غزوة بدر: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7]. لقد خرج صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لطلب عير قريش، ولكن الله- سبحانه وتعالى- كان يريد لهم شيئًا آخر، وخيرًا عظيمًا لن يتحقق بحصولهم على العير.

اللافت للنظر أن القائمين على تجهيز أسطول الحرية لم يألوا جهدًا في تجهيزها، فقد استكملوا كل الأسباب التي تؤدي إلى نجاحها ووصولها بأمان إلى أهل غزة دون أن يتعرض لها الكيان الصهيوني، حيث ضمت عددًا لا بأس به من البرلمانيين الأوربيين والحقوقيين الدوليين، وكذلك فإن أغلب الأسطول من الأتراك الذين تربطهم علاقة وثيقة بالكيان الصهيوني، كل هذا أحدث نوعًا من الضغط الإعلامي المتميز الذي يؤدي إلى نجاح مهمة الأسطول، ولكن أبى الله إلا أن يحدث أمرًا آخر.



لقد اتخذ الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو وباراك قرارًا بضرب أسطول الحرية، كما اتخذ أبو جهل قرارًا بخروج قريش لـ"بدر" رغم نجاة القافلة التي كان يقودها أبو سفيان، فكان في ذلك هلاكه وهلاك عدد كبير من صناديد الكفر، وسيكون في ذلك هلاكهم بإذن الله.

ولنا مع مجزرة أسطول الحرية عشر وقفات كاملة تثبت لنا قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216].



الوقفة الأولى: سقط في مجزرة الحرية 19 شهيدًا، هؤلاء الشهداء هم وقود النصر المرتقب، فدماء الشهداء دائمًا ما تزكي القضية وتقدمها خطوات للأمام، فأبشروا بالنصر، وصدق الله العظيم القائل: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 4-7].



الوقفة الثانية: بعد هذه المجزرة ستشهد الأيام القادمة انقلابًا كبيرًا في العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني، بدأ بخطاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان عقب وقوع المجزرة، والذي حذر فيه الكيان الصهيوني من معاداة تركيا؛ لأن عداوتها قوية مثل صداقتها. كما ألغى ثلاث مناورات عسكرية مع الكيان الصهيوني، ومباراة كرة القدم لمنتخب بلاده للشباب مع الصهاينة، واستدعى السفير التركي من تل أبيب، ودعا المنظمات الدولية والإقليمية للاجتماع لبحث هذه الجريمة.

كما صرح أردوجان خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة إسماعيل هنية بعد وقوع المجزرة قائلاً: "سنظل ندعمكم مهما كان الثمن ولو بقينا وحدنا".

يُذكر أن علاقات تركيا بالكيان الصهيوني قد شهدت في السنوات الأخيرة توترًا ملحوظًا، زاد بشدة بعد الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة نهاية عام 2008م، حيث أعلنت تركيا رفضها لهذه الحرب، ورفضها أيضًا للحصار المفروض على القطاع منذ منتصف العام 2006م، وكان انسحاب أردوجان من إحدى جلسات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بعد مشادة كلامية مع الرئيس الصهيوني شمعون بيريز عاملاً آخر من عوامل زيادة التوتر.



الوقفة الثالثة: خسر الكيان الصهيوني بعض علاقاته المتميزة مع بعض الدول الأوربية التي لها تمثيل برلماني وحقوقي ضمن أسطول الحرية، ومنها على سبيل المثال بلجيكا، وكذلك السويد التي أعلن رئيس الاتحاد السويدي لكرة القدم لارس اكه لارغل إلغاء مباراة لكرة القدم كانت مقررة بين منتخب بلاده للشباب والكيان الصهيوني قائلاً: "ككل الناس، نحن مشمئزون من العنف ومندهشون مما شاهدناه، ولم يكن من المنطقي خوض المباراة في ظل هذه الظروف". وأضاف: "أن الاتحاد السويدي سيقبل بأي قرار يتخذه الاتحاد الأوربي، ردًّا على إلغاء المباراة".

بل امتد أثر هذه المجزرة إلى جمهورية نيكاراجوا التي أعلنت عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني؛ ردًّا على المجزرة التي ارتكبها بحق (أسطول الحرية). يذكر أن فنـزويلا وبوليفيا قد قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني بعد حرب غزة الأخيرة.



الوقفة الرابعة: مجزرة أسطول الحرية أحيت القضية في قلوب الكثيرين داخل البلاد الإسلامية وخارجها؛ فالنفس الإنسانية قد يصيبها الملل والخمول من تكرار بعض الأحداث، بل قد يعتريها نسيان القضية من الأساس، ولكن الله يأبى إلا أن تظل القضية الفلسطينية محط أنظار العالم كله، فتُحيى في قلوب العالمين بمثل هذه الأحداث، وصدق المثل القائل: "رامية بغير رام". وما شهده العالم من مظاهرات وفعاليات بعد هذه المجزرة خير شاهد على ما نقول، فقد تظاهر الآلاف في تركيا واليونان وباريس وبريطانيا ومصر وأمريكا وفرنسا وإيران... وغيرها ضد هذا الاعتداء المجرم، كما حاول المتظاهرون اقتحام بعض السفارات الصهيونية في أغلب هذه الدول.



الوقفة الخامسة: هذه المجزرة فرصة للجاليات الإسلامية في الغرب والأحرار في العالم أن يستغلوا ما حدث من غطرسة وحمق من الكيان الصهيوني، ويشرحوا للعالم عدالة القضية الفلسطينية، وهذا شيء منطقي في ظل حدث مجرم كهذا، وما يحدث من مظاهرات عالمية يخرج فيها الأحرار في كل مكان بداية يجب أن يعقبها خطوات على هذا الطريق، وإصرار هؤلاء الأحرار على خروج أسطول جديد للحرية يحمل معونات أخرى لغزة يؤكد أن القضية الفلسطينية ستصبح حديث العالم خلال الأيام القادمة، وهذا ما أكده الدكتور محمد البلتاجي عضو مجلس الشعب المصري، وأحد المشاركين في هذه الحملة قائلاً: "لقد اتفق كل المشاركين في الحملة الأولى لأسطول الحرية، الناجون من المجزرة الصهيونية على تسيير أسطول الحرية الثاني، وأن المجزرة زادت من حماسة الأحرار حول العالم لتقديم المزيد من الدعم وإخراج العديد من أساطيل السفن لقطاع غزة".



الوقفة السادسة: رغم تخلف العالم الإسلامي إعلاميًّا وسيطرة الإعلام الصهيوني على معظم القنوات الفضائية والصحف والمجلات إلا أن مجزرة أسطول الحرية فرضت نفسها على كل وسائل الإعلام العالمية صهيونية وغير صهيونية، والتي بدأت في عرض الحدث بصورة شبه منصفة، وحمّلت الكيان الصهيوني مغبة ما حدث وفشله الذريع في التعامل مع مدنيين يحملون معونات إنسانية للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة. فها هي صحيفة واشنطن بوست تعلن فشل الجيش الصهيوني في التعامل مع أسطول الحرية مما أثار العالم كله، وتؤكد أن سماح الكيان الصهيوني للأسطول بدخول غزة أفضل من إرسال قوات خاصة لاعتراضه، وسردت الصحيفة بعض تبعات هذه الأزمة على الكيان الصهيوني، مثل الإدانات المستمرة على مدى أشهر، وتعرض عملية السلام للخطر، وكذلك العلاقات الصهيونية التركية.

كما أكدت صحف الكيان الصهيوني ضعف وفشل الجيش، وطالبت وزير الدفاع إيهود باراك بالاستقالة فورًا، وقالت صحيفة معاريف: "إن العملية البحرية أمام شواطئ غزة، كانت سخافة مطلقة، وخليطًا من الإخفاقات التي ولدت حفلة مخجلة".



الوقفة السابعة: أثر هذه المجزرة التي تعرض لها أحرار العالم على شعب غزة عميق وإيجابي إلى أبعد الحدود، يفوق عشرات المرات الأثر الذي يتركه وصول الأسطول إلى غزة سالمًا؛ لأنه ألقى في قلوبهم العزيمة والصمود وسط هذا الحصار البغيض، ولقد اعترف الكيان الصهيوني بفشله في كسر إرادتهم، فقالت صحيفة هآرتس الصهيونية: "إن الحصار على غزة أخفق ولم يضعف حماس، وقد فرضته الحكومة السابقة، وتخشى الحكومة الحالية إلغاءه؛ لئلاّ تتهم بالضعف".

ثم ها هم أحرار العالم يرسلون رسالة صمود أخرى إلى المحاصرين في غزة: نحن نشعر بكم، ومستعدون للتضحية بأرواحنا من أجلكم، ومن أجل كسر الحصار الذي فرضه الكيان الصهيوني عليكم.



الوقفة الثامنة: كشفت هذه المجزرة الأنظمة العربية والإسلامية المترهلة التي لا تعمل إلا بأوامر من الولايات المتحدة، والتي لا تحرك ساكنًا في قضية مصيرية كقضية فلسطين، ولا تشعر بشعبها الذي يمتلئ بغضًا من أفعال الكيان الصهيوني، واكتفت أغلب الأنظمة بالشجب والاستنكار لما حدث، ولم تسعَ لقطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان المجرم الذي يقتل المدنيين بلا رحمة، ولم تتحرك لمقاطعته سياسيًّا واقتصاديًّا، فهذه هي اللغة التي يدركها الصهاينة، لغة القوة في المواقف والأفعال.



الوقفة التاسعة: بعد مجزرة أسطول الحرية ظهرت بوادر جديدة تدعو الفصائل الفلسطينية إلى التواصل والالتحام من أجل مواجهة الكيان الصهيوني المعتدي، فخرج بعض قادة الفصائل يعلنون إدانتهم لهذا الحدث الإجرامي البشع، ودعوتهم للمصالحة كما حدث من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، واستقبال حماس لهذه الدعوة بالترحاب، وهذا ما عبر عنه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس قائلاً: "ما يجري الآن بمنزلة (لحظة تاريخية) للمصالحة الفلسطينية، ونحن في حركة حماس مستعدون لتوقيعها، ونطالب سلطة فتح بإنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال الصهيوني، ورفض المفاوضات معه؛ لأنها لا تخدم إلا الكيان المحتل". وأضاف: "تعالوا- لحركة فتح- نتصالح على ثوابتنا وحقوق شعبنا ومقاومة الاحتلال، وترتيب بيتنا الفلسطيني في إطار السلطة والمنظمة، وتعزيز ديمقراطيتنا، وتعزيز شراكتنا معًا".



الوقفة العاشرة: حركت هذه المجزرة مشاعر العالم أجمع، فبدأ تحرك عالمي نشط يدعو إلى (فك الحصار) عن غزة ودخول المعونات، كما يدعو إلى إعادة إعمارها بعد اعتداء الكيان الصهيوني الأخير عليها، فها هي وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون- ولأول مرة- تصف الوضع في قطاع غزة بأنه غير مقبول ولا يمكن أن يستمر، وطالب بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة سلطات الاحتلال الصهيوني برفعٍ فوريٍّ للحصار المفروض على قطاع غزة، واصفًا الحصار الصهيوني بأنه "خطأ لا يمكن احتماله".

كما طالبت الصين على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها باحترام القانون الدولي وبإنهاء الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، واصفًا الوضع بالشرق الأوسط بأنه يمر بمرحلة دقيقة. ودعت كل من روسيا والاتحاد الأوربي إلى فتح فوري للمعابر من وإلى قطاع غزة أمام المساعدات والسلع والمواطنين، كما طالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بإنهاء الحصار المفروض من جانب الكيان الصهيوني على قطاع غزة، وقالت في مقابلة تلفزيونية إنها أجرت اتصالاً هاتفيًّا مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، طالبته فيه برفع الحصار؛ "لأنه أمر غير سليم، انطلاقًا من الدواعي الإنسانية". وفي نفس السياق ربطت تركيا على لسان وزير خارجيتها أحمد داود أوجلو بين إعادة علاقاتها مع الكيان الصهيوني برفع الحصار المفروض على قطاع غزة.



هذا ما نراه بأعيننا، ولكننا على يقين أن ما لم ندركه بعد من الخير سيظهر لنا تباعًا مع مرور الأيام؛ لندرك في يقين أن الله- سبحانه وتعالى- يدافع عن الذين آمنوا، وصدق ربنا القائل: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21].

ولا يعنى هذا أننا سعداء لحدوث مجزرة أسطول الحرية البشعة التي أحزنت القلوب وأدمعت العيون، ولكننا ننظر برؤية جديدة للحدث، نقرأ من خلالها عظمة تدبير الخالق- سبحانه وتعالى- الذي يدبر ويعلم صدق إخواننا المحاصرين في غزة، ونجاحهم في الابتلاء الرهيب الذي وضعوا فيه منذ أعوام، وصدق الحق- تبارك وتعالى- القائل: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]. وفي ذلك عبرة لأولي الألباب.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ونسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يعز الإسلام والمسلمين.


الخميس 3 يونيو 2010 م

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

بيع الأراضي الفلسطينية: حقيقة أم باطل؟

بيع الأراضي الفلسطينية: حقيقة أم باطل؟



رحلة تمكين الغرباء:
مارست الحركة الصهيونية من أجل تحقيق كيانٍ يهوديٍ مزوَّر إرهابها ضد الشعب المسلم في فلسطين لإكراهه على ترك بلاده وهجر أراضيه؛ حتى تبقى لهم الأرض خاليةً من السكان.
و في هذه الدراسة سوف نناقش مدى صحة أو زيف ما يقال حول بيع الفلسطينيين أرضهم لليهود، مستندين إلى الوثائق والأرقام الموثوق فيها، وإلى الموضوعية قَدْر المستطاع.
ولمناقشة هذه القضية لا بد من العودة إلى جذور المشكلة من بداية القرن التاسع عشر أثناء الحكم العثماني[1]؛ حيث كانت الأراضي الفلسطينية من حيث ملكيتُها تتبع جهات عدَّة، هي: ملكيات إقطاعية كبيرة يتقاسمها ملاَّكٌ كبارٌ فلسطينيون وعرب غير فلسطينيين، ثم أراضي الوقف الإسلامي، وأراضي الكنائس المسيحية، والأراضي الخاصة لصغار الملاَّك الفلسطينيين. أما الملكيات الكبيرة، فقد تقاسمها ملاَّكٌ كبارٌ من الفلسطينيين أو من العرب السوريين واللبنانيين الذين تجمعت في أيديهم الأراضي غالباً في ظل وحدة الأرض أيام الخلافة العثمانية.
وكانت البدايات الأولى لشراء اليهود أراضٍ في فلسطين عام 1855م على يد موشي مونتفيوري Montefiore[2] زمن السلطان عبد المجيد[3]؛ نتيجة تدخُّل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، فأصدر السلطان فرماناً سنة 1849م يجيز لليهود شراء الأراضي في الديار المقدسة في منطقة موزا (غرب القدس)؛ وقد أقيم عليها في ما بعد الحي اليهودي المعروف بحي مونتفيوري[4].
وبذلك كانت بداية مواطئ أقدام الصهاينة في فلسطين وفي القدس قلب العقيدة بالذات، ليمتدَّوا بعدها كالأخطبوط في أرجاء فلسطين[5]، وقد استمرت عملية تسريب الأراضي في فلسطين إلى الأجانب بعد إقرار إصلاحات وتنظيمات عُرفَت باسم: «التنظيمات الخيرية» عام 1856م. وبموجب هذه التنظيمات أصدرت الدولة العثمانية قانون الأراضي عام 1858م [6]، ثم تبع ذلك إصدار العديد من القوانين اللاحقة، فأصدرت لائحة تعليمات بحق سندات التمليك عام 1859م، ثم إعلان قانون التمليك عام 1861م، وملحقاته عام 1867م[7]، ونظام تملُّك الأجانب عام 1869م[8]، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو شركات في جميع أراضي الدولة، وسواء داخل المدن أو خارجها[9]؛ ونتيجة لذلك قامت الدول الأوربية: كبريطانيا وفرنسا وروسيا بإرسال رعاياها للإقامة في فلسطين والعمل على شراء الأراضي وإقامة المستعمرات[10].
وفي ما يلي جدول يبيِّن حيازة الأراضي في فلسطين ومراحل انتهابها أثناء العهد العثماني وحتى عام 1947م[11].

المساحة بالدونم


تاريخ الانتقال


الكيفية التي حصل بواسطتها الانتقال


الجهة التي آلت إليها



245.581


حتى عام 1914م


جرى الحصول عليها بطرق غير مشروعة أثناء العهد العثماني


مستوطنات وأفراد



175.019


مابين 1914م - 1920م


فترة إغلاق دوائر التسجيل أثناء الحكم العسكري البريطاني


مستوطنات وأفراد



40.000


1920م


من خلال وضع اليد على أراضي جنوب يافا


إلى مستوطني عيون قارة «ريشون ليزيون»



381.000


1921م


أراضي بيسان من خلال اتفاقية غور المدورة


شركة إنماء الأراضي الصهيونية



39.000


1921م


أراضي عتليت والكبارة وقيسارية انتزعتها الحكومة


لجمعية البيكا الصهيونية



18.000


1921م


امتياز روتنبرج لتوليد الكهرباء


منحته الحكومة كامتياز



120.000


1921م


من أوقاف الكنائس والشكات بدعوى تسديد ديون البطريركية وتعيين لجان خاصة


ادعت الحكومة ملكيتها وسلَّمتها للبيكا



10.000


1925م


أراضي الباجور انتزعتها الحكومة من صاحبها يوسف الخوري


لجمعية البيكا



100.000


1929م


قريتي: جبلين وكوكب وتوابعها وقف الجزامي انتزعتها الحكومة


لشركة كهرباء فلسطين اليهودية



8.000


1933م


أراضي سيرين


نقلته الحكومة للبيكا



165.000


1934م


امتياز الحولة دفع اليهود ثمناً رمزياً لنحو 57 ألف دونم من إجمالي المساحة


لشركة إنماء الأراضي الصهيونية



139.000


1934م


امتياز البحر الميت


لشركة البوتاس اليهودية



4.005


1945م


بركة رمضان (وَقْف خليل الرحمن) قضاء القدس انتزعتها الحكومة


شركة إنماء الأراضي



25.351


1945م


في منطقة بئر السبع بوضع اليد


شركة البوتاس



22.948


194م - 1947م


باعته الحكومة خلال الفترة


شركة البوتاس



15.000


1940م - 1947م


أراضٍ انتزعت الحكومة ملكيتها من العرب


تم تحويل أجزاء منها لليهود



8.000


1940م - 1947م


أراضٍ جرى تحويلها من صنف لآخر لتصبح باسم المندوب السامي


حُوّل معظمها لليهود



117.119


حتى عام 1947م


أراضٍ صودرت قبل صدور أحكام قضائية نهائية بشأنها


حُوّل معظمها لليهود



1.634.218


حتى عام 1947م


المجموع




90%


النسبة لمجموع ما انتقل لليهود من أراضٍ


تعتبر بريطانيا مسؤولة عنها: سواء مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة







يشير الجدول السابق إلى أن مساحة ملكية اليهود بلغت (1.634.218) دونماً. منها (245.581) دونماً، (15 ٪) حتى عام 1914م، أي خلال العصر العثماني.
يدل ما تقدم ذكره على أن ما حققته الصهيونية خلال الانتداب البريطاني لا يقارن مع ما تم خلال الحكم العثماني.
والجدير بالذكر أنه لم يكن لليهود أي حيازات للأراضي الزراعية في فلسطين حتى عام 1868م[12]، كما لم يزد عددهم حتى عام 1877م عن
1.3 % بالنسبة لإجمــالي عــدد سكان فلسطــين. ولكــن مع فتح إمكانية تملُّك الأجانب وتسجيل أراضٍ كأملاكٍ خاصة، والسماح للأجانب بشراء الأراضي وما تبع ذلك من عملية بناء المستعمرات الصهيونية في أنحاءَ مختلفة من فلسطين، كل ذلك كان المحرك الأساسي للمرحلة الأولى من تسرُّب وانتقال الأراضي من العرب الفلسطينيين إلى غيرهم بما في ذلك مندوبي الحركة الصهيونية[13].
وقد لجأ اليهود إلى طريق التحايل على القوانين العثمانية، بأساليب ملتوية، وهو ما أدى إلى اقتناص (118.000) دونم، وكذا مضاعفة عدد اليهود في فلسطين الذي وصل عام 1915م إلى 38 ألف يهودي بنسبة 3. 5 % من سكان عرب فلسطين، وارتفع عام 1918م إلى 5. 8 % من عدد السكان[14].
وكان عهد الاتحاد والترقي İttihad ve Terakki Cemiyeti [15] (1909م – 1918م) هو العهد الذهبي بالنسبة لشراء اليهود للأراضي في فلسطين؛ فهناك وثيقة تشير إلى نوعٍ واضحٍ من التساهل مع تملُّك أجانب للأراضي الفلسطينية مع السماح لهم بتشجيرها وزراعتها مع العلم أنها ستُسكن من قِبَل اليهود. كما نجد تقريراً أعدته دائرة المخابرات العمومية في وزارة الداخلية العثمانية ورفعته إلى مقام الصدارة السامي بتاريخ 21 يناير عام 1912م حول طلبٍ تلقَّته الخارجية العثمانية من السفارة الألمانية في إسطنبول، يتعلق بإجراء المعاملة الفراغية للأرض المعدَّة للبناء، الكائنة في مدينة حيفا، والتي يرغب بشرائها الدكتور أورباخ (وهو من التابعية الألمانية من مواطنة كريك كيلر)، يبين التقرير أن السفارة الألمانية أوضحت في طلبها إلى الخارجية العثمانية أن الحكومة المحلية تمانع إجراء هذه المعاملة، وأن هذه الممانعة مغايرة لأحكام بروتوكول استملاك الأملاك، وهكذا توصي الخارجية بجواز إجراء المعاملة على اعتبار أن اليهودي الألماني من قدامى الساكنين رغم أنه قَدِم إلى فلسطين منذ عامين ونصف وحسب[16].
وارتفعت نسـبة اليهـود إلـى العـرب في فلسـطين إلى 9.7 % فـي سنة 1914م، واسـتمرت في الارتفـاع لتصـل مقـارنة بعرب فلسطين إلى 35.1 % قبيـل سـنة 1948م. وكان مجمـوع ما يحوزه اليهود من أراضي فلسطين قبل سنة 1914م لا يتجاوز 1.5 %، ثم ارتفعت هذه النسبة لتصبح 5.67 % قبيل سنة 1948م، وبينما كان مجموع عدد المستوطنات على عهد السلطان عبد الحميـد عام 1907م لا يتجاوز 27 مستوطنة في فلسطين كلها، ارتفع هذا العدد ليبلغ 47 مستوطنة عام 1914م، ثم 71 مستوطنة عام 1922م، وفي عام 1944م قفز العدد إلى 259 مستوطنة، ثم وصل إلى 277 مستوطنة قبيل إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948م[17].
ردُّ الفعل:
قام علماء فلسطين وممثلوها لدى السلطات العثمانية بالتنبيه إلى خطر الاستيطان اليهودي والمطالبة بإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897م هيئةً محلية ذات صلاحيات حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس، فحال دون انتقال أراضٍ كثيرةٍ لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي الذي أسس الحزب الوطني العثماني في سنة 1911م دوره في التحذير من الخطر الصهيوني، وكذلك فعل يوسف الخالدي، وروحي الخالدي، وسعيد الحسيني ونجيب نصار[18].
وقد شاركت الصحف أيضاً في فضح المؤامرة، مثل: الكرمل، والدفاع، والجامعة العربية، وفلسطين... فعندما أقدمت السلطة العثمانية على بيع الأراضي للمنظمات اليهودية مثل الصندوق القومي اليهودي «الكيرن كايمت» (Keren Kayemeth) والصندوق التأسيسي «كيرن هايسـود» (Hayesod Keren)، أبرزت «الكـرمل» بشـكل لا يقبل الجدل سياسة السلطة العثمانية ثم الانتداب البريطاني لتمليك اليهود أراضٍ فلسطينية؛ فكتب نجيب نصار[19] يقول[20]:
«في نابلس قامت في تموز 1913م مظاهرة ضد اعتزام السلطات بيع أراضي بيسان التابعة للدولة للمنظِّمة الصهيونية، كما أرسل المزارعون في سهل بيسان برقيات احتجاج على بيع أراضيهم»، وبيَّنت الكرمل أن «حتمية تنظيم العمل والجهود كانت ذات أثر فعال في التمهيد لظهور جمعية مكافحة الصهيونية التي اتخذت من نابلس مقرها الرئيسي مع إقامة فروع لها في بعض المدن الفلسطينية الأخرى».
وبمجرد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها بدأت الخطط في التحرك على الأرض وأوَّل هذه الخطط كان مؤتمر الصلح في باريس[21] في أوائل عام 1919م، وقد أعدت الحركة الصهيونية بياناً لتقديمه أمام هذا المؤتمر؛ حيث يبدأ هذا التصريح أو الخطة بإشارات إلى العلاقة التاريخية لليهود في فلسطين كوطن قومي، ودعوات للمؤتمر في صيغة قرارات مقترحة للقبول بانتداب بريطاني من عصبة الأمم يضع فلسطين تحت ظروف اقتصادية وسياسية تمهد لإنشاء الوطن القومي لليهود تنفيذاً لوعد بلفور[22].
وتنفيذاً لسياسة الوطن القومي في البلاد، اشترك الصهاينة من اليهود وغير اليهود في الحكومة المدنية التي أقيمت عام 1920م في فلسطين، وكان على رأسها هربرت صموئيل (1920م – 1925م) Herbert Samuel [23] أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين بعد صدور قرار الانتداب، وكان معروفاً بتعصبه للحركة الصهيونية، وهو من الساسة البريطانيين الذين ناصروا حاييم وايزمان وفكرة الوطن القومي[24]، وقام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، وتكررت هِبَاته الضخمة من الأراضي الساحلية الأخرى، وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت[25].
وبدت تلك علامةً مبشِّرةً للصهاينة، ونذيرَ سوء للعرب وكان صموئيل ملتزماً بوعد بلفور[26]؛ فشرع صموئيل في إصدار القوانين لتسهيل تحقيق تحالفٍ (صهيوني – بريطاني) من أجل إنشاء دولة صهيونية في فلسطين.
وبين سنتي 1937م و 1948م، صيغت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937م)، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر1937م)، وخطة يونيه (يوليو 1938)، وخطة روبين (يونيو 1938م)، وخطة الجزيرة (1938م – 1942م)، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934م – 1948م)، وخطة بن غوريون (1943م - 1948م)، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (عام 1948م)، وفي الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل: اللجنتان الأوليان أَلَّفتهما الوكالة اليهودية (1937م - 1942م). أما اللجنة الثالثة فقد أَلَّفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948م[27]. وقبيل الحرب العالمية الثانية مارست بريطانيا وقواتها العسكرية (من جيش وبوليس) أبشع أنواع العقوبات ضد العرب واستخدمت كل ما لديها لإخماد الحركات الثورية العربية: من اضطهاد وقتل وتعذيب ونفي[28].
ووقف زعماء الحركة الصهيونية يساعدهم الاستعمار البريطاني في وجه الشعب الفلسطيني، وحاولوا قهره بتهجير اليهود إلى البلاد لإيجاد أكثرية يهودية ساحقة بواسطة الهجرة الواسعة؛ لكي تسود سيطرتهم في البلاد؛ فيتمكنوا من صبغ فلسطين بالصبغة اليهودية، ومن ثَمَّ إجلاء الفلسطينيين إلى خارج فلسطين، وسلب حقوقهم والإقامة مكانهم[29].
وهكذا فإن عملية انتقال حيازة الأراضي وملكيتها من اليد العربية الفلسطينية إلى اليد الصهيونية خلال حوالي 100 عام لم تتجاوز 5.67 من مساحة فلسطين؛ رغم التسهيلات القانونية والإدارية والسلطوية، خاصة في فترة الانتداب، ورغم الإغراءات التي مارستها الحركة الصهيونية والضغوطات والأعباء الضريبية التي فُرِضت على المالكين خلال الفترة العثمانية والانتدابية، التي دفعت جزءاً منهم إلى إرجاء تسجيل الأرض، ولكن لا يمكن الادعاء أنهم تنازلوا عنها[30]، وهذه هي النسبة التي روجت الصهيونية لها عبر آلة إعلامها؛ أي أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم وقد سرت هذه الافتراءات سريان النار بالهشيم[31]؛ ولذا تقول (روزماري) الباحثة البريطانية: «لقد آذى التشهيرُ الفلسطينيينَ أكثر مما آذاهم الفقر. وأكثر الاتهامات إيلاماً، كان الاتهام بأنهم باعوا أرضهم؛ أو أنهم هربوا بجبن، وقد أدَّى الافتقار إلى تاريخٍ عربيٍّ صحيحٍ لعمليَّة الاقتلاع (التي لم تُروَ إلا مجزَّأة حتى الآن) بالجمهور العربي، إلى البقاء على جهله، بما حدث فعلاً[32].
وقعت الواقعة (قرار التقسيم):
لقد حاول قرار الأمم المتحدة المجحف بتقسيم فلسطين أن يضفي شرعية على إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وكان من أبرز أوجه الظلم التي نتجت عن هذا القرار تمزيق شعب فلسطين وتشريده؛ ففي المنطقة التي قضى التقسيم إعطاءها لليهود (54 % من الأرض) كان يعيش 498 ألف يهودي و 497 ألف عربي، وفي المنطقة التي قضى بإعطائها للعرب (45 % من الأرض) كان يعيش 725 ألف عربي و 10 آلاف يهودي فقط، بينما تَقَرر وضع منطقة القدس (1 % من الأرض) تحت إشراف دولي؛ حيث يسكنها 105 آلاف عربي، و 100 ألف يهودي[33]؛ بينما قَبْلَ التقسيم كان اليهود يملكون نحو 6.5 % منها فقط.
ثار شعب فلسطين ثورة عارمة احتجاجاً على هذا القرار الفاجع، وراحت الهاغانا تنفذ خطة هجومية شاملة ليس فقط للسيطرة على ما حدده قرار التقسيم للدولة اليهودية وهو 56.47 % من مساحة أراضي فلسطين بل لتوسيع هذه الحدود أيضاً، متَّبِعة الخطة (د) أو حدوة الحصان التي تعتمد على توصيل المناطق اليهودية وربطها ببعضها عن طريق تدمير القرى العربية واحتلالها وطرد سكانها من خلال محاصرة هذه القرى من ثلاثة جوانب، وإطلاق النيران الكثيفة عليها ليلاً والناس نيام دون سابق إنذار؛ وهو ما كان يلقي الرعب والهلع في قلوب الأهالي الذين كانوا يتركون كل عزيز ونفيس بعد أن تحصد النيران أعداداً كثيرة منهم لينطلقوا تائهين مشردين بين جريح ومريض وعاجز. وحين كانوا يحاولون العودة بعد هدوء القصف كانت القوات الصهيونية تنتظرهم بالمرصاد؛ ليحصدوهم تحت نيران بنادقهم وأسلحتهم التي كانت تحصد كل من تسوِّل له نفسه العودة إلى أرضه، كما كان قانون (مصادرة الأرض ساعة الطوارئ) الذي استنته العصابات الصهيونية أثناء حرب عام 1948م يمنعهم من العودة[34].
هل ترك أصحاب الأرض بلادهم بإرادتهم الحرة؟
لقد تحدثت القصة الإسرائيلية التاريخية التي جرى تلفيقها عن «انتقالٍ طوعي» جماعي أقدم عليه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرروا أن يهجروا بيوتهم وقراهم مؤقتاً من أجل أن يفسحوا الطريق أمام الجيوش العربية الآتية لتدمير الدولة اليهودية الوليدة[35].
ويكرر شمعون بيريز أن: «الفلسطينيين هربوا من قراهم ومدنهم في سنة 1948م بأوامر من قادتهم»[36]. وتدعي السلطات الإسرائيلية والحركة الصهيونية في الدعاية الرسمية وفي المحافل الدولية أن العرب هم الذين هربوا من البلاد، وكانت البلاد فارغة. وادَّعى الإسرائيليون والصهيونيون أن ما حدث سنة 1948م، هو أن الزعماء العرب طلبوا من الفلسطينيين مغادرة قراهم ومدنَهم مؤقتاً؛ ريثما تقوم الجيوش العربية بالقضاء على الدولة اليهودية الوليدة؛ فاستجاب عدد كبير من الفلسطينيين لهذا الطلب، وخرجوا بمحض إراداتهم، ظانين أنهم سيعودون إلى بيوتهم بعد فترة وجيزة، ولكن الجيوش العربية فشلت في مهمتها، فطالت فترة الانتظار حتى أصبح الفلسطينيون لاجئين.
كشف الكذب ولو بعد حين:
لقد ظهر عدد من الدراسات، مثل دراسات وليد الخالدي (1959م - 1961م)، وأيرسكين تشايلدرز (1961م) وغيرهما، وتمكنت هذه الدراسات من دحض تلك الافتراءات؛ وسوف نتناول بعضاً من تلك الدراسات الموضوعية في ما يلي:
يؤكد الصحفي الإيرلندي أيرسكين تشايلدرز بعد قضائه عدة أشهر يتقصَّى أسباب خروج الفلسطينيين، واطلاعه على محطات الإذاعة البريطانية والأمريكية لتفحُّص تسجيلات البث الإذاعي التي سُجِّلت خلال سنة 1948م، ثم قرر في نهاية مطافه أنه: «ليس هناك أمر أو نداء أو اقتراح واحد يمكن أن تكون قد بثته أي إذاعة عربية داخل أو خارج فلسطين خلال عام 1948م يتعلق بتشجيع الفلسطينيين على الرحيل، بل على العكس من ذلك؛ فقد تم التقاط تسجيلات متكررة لنداءات وأوامر موجهة من إذاعات عربية إلى الفلسطينيين تطلب منهم البقاء في فلسطين».
ووجد تشايلدرز أدلة واضحة على أن الإذاعة الإسرائيلية كانت تبث برامج بالعربية لحث الفلسطينيين على الرحيل[37]. ووجد أيضاً أن الإذاعة الإسرائيلية التي تبث باللغة العربية، هي التي كانت تنشر الخوف في قلوب السكان[38]، وأكد هذا الكشفَ بني موريس[39].
ولم تُصدِر اللجنة العربية العليا أوامرها للفلسطينيين بالنـزوح (لإفساح المجال للجيوش العربية)، كما تروج الدعاية الصهيونية، بل على العكس من ذلك؛ فهناك أكثر من رسالة رسمية صادرة عن اللجنة، وإحداها مؤرَّخة في 8 مارس عام 1948م تطلب من الحكومات العربية التعاون لمنع نزوح الفلسطينيين[40].
كما أكد الكاتب والأكاديمي اليهودي إيلان بابه[41] من خلال أبحاثه أن اللاجئين الفلسطينيين Palestinian Refugee لم يهربوا بناءً على طلب القادة العرب لهم، بل أُخرِجوا بالقوة، موضحاً الأوامر بشأن التدمير والإخلاء في مضمون الخطة (داليت Dalet)[42] التابعة للهاغانا، لكنه ألقى لوماً جزئياً على تنازل القيادة الفلسطينية، والدور الذي لعبته السلطات البريطانية قبيل أيار عام 1949م[43]. وهو الأمر الذي أكده مناحم بيغن عندما قال: «كان لمذبحة دير ياسين نتائج كبيرة غير متوقعة؛ فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين»[44].
كما أيد مايكل بالومبو (Michael Palumbo)، صحة الرواية الفلسطينية لأحداث عام 1948م، استناداً إلى وثائق الأمم المتحدة ومقابلات مع لاجئين ومعنيين فلسطينيين. في كتابه القيم: النكبة الفلسطينية (The Palestinian Catastrophe) الذي نشر في سنة 1987م[45].
مما سبق يتضح لنا أن الفرية التي روجت لها الصهيونية بشكل غير مسبوق في ما يتعلق ببيع الفلسطينيين لأراضيهم، قد كانت بهدف تغطية جرائمها ومجازرها الوحشية التي ارتكبتها أثناء الحرب التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وليس هذا ما أعطاهم إياه حق التقسيم، ولكن لتوسيع حدود المحتل، والسيطرة على المناطق الإستراتيجية في فلسطين، ومن ناحية أخرى نجد أن قوات الاحتلال قامت بتشويه صورة الفلسطينيين أمام إخوانهم العرب حتى لا يتعاطفوا معهم أو يساندوهم في معاركهم لاسترداد أراضيهم[46].
من ذا يعيرك عينَه تبكي بها؟
أرايتَ عيناً للبكاءِ تُعَارُ؟


--------------------------------------------------------------------------------


[1] (1516م – 1917م / 922هـ - 1336هـ).

[2] موشي مونتفيوري (1784م - 1885م): ثري يهودي بريطاني، زعيم الجماعة اليهودية في بريطانيا، ومن كبار المدافعين عن الحقوق المدنية لليهود في إنجلترا والعالم. موسوعة عبد الوهاب المسيري، اليهود واليهودية: 6/ 177.

[3] (1839م - 1861م).

[4] للمزيد راجع: روث كارك، الأراضي واستصلاحها أثناء زيارة مونتفيوري الثانية إلى فلسطين 1839م، مجلة كاثدرا (القدس، العدد 33، 1986م)، ص 4.

[5] Ben Halpern, The Idea of the Jewish State, Cambridge,Mass,1961,p105

[6] قانون الأراضي لسنة 1858م، المنشور في مجموعة عارف رمضان (الحكم العثماني)، بتاريخ:  (1/6/1925م)، ص 7.

[7] إبراهيم رضوان الجندي: الأرض والفلاح الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني، مجلة آفاق عربية، ع 8، ص 28، 1979م.

[8] وكان قبله لا يحق للأجنبي استملاك الأراضي في الدولة العثمانية لأي سببٍ من الأسباب.

[9] محمد عيسى صالحية، مدينة القدس، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات، 2009م)، ص 15.

[10] المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات
http://www.malaf.info/?page=show_details&Id=12&table=table_141&CatId=162 .

[11] هند أمين البديري، أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ: دراسة وثائقية (القاهرة: جامعة الدول العربية 1998)، ص 237.

[12] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، جريدة الأهرام، ع - 41437، 19 - 5 -2000م

[13] راسم خمايسي: هكذا سُرِّبت ونُزعَت الأرض في فلسطين، مركز بديل لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين
http://www.badil.org/en/haq-alawda/item/361-article13

[14] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.

[15] حركة سياسية كانت توجّه مقدرات الدولة العثمانية وتدير شؤونها منذ الانقلاب الدستوري عام 1908م حتى هزيمة الدولة في الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة مودروس Modrus عام 1918م، وتأسست عام 1894، راجع الموسوعة العربية
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=1479.

[16] قناة الجزيرة، برنامج أرشيفهم وتاريخنا، الحلقة الثالثة بتاريخ: 13/2/2009م.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CE5F44EC-9718-499E-A071-EE039B48C40A.

[17] غازي فلاح: إسرائيل والأرض الفلسطينية. مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 42 (ربيع 2000)، ص 67.

[18] المرجع السابق، ص43 - 67.

[19] نجيب نصار: شيخ الصحافة الفلسطينية ومؤسس صحيفة «الكرمل»، ولد في لبنان عام 1873م، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، فرع الصيدلية والعلوم السياسية. أتاحت الفرصةُ لنجيب نصار أثناء عمله في مدينة طبريا والقدس الاختلاطَ المباشر بالمهاجرين اليهود؛ حيث تعرَّف نصار إلى المخطط اليهودي، وإلى فكرة إقامة الدولة اليهودية على أرضي فلسطين بحسب جدول زمني منظم، فكان هذا الأمر دافعاً أساسياً إلى تأسيسه جريدة «الكرمل» الحيفاوية. راجع: عبد الوهاب الكيالي تاريخ فلسطين الحديث، ص 54.

[20] «الكرمل»، عدد 1913/8/12، وعدد 1913/9/19م.

[21] عبد العظيم رمضان، تاريخ أوربا والعالم في العصر الحديث ، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1997).

[22] قناة الجزيرة، برنامج أرشيفهم وتاريخنا، الحلقة الرابعة بتاريخ: 19/2/2009م.
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/DE6EF1E5-6FDA-40F7-A9E3-CE74D818D7C4.

[23] هربرت صموئيل: سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين. ولد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب والأعمال المالية (كان أبوه شريكاً في شركة صموئيل ومونتاجو). وقد تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، وانضم إلى الحزب الليبرالي، ورشح نفسه للانتخابات ونجح سنة 1902م. وتدرَّج صموئيل في عدد من الوظائف إلى أن أصبح وزيراً في الوزارة البريطانية، وكان بذلك أول إنجليزي يهودي يشغل هذا المنصب.
Britannica, vol. 10, p. 382

[24] وولتر لين، أوري وديفز: الصندوق القومي اليهودي، ترجمة محمود زيدان، رضوان مولوي، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عام 1990)، ص59.

[25] الموسوعة الفلسطينية: 1/180.

[26] كارين أرمسترونج: القدس مدينة واحدة... عقائد ثلاث، ترجمة، فاطمة نصر، محمد عناني (سلسلة مكتبة الأسرة) (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 2009)، ص 604.

[27] نور الدين مصالحة: التصوُّر الصهيوني للترحيل، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 7، صيف 1991، ص 28 – 29.

[28] محمد عيسى صالحية: مدينة القدس، مرجع سابق، ص 82.

[29] إيلان هاليفي، المسألة اليهودية، ترجمة فؤاد جديد، (دمشق: مكتب الخدمات الطباعية)، ص 19.

[30] راسم خمايسي: هكذا سُرَّبت ونُزعَت الأرض في فلسطين، مركز بديل لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.
http://www.badil.org/en/haq-alawda/item/361-article13

[31] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.

[32] عيسى القدومي: فلسطين وأكذوبة بيع الأرض، مرجع سابق، ص 13.

[33] الموسوعة الفلسطينية: 1/559 -560.

[34] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.

[35] إيلان بابه: التطهير العرقي في فلسطين، ترجمه أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2007)، ص 4.

[36] Shimon Peres, The New Middle East, With Arye Naor (London: Shaftesbury) Element Books, 1993), p. 198.

[37] كليفورد رايت: حقائق وأباطيل في الصراع العربي الإسرائيلي، ترجمة عبد الله عريقات وعبد الله عيَّاد، (عمان: دار الناصر، 1992)، ص23 - 24.

[38] شريف كناعنة: الشتات الفلسطيني: هجرة أم تهجير؟ (القدس: مركز القدس العالمي للدراسات الفلسطينية، عام 1992)، ص200.

[39] بني موريس: ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين «وثيقة إسرائيلية»، (الأردن: دار الجليل للدراسات والأبحاث الفلسطينية، عام 1993)، ص80.

[40] كليفورد رايت، حقائق وأباطيل، مرجع سابق، ص 25.

[41] إيلان بابه: مؤرخ إسرائيلي، ينتمي إلى تيار المؤرخين الجدد، ومحاضر في العلوم السياسية في جامعة حيفا. وهو أيضاً المدير الأكاديمي لمعهد غفعات حبيبا لدراسات السلام، ورئيس معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية في حيفا. وقد ألَّف عدة كتب، منها: تاريخ فلسطين الحديثة، والشرق الأوسط الجديد، والتطهير العرقي في فلسطين.

[42] وُضِعَت الخطة داليت في 10 آذار/ مارس 1948، كارين أرمسترونج: القدس مدينة واحدة... عقائد ثلاث، مرجع سابق، ص 621.

[43] Ilan Pappe «Post-Zionist Critique on Israel and the Palestinian, Popular Culture». J.P.S Issue 104, No. 4, Summer 1997

[44] Manachem Begin, THE REVOLT, LONDON, IST EDITION, 1972, P 165.

[45] Michael Palumbo, The Palestinian Catastrophe: The 1948 Expulsion of a People from Their Homeland. London: Faber and Faber, 1987..

[46] هند أمين البديري: فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي، مرجع سابق.

الأحد، 6 يونيو 2010

قافلة غزة بين العصابات والتحقيقات، وبين الثبات والسبات

قافلة غزة بين العصابات والتحقيقات، وبين الثبات والسبات


عبد المنعم الشحات
أضيفت بتاريخ : : 03 - 06 - 2010
نقلا عن : موقع صوت السلف



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..

فقد أضافت إسرائيل إلى سجل جرائمها جريمة قد لا تكون الأكثر دموية ولا الأكبر في عدد الضحايا، ولكنها قد تكون الأكثر تيهًا وعلوًّا وغرورًا؛ مما يؤذن بسرعة خرابها وزوالها- بإذن الله-.

فقد قامت القوات البحرية الإسرائيلية المدعومة جوًّا بمهاجمة ستّ سفن مساعدات كانت متوجهة إلى غزة؛ لكسر الحصار الجائر عليها مما عُرف بـ"قافلة الحرية"، ورغم أن إسرائيل قد هدَّدت باستعمال القوة إلا أن النشطاء الذين جاءوا يحمون السفن بأبدانهم استبعدوا أن تُقدِم إسرائيل على الاعتداء على أكثر من 750 مدنيًّا من أربعين دولة مختلفة، ومن ديانات مختلفة، إلا أنها أقدمت وبوحشية خلَّفت نحوًا من مائة مصاب بينهم قريب من عشرين قتيلاً، معظمهم من الأتراك المسلمين- نسأل الله أن يتقبلهم عنده في الشهداء-.



وقد تشعَّبت المواقف المتعلقة بهذا الحدث، وفي كل منها الكثير من العظات والعبر؛ فنقتطف منها ما يلي:
1- الشخصية اليهودية لديها استعداد كبير للخضوع والذلة والاستكانة حال الضعف؛ حرصًا على حياتهم، كما قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96]، ولم يقل: "الحياة"؛ لأنهم يحرصون على أي حياة- ولو كانت مهينة-!

وهذا الخضوع وتلك المهانة تنقلب إلى مبالغة في الاستطالة والعلو حال التمكن؛ فالرغبة في القتل والتدمير سلوك يهودي موروث، حتى أنهم مِن فرط حبهم له قد نسبوه إلى الله! كما تقول توراتهم المحرفة في مواطن عدة، منها ما نَسبَ كتاب سفر حزقيال (5:9) للرب قوله: "اعبروا في المدينة خلفه واقتلوا. لا تترأف عيونكم ولا تعفوا. أهلكوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء. ولكن لا تقربوا من أي إنسان عليه السمة, وابتدئوا من قدسي. فابتدؤوا يهلكون الرجال والشيوخ الموجودين أمام الهيكل. وقال لهم: نجسوا الهيكل واملأوا ساحاته بالقتلى, ثم اخرجوا. فاندفعوا إلى المدينة وشرعوا يقتلون"(1).

2- هذا القتل الهمجي هو السلاح الأول الذى قامت عليه دولة إسرائيل؛ حيث كانت عصابات اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين تقوم بالهجوم الليلي الغادر على القرى الفلسطينية، فتقتل النساء والأطفال، بل البهائم، ومن خلال هذا الطريق الإجرامي استطاعت إخلاء قرى من سكانها المسلمين؛ ليحل محلهم المغتصبون اليهود!.



3- اليوم وبعد أن أصبحت إسرائيل دولة عضوة في "الأمم المتحدة"(2)، وبعد أن أصبحت صاحبة الجيش النووي، وبعد.. وبعد..؛ ما زالت إسرائيل تفضل أسلوب العصابات الذي ولدت عن طريقه؛ لأنه الأسلوب الأكثر إشباعًا لغريزة القتل والتدمير اليهودية؛ فعلى الرغم من أن إسرائيل كانت تملك وسائل سلمية لإيقاف القافلة، أو حتى كانت تستطيع تنفيذ اقتحام آمن؛ إلا أنها فضلت تلك الصورة المخزية، ولكنها في نفس الوقت مغرية جدًّا لأمثال هؤلاء الطواغيت!.

4- وقع في اليهود في الزمان مسخ إلى قردة وخنازير، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:65-66].

وقد صح الحديث أنه: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلاً وَلاَ عَقِبًا» [رواه مسلم]؛ فاليهود المعاصرون ليسوا أحفاد القردة والخنازير؛ ولكنهم إخوان لهم؛ لأنهم ساروا على درب هؤلاء الفئة التى مُسخت، بل بقيَ فيهم من أخلاق الخنازير من الغدر والخيانة واستحباب الخبيث على الطيب-حتى مع وجود الطيب- الشيء الكثير!.



5- تزداد يقينًا من هذا إذا عرفت أن قائد "المخابرات البحرية الإسرائيلية" الذي قاد ذلك الهجوم الوحشي هو بطل فضيحة جنسية؛ حيث شوهد خارجًا من ملهًى للبغايا، وهو ما اعتذر عنه بأنه كان هناك للقاء صديق وليس لشخص آخر، حتى فوجئ بصور له مع البغايا؛ فاعترف بجريمته! وهو ما يدلك على أن اليهود الذين اعتدوا في السبت هُم هُم، وإنما يحاولون أن يظهروا أمام غير اليهود بصورة المتمسك بدينه؛ كنوع من التعالي والاعتزاز بدينهم اليهودي الخاص بجنسهم، وإلههم الذي يكون حارسًا لهم في حروبهم كالكلب كما تزعم توراتهم المحرفة- تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-!.

6- حاولت إسرائيل التنصل من جريمتها بادعاء أن الذين كانوا على متنها "إرهابيون"، وكانوا يحملون اسلحة بيضاء، وأنهم فوق هذا خطفوا سلاح أحد الجنود وأطلقوا منه النار عليهم..! وإسرائيل هنا كـ"المستجير من الرمضاء بالنار"؛ فلو صدقناهم جدلاً- مع كذبهم من واقع شهادة شهود العيان-؛ فإن روايتهم تستلزم الحط من شأن الجنود الإسرائليين الذين عجزوا رغم تسليحهم الخارق عن مواجهة عُزل حتى فقد أحدهم سلاحه، وعمومًا فإننا بصدد أنموذج واضح لتعريف الإرهاب عند اليهود وعند أوليائهم، وهو مَنْ تحدثه نفسه بمواجهة المعتدين، وإن كانوا يقتحمون عليه سفينته في المياه الدولية، مما يجعله يدخل فى القانون الدولي تحت بند "القرصنة"! ولكن القانون الدولي "لا يحمي المغفلين" الذين يظنون أنه وُضِع ليُطبق على الجميع!.



7- وإذا كانت هذة الرواية اليهودية للأحاديث والكذب حرفة لهم؛ فماذا عن رواية شهود العيان؟!.
أدلى الدكتور "حازم فاروق"(3) بتصريحات لـ"موقع العربية. نت"، نشرتها صباح الأربعاء؛ نقتطف منها ما يلي:

‌أ- كان الدكتور "حازم" على متن السفينة التركية التي نفـَّذ العدو هجومه الغادر عليها.
‌ب- لم يكن على ظهر السفينة أي أسلحة بيضاء، حتى الملاعق والسكاكين الخاصة بالطعام كانت بلاستيكية؛ لعدم ترك أي ذريعة لإسرائيل.
‌ج- نفذت إسرائيل هجومها الغادر أثناء أداء ركاب السفينة لصلاة الفجر(4).
‌د- قام الجنود الصهاينة بقتل نحوٍ من أربعة عشر تركيًّا باستهدافهم بإطلاق النار مباشرة عليهم بعد ضربهم وإهانتهم، ووطء رؤوسهم(5).
هـ- استخدم جنود العدو القنابل الصوتية والقنابل المسيلة للدموع للسيطرة على باقي ركاب السفينة.
و‌- أمر الجنود الإسرائيليون ركاب السفينة بخلع ملابسهم؛ لكي يستخدموها في مسح دماء الأتراك، حتى أن الدكتور "حازم" استمر من تلك اللحظة حتى لحظة رجوعه إلى مصر بملابسه الداخلية (6).



8- طالبت أمريكا إسرائيل بإجراء تحقيق فوري وشفاف لبيان حقيقة ما حدث، وهي بذلك قد تفوقت على الشقيقة التي كانت كبرى "إنجلترا" التي جلبت شُذاذ اليهود من الأفاق؛ لكي يكوِّنوا دولة إسرائيل حتى تنوب عن الغرب في حرب الدول الإسلامية.
وكانت إنجلترا تقوم بما سُمي آنذاك "بالانتداب البريطاني" الذي فرضته الدول الغربية لحماية الولايات العثمانية من وقوعها في أيدي قوات الألمان بعد الحرب العالمية الأولى.

وبالتالي مثـَّلت إنجلترا سلطة عليا في االبلاد التي انتدبت لحمايتها، وقد استغلت إنجلترا هذه السلطة في التمكين لليهود؛ حيث كانت العصابات اليهودية تقتل وتحرق الأخضر واليابس، ثم تصل القوات الإنجليزية بعد تمام الجريمة والفرار لتجري تحقيقات شفافة تنتهي إلى أن تقيد الجريمة ضد مجهول.

وحينما قام "عز الدين القسام"- رحمه الله- بتشكيل قوات جهادية للتصدي للعصابات اليهودية أجريت تحقيقات إنجليزية "غير شفافة" نتج عنها معرفة "الإرهابيين" المسلمين، وتحديد معسكرات تدريبهم ومهاجمتهم فيها، ولم يهدأوا حتى قتل الشيخ "القسام"- نسأل الله أن يتقبله عنده في الشهداء-.

واليوم تطالب أمريكا إسرائيل نفسها بأن تجري تحقيقات شفافة، بينما احتجزت إسرائيل معظم ركاب السفن الستة بتهمة دخول إسرائيل بطريقة غير مشروعة.



9- لقد كانت إنجلترا مضطرة إلى أن تجري تحقيقات بنفسها؛ لكي تحافظ على صداقة الشريف حسين وأبنائه الذين رغم سذاجتهم الشديدة أو عمالتهم المفرطة كانوا دائمًا ما يطالبون إنجلترا بتقديم ضمانات أنها سوف تسمح لهم بتكوين الدولة العربية المتحدة لتشمل معظم المنطقة العربية بما في ذلك فلسطين، وأن وضع اليهود في فلسطين لن يتعدى الحصول على الحكم الذاتي أو ما هو أقل منه "وطن قومي".

وبالطبع غدرت إنجلترا بالشريف حسين، ولكننا نبتلى اليوم بمن هم في سُبات عميق؛ فيٌلدغون من الجحر الواحد عشرات المرات كما يلدغ الميت ولا يحرك ساكنًا(7).

وأما أمريكا فسواء في ذلك "أمريكا بوش الأب" أو "الابن" أو "أمريكا كلينتون"، أو "أمريكا أوباما" فأمن إسرائيل وتدليل إسرائيل خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ليس فقط لسيطرة اللوبي اليهودي في أمريكا على مصائر الساسة؛ بل لأنه من ثوابت السياسة الغربية منذ "وعد بلفور" إلى الآن الحفاظ على إسرائيل كحجر عثرة في طريق عودة المسلمين إلى دينهم فضلاً عن عودة الخلافة الإسلامية.



10- بمناسبة ذكر الخلافة ما زالت مواقف الخلافة العثمانية في فلسطين حتى في فترات ضعفها تذكر بأن الإمام الذي يتولى باسم الدين ويكون دوره المنوط به هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين هو الذي يبكي مصالح إلاسلام حتى إن ضعف أو فسد، كما ظلت جيوش العثمانيين تقاتل في فلسطين حتى تحالفت جيوش "الشريف حسين" باسم القومية العربية مع جيوش الإنجليز ضدها؛ فسقطت فلسطين في أيدي الإنجليز، ومن ثمَّ في أيدي اليهود فيما بعد.

والآن الأتراك بدأوا يفيقون لكونهم مسلمين قبل أن يكونوا أتراكًا، وبدأوا يعودون للإسلام، والسياسة الخارجية التركية فيها شيء من الحنين إلى تركيا الخلافة بقدر ما يسمح به النظام العالماني هناك، ومن هنا كان الدور الأكبر في تنظيم هذة القافلة للأتراك مما يوجب على الصحوة إلاسلامية في بلاد العرب أن تشد من أزر الصحوة إلاسلامية التركية ليلتئم الشمل الذي مزقه دعاة القومية العربية(8).

11- الحكومة التركية الحالية تمارس خليطًا من الاسلام والعالمانية شأنها شأن كل الدول الإسلامية تقريبًا، وربما كانت حصة العالمانية في النظام التركي أكبر، ولكن هناك فرق جوهري؛ فتركيا تسير منطلقة من علمانية غاية في التطرف مقتربة شيئًا فشيئًا من الإسلام؛ بينما معظم البلاد المسلمين تسير في الاتجاه المعاكس- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-، وهذا الاتجاه نحو إلاسلام يرفع من رصيد تركيا على المستوى الشعبي في العالم الاسلامي ككل؛ حتى كتب أحد المشاركين في موقع شبابي مقالاً بعنوان: "البقاء لله في العرب.. أردوغان أمير المؤمنين الجديد".

مما يوجب على الدعاة إلى الله فضح العالمانية، وبيان مخالفتها للإسلام، وأنهم وإن اعترفوا بالولاية الواقعية للسلطات المدنية لحفظ مصالح المسلمين؛ إلا أنهم لا يثبتون الولاية الشرعية إلا لمن تولى باسمها، وعمل على حفظها.



12- ضمت القافلة عددًا كبيرًا من الكفار الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وتعرَّضوا لما تعرضت له، والواقع أن بعض الكفار يُخلص لمبادئ معينة كما أخلص أبو طالب عم النبي- صلى الله عليه وسلم- للشهامة العربية، والنخوة في الدفاع عن قومه حتى حُصِر في الشعب مع المسلمين سواء بسواء في حصار "شعب أبي طالب"، وعلى الرغم من تشدُّق الكفار بمبادئ الحرية، وغيرها؛ إلا أنها لا وجود لها تقريبًا على المستوى الرسمي.

وأما على المستوى الشعبي فكثير من أبناء الغرب يتشرب أن هذه المبادئ إنما هي للإنسان الأبيض النصراني فقط، وأما مَن سوى ذلك فلا تنطبق عليه هذه المبادئ، وقليل منهم مَن يؤمن بها على عمومها، ويشعر بتأنيب الضمير من جراء الازدواجية التي ينظر بها الساسة في بلاده إلى الأمور، ومن ثمَّ يسعون إلى معاونة الشعوب إلاسلامية المظلومة.
ويجب في التعامل مع هؤلاء أن نراعي الجوانب التالية:

أ‌- قوله- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني] عامٌّ يوجب على المسلمين شكر من أدى إليهم معروفًا.

ب‌- من المستحب الإثابة على المعروف اذا كان بين مسلم وآخر؛ وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها [رواه البخاري].
ويتأكد هذا إذا كانت من كافر لمسلم حتى لا يكون لكافر يد على مسلم؛ ولذلك قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في شأن أُسارى بدر: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» [رواه البخاري]، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان قد دخل مكة في جواره بعد رحلة الطائف.
ومن ثمَّ فالواجب على المسلمين رد الجميل لمثل هؤلاء الكفار.

ج- يجب أن يُحذر كل الحذر من أن يكون رد الجميل بالثناء على منهج هؤلاء الكفار، أو الرضى بدينهم، أو قبول مداهنتهم إذا داهنوا كما كانت سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- مع أشد مناصريه عمه أبي طالب.
ومن أعظم حقوق هؤلاء المتعاطفين معنا أن ندعوهم إلى الإسلام؛ عسى الله أن يخرجهم بنا من الظلمات إلى النور، ولذلك كان حرص النبي- صلى الله عليه وسلم- على أن يهدي الله عمه أبا طالب ليس نابعًا فقط من حرصه- صلى الله عليه وسلم- على إسلام الخَلق جميعًا: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، ولا لمجرد كونه عمه؛ وإلا فقد كان حرصه على إسلامه زائدًا عن حرصه على إسلام آحاد المدعوين، وزائدًا على حرصه على إسلام سائر أعمامه بما فيهم العباس -رضي الله عنه- الذي أسلم بالفعل- بحمد الله-.
ولذلك فيجب أن يكون هؤلاء المتعاطفون موضع عناية الدعاة إلى الله في كل مكان، وهذا من أعظم أنواع رد الجميل لهم، كما أن استعداد هؤلاء للبذل في سبيل ما يؤمنون به قد يكون مؤشرًا لاستعدادهم المبدئي للتفكر والتدبر، و«النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا» [رواه البخاري].

د- وقد حدث- بحمد الله- أن أسلم أحد هؤلاء الناشطين على متن السفن المتجهة إلى غزة قبل أن تداهمها جحافل القوات الصهيونية الغاشمة، نسأل الله أن يشرح صدره، وأن يثبته على الحق وأن يجعله هاديًا مهتديًا(9).

هـ- إذا غلب على الظن أن كل أو بعض هؤلاء الناشطين يريد من وراء ذلك المداهنة التي يترتب عليها تمييع قضايا العقيدة أو كسر براءة المسلمين من الشرك(10)؛ فحري أن يُقال له حينئذ: «نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]، ويُقال لهم: «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» [رواه مسلم].



13- في مصر صدر قرار رئاسي بفتح معبر رفح أمام الحالات الإنسانية بلا سقف زمني، مما خفف من حالة الحرج البالغ التي يشعر بها كل مسلم غيور على أرض مصر من إغلاق المتنفس الوحيد الذي تطل منه غزة لا أقول على العالم الإسلامي؛ بل على عالم الانسانية؛ اذ تطل سائر حدودهم على عالم "الصهيونية"، فإذا كان هذا فعلها بنشطاء أجانب فى البحر فكيف بفعلها فى إخواننا الفلسطينيين في البر؟!.

لا يتسع المقام هنا لتقييم اتفاقيات السلام ومدى شرعيتها، ولكن على الأقل بلغة السياسة توجد لحظات حاسمة يمكن للدول فيها أن تقفز فوق المعاهدات الجائرة، وتحسِّن فيها من وضعها التفاوضي، ومن أكثر هذه الاتفاقيات جورًا اتفاقية تشغيل معابر غزة؛ لأنه لا يوجد بمعايير القانون الدولي فضلاً عن المعايير الشرعية ما يجبر دولة ذات سيادة أن تعقد اتفاقية مع سلطة احتلال لبلد جوار؛ لا سيما اذا كان ذلك البلد بلدًا شقيقًا بكل معاني الكلمة.



14- والموقف من مناصرة أهل البدع للمسلمين المستضعفين يشبه بدرجة أو بأخرى هذا الموقف، مع مراعاة أن أهل البدع غير المكفِّرة يسمح إسلامهم بدرجة أكبر من قبول مساعدتهم ما لم تضمن نشرًا لباطلهم، ومِنْ هذا الباب نحذر دائمًا من الشيعة في إيران وفي حزب الله الذين يعدون وعودًا معسولة لا يُنفَّذ منها على أرض الواقع إلا النذر اليسير، ويريدون أن يقبضوا ثمن ذلك
رضا بمذهبهم الطاعن في الصحابة الكرام، وسماحًا بنشره.

وفي هذا السياق جاء رد الفعل الباهت من حزب الله؛ إذ لا يتذكر القضية الفلسطينية إلا إذا جاءته الأوامر الإيرانية، فيضرب إسرائيل متذرعًا بالقضية الفلسطينية، وأما فيما عدا ذلك فقد تساوى رد فعلهم مع رد فعل "محمود عباس" وغيره بالاقتصار على مطالبة المجتمع الدولي بالقيام بدوره، مع أن حسن نصر الله أعلن منذ أيام قليلة امتلاكه لصواريخ بحرية هدَّد بها إسرائيل حال تفكيرها في غزو "جنوب لبنان".

وأما منع المساعدات عن غزة وقتل القائمين عليها؛ فمسئولية المجتمع الدولي، مع أنه كان يملك ذرائع كافية للتدخل لو أراد؛ حيث يوجد عدد من اللبنانيين على هذه السفن.

15- أفادت جريدة المصريون في عددها الصادر الثلاثاء 1/6/2010م أن "الجمعية القبطية الأمريكية" أصدرت بيانًا بعنوان: "إسرائيل القدوة والمثل في حماية الأرض والعرض"، يُثنون فيه على فعل إسرائيل مع قافلة الحياة، ويطالبون مصر أن تقتدي بها وأن تفعل مثل فعلها في أهل غزة، ومن قبل طالب بعض أقباط المهجر إسرائيل بالتدخل العسكري في مصر، وطالب "موريس صادق"- بحسب جريدة "المصريون" أيضًا- الكنيسة الأثيوبية أن تضغط على الحكومة الأثيوبية؛ لكي تمنع تدفق النيل إلى مصر، وقد كان.
نعلم الإجابة الجاهزة: أن هؤلاء متطرفون لا يمثلون إلا أنفسهم، ولكن ألا يوجد أحد من العقلاء ينتقدهم ويوبِّخهم حتى لا يغتر بهم بعض العقلاء بدلاً من مطالبة المسلمين من تغيير مناهج التربية الدينية، وتعديل الخطاب الديني على المنابر... إلخ.
وبالمناسبة؛ كان هناك "مجنون" آخر يُدعى "زكريا بطرس" سكت فجأة، والتقارير الصحفية تشير إلى تدخل بعض العقلاء- نرجو أن يتسع مجال تدخلهم-.



16- طالت بنا جولة التعليقات، وجاء دور تلك البلدة الصغيرة "غزة" ذات المليون ونصف نسمة، يمثلون واحدًا على ألف من عدد المسلمين في العالم، ومع ذلك يتولون هم دفع فاتورة العداء للإسلام والرعب من الإسلام، وهم صامدون- بفضل الله-.
يا أهل غزة... جزاكم الله خيرًا.
يا أهل غزة... ما الدنيا إلا صبر ساعة.
يا أهل غزة... إن صمودكم قد أصاب عدوكم بالترنح والتخبط، وهذه الحادثة منه.
يا أهل غزة... {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء:104].
يا أهل غزة... اختاركم الله لهذا الابتلاء، ولكن عظم الجزاء مع عظم البلاء {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:120]، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5-6].

17- ويا أمة إلاسلام... خذوا الدرس من أهل غزة، واعلموا أن العالم- أن إسرائيل وأمريكا وأوروبا- لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا أمام صمود مدينة مسلمة؛ فكيف لو صمد العالم الإسلامي أجمع؟!

نريد أن نستثمر الحدث في انتزاع الوهن من قلوبنا؛ فالقضية في القلب أكثر منها في اليد، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].



إن حرب المياه التي أُعلنت على مصر، ومن قبلها الحرب على العراق والسودان (11)، ومن قبلها الحرب على أفغانستان والشيشان، ومن قبل ذلك كله الحرب على فلسطين... كل ذلك يناديكم، ومن قبل كتاب ربكم: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103].

أمة الإسلام.. بشائر النصر قد هلَّت؛ فعودوا إلى إسلامكم إيمانًا وعملاً؛ ينصركم الله نصرًا عزيزًا مؤزرًا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55].


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والعجب ممن يؤمنون بأن هذا الكلام كلام الله، من: المنصِّرين وغيرهم، ثم يرمون الإسلام بإلارهاب، وإن كان للمنصِّرين حيلة عجيبة في الخروج من عهدة هذا الكلام، وهو ادعاء أنه قد "نُسخ" في الإنجيل، مع أنهم أيضًا لا يؤمنون بالنسخ، ويعتبرونه من التهم التي يَرمون الإسلام بها، ومن ثمَّ يعبِّرون عنه بألفاظ أخرى مثل: إن هذا الحكم قد "تغير" في العهد الجديد؛ لأن العهد القديم كان عهد الناموس، والعهد الجديد هو عهد "النعمة"- في زعمهم-! ومقتضى كلامهم أن شريعة الله لليهود كانت ظالمة وجائرة- تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-!


مع أن الصليبيين في حروبهم كانوا أكثر انحيازًا إلى العهد القديم منه إلى العهد الجديد، والذي نميل إليه أن نصوص الكتب السابقة أمرت حال الاستضعاف بالصبر، وحال القوة بالجهاد بضوابطه وأخلاقياته مثل تلك الوصايا التي أَمَر نبي الإسلام بها حين قال صلى الله عليه وسلم للمقاتلين- كما ذكره عامة أهل السير-: «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلاَ طِفْلاً، وَلاَ صَغِيرًا، وَلاَ امْرَأَةً، وَلاَ تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}», وقوله عليه الصلاة والسلام: «سِيرُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلا تَمْثُلُوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تَغُلُّوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» [رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح].
فعبثت يد التحريف فجعلت الجهاد حال القوة دمارًا شعاره: "اهلكوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء"، وجعلت الصبر حال الضعف خنوعًا شعاره: "من ضربك على خدك إلايمن فأدر له خدك الأيسر"، وصنوه: "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر".

(2) الأمم المتحدة هي البديل الذي تفتق عنه ذهن الاحتلال الغربي للعالم؛ فبدلاً من أن يدفعوا الضريبة العسكرية الباهظة لاستمرار الاحتلال أوجدوا تلك المنظمة التي تكبِّل الضعفاء بقوانين تمنعهم حتى من إنتاج الأسلحة الإستراتيجة التي تفوق بها الغرب، في حين تعجز هذه المنظمة عن منع أي أحد من الأقوياء من التمادي في غيه، لا سيما إذا كان كيانًا ذا وجه مكشوف كإسرائيل لا يهمه حتى التجمل والظهور بمظهر المحترم للمواثيق الدولية!.

(3) الدكتور "حازم فاروق" والدكتور "محمد البلتاجي" عضوا الكتلة البرلمانية عن الإخوان المسلمين فى مصر كانا على متن هذه القافلة، وقامت الخارجية المصرية باستلامهما من العدو الصهيوني؛ فجزاهما الله خيراً على دعم إخوانهم فى غزة، وجزى الله كل من أعان على عودتهما إلى أهليهم وذويهم سالمين.

(4) ما أجبنهم حتى وهم يواجهون العزل لم يقدروا على مواجهتهم إلا وهم يصلون.

(5) أكرم الله تلك الجباه، ورفع منازل أصحابها فى عليين.

(6) قد تظن إسرائيل والأعداء عمومًا أن توجيه إهانة معنوية لأشخاص الإسلاميين لا سيما ممن له وضع اجتماعي مميز سوف يفت في عضدهم، وفي الواقع فإنها- باذن الله- تزيد من إصرار أهل الحق، وتقوي عزائمهم، وما أجمل فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حينما قص عليه عبد الله بن حذافة- رضي الله عنه- خبره مع ملك الروم، وأنه عرض عليه أن يقبل رأسه، ويطلق سراحه؛ فأبى عليه إلا أن يطلق سراح جميع أسرى المسلمين، فوافق فقبل عبد الله بن حذافة رأسه؛ فقام عمر وقبَّل رأس عبد الله بن حذافة- رضي الله عنها-، وقال: "حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة"، فوالله لو استطعنا أن نقبل رأس الدكتور حازم وإخوانه ممن لم يرقب اليهود فيهم إلاً ولا ذمة فجردوهم من ملابسهم لفعلنا.

(7) طالبت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي أن يقوم بواجبه تجاه فك الحصار عن غزة، وتجاه القرصنة الإسرائيلية على سفن المساعدات، ولم يفتها أن تذكر حماس بضرورة التوقيع على ورقة المصالحة، وكأنه لا يوجد ما يشغلها في الدنيا إلا عودة السيطرة على قطاع غزة، وإن لم يقدموا للقطاع شيئًا!.

(8) تزامنت الدعوة إلى القومية التركية في تركيا مع الدعوة إلى القومية العربية في بلاد العرب؛ لأن الأعداء أدركوا صعوبة أن يتقبل العرب في ذلك الوقت التشرذم الكامل، ثم سرعان ما بث الأعداء الخصومات بين العرب، وأجَّجوا نيران الوطنية بين العرب بعضهم بعضًا، حتى رأينا شعبين مسلمين عربيين يتسابان عبر وسائل الإعلام من أجل مباراة كرة قدم، وكم يغبط المرء المجتمع الجزائري الذي شارك عدد كبير من رموز صحوته الإسلامية المباركة في هذه القافلة، ونقول: هذا هو الفخر لمن أراد أن يفاخر، وأما فخر- بل سب وطعن- جمهور الكرة فنبرأ إلى الله منه، ونسأل الله أن يرفعه عن جميع بلاد المسلمين.
وها هي تركيا تتخلى على المستوى الشعبي- بل الرسمي- عن الشعار البغيض: "تركيا للأتراك"، وأصبحت تركيا من أهم مناصري القضية الفلسطينية، حتى أصبحت تركيا تحث مصر التي خاضت كل الحروب العربية الإسرائيلية بمزيد من الضغط على إسرائيل، وإننا إذ نرحب بتنامي الاهتمام التركي بالعالم الإسلامي نود أن نرى تنافسًا بيِّنًا في هذا المجال {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]، وهل يليق أن تتسارع خطوات تركيا على طريق النصرة الإسلامية بينما تتباطأ خطوات العرب الذين هم أولى بحكم الجوار، وبحكم نزول القرآن بلغتهم وتدوين الشريعة بها؟!.

(9) رغم زخم الحدث بالمواقف التي تستحق التوقف عندها إلا أن هذا لا يمنعنا من الوقوف أمام هذا الحدث الفريد لعدة اعتبارات، منها: أننا معشر المسلمين نشعر بأن جزءًا من أهم أهدافنا قد تحقق عندما يهدي الله على أيدينا من شاء من عباده «لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [متفق عليه]، و كما خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- من عند الغلام اليهودي الذي أسلم على فراش الموت فرحًا قائلاً: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
كما أن حالات إسلام هؤلاء الذين لا ينتظرون من وراء إسلامهم إلا المتاعب ترد على الـ "بي. بي. سي" وغيرها من أبواق التنصير الذين يبالغون فيما يسمونه بـ"ظاهرة المتنصرين" من أمثال: "رحومة، ونجلاء الإمام"، وهم ما بين لص أو بائع دينه لمن يشتري كما لا يخفى من أحوالهم، وأما المهتدون إلى الإسلام؛ فظاهرة يعترف الغرب أنها تهدد وجوده ككل.

(10) تبذل قوى الشرك العالمية مجهودات جبارة لكسر عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين؛ لعلهم أن يستطيعوا إلغاءهم من التاريخ كأمة، وهو مسلك يهودي قديم حتى كان اليهود يتعاطسون عنده- صلى الله عليه وسلم- رجاء أن يدعو لهم: "يرحمكم الله"، فيتذرعون بها أنهم من المرحومين لا من المغضوب عليهم؛ فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعو لهم: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].


وللقوى المعاصرة في ذلك أساليب تتفاوت بين الترغيب والترهيب، ومن الترغيب إغراء كثير من المسلمين بمحاولة تقديم صورة مغلوطة عن منهج الإسلام مع العقائد المخالفة؛ فبدلاً من بيان عور هذه المناهج ودعوة أصحابها إلى التوبة صار من المسلمين من يقول: إن إلاسلام يحترم عقيدة الآخر إلى الحد الذي يأخذ فيه بعض دعاة إلاسلام رسالة دكتوراه في تعامل الإسلام مع الآخر من عند هذا الآخر، كما حصل الأستاذ "عمرو خالد" على رسالة دكتوراه في هذا الموضوع من جامعة "ويلز"، وهو الآن في مرحلة تصويب الأخطاء الإملائية في الرسالة؛ لاعتمادها بصورة نهائية، ولا ندري هل سيجد وقتًا لكي يعلق على هذا الحادث الهمجي أم أن انشغاله بالرسالة سوف يعوقه عن ذلك؟!.


وأما من لم يجدِ معه الترغيب فيمكن الترهيب كما حدث مع "قناة الرحمة" التي أوقف بثها أو غير ترددها على "النايل سات"؛ فخرج مديرها فقدم تنازلات فجة في هذا الباب أصلح مشرفها الشيخ "محمد حسان" شيئًا منها في حوار له على قناة الجزيرة، وإن كنا نتمنى أن تستثمر القناة الحدث، وتنفي كل ما قيل من كلام يخالف الشرع صراحة، وتبيِّن المنهج الصحيح في هذه القضية دون مواربة، ودون أن تعلق الأمر على مجرد الاعتداءات اليهودية، بل بيان أن نشر الحق وإخراج العباد من ظلم الأديان إلى عدل إلاسلام هو الهدف الأسمى للدعوة الإسلامية، وإن لم يعتدِ الكفار علينا؛ فكيف إذا اعتدوا؟!.

(11) تحرك المجتمع الدولي بجميع مؤسساته لوقف ما أسموه بالاستخدام المفرط للقوة من قِبَل الحكومة السودانية ضد عصابات وقُطاع طرق في "دارفور"، وهم في النهاية من جملة الشعب السوداني، وعقدت محاكمات دولية غيابية، وأدين اثنين من الضباط السودانيين فيها، ثم أدين الرئيس السوداني نفسه؛ بحجة تستره على المجرمين.
بينما يترك المجتمع الدولي حكومة تمارس كل أنواع الاحتلال مع العنف والقهر ضد شعب يخالفها دينًا ونسبًا، بل تقتل كل من يريد أن يقدم المساعدة، والمجرمون معرفون بالاسم يخرجون على وسائل الإعلام يفخرون بفعلهم، ومع ذلك فالمجتمع الدولي ما بين مستنكر وهو يعلم أن استنكاره لن يقدم ولن يؤخر، وبين مطالب لإسرائيل أن تجري هي بنفسها التحقيق مع ضباطها، ومع ذلك ما زال هناك مَن يطالب المسلمين بالاندماج في الشرعية الدولية.

أبو جهل الإسرائيلي في أسطول الحرية

أبو جهل الإسرائيلي في أسطول الحرية


ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 03 - 06 - 2010
نقلا عن : د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى



سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة...!!

وما أشبه أبا جهل الإسرائيلي بأبي جهل الجاهلي...!!

وما أشبه شرفاء أسطول الحرية بشرفاء من قريش...!!

حوصر رسول الهدى ومنقذ البشرية -صلى الله عليه وسلم- في شعبٍ أجدب ثلاث سنوات، ليس وحده بل معه بنو هاشم وبنو عبد المطلب، قال رواة السيرة: حتى بلغ القوم الجهد الشديد، وحتى سمعت قريشٌ أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب...



في أثناء الحصار لقي أبو جهل بن هشام حكيم بن حزام بن خويلد معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهى عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة!!

فجاءه أبو البخترى بن هشام فقال: ما لك وله؟

فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم.

فقال له أبو البخترى: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلِّ سبيل الرجل.

فأبى أبو جهل لعنه الله حتى نال أحدهما من صاحبه...

هذا أبو جهل الجاهلي يحاصر الأبرياء والأطفال، ثم يمنع المعونات أن تصل المحصورين؛ بل يقطع الطريق على المحسنين والمتعاطفين، ويستعمل القوة.

يعيد المشهدَ تماماً أبو جهل الإسرائيلي بكل وقاحة ووحشية وتوظيف القوة في القرصنة والاستخفاف بالدول والقوانين والإنسانية كلها..



لن أتمادى في سبّ اليهود كيلا أصبح كما قال الأول: "أوسعتهم شتماً وراحوا بالإبل" كعادتنا في كل حدث إلاّ ما رحم ربي، (وإن كنا أحياناً نتمنى ولو قليلاً من السبّ) بيد أني سأعود إلى السيرة النبوية الشريفة؛ فقصة الحصار فيها لم تنته بعد..

يقول المؤرخون في قصة أبي جهل الآنفة الذكر: فأخذ أبو البخترى لحى بعير فضرب أبا جهل به فشجه ووطئه وطئاً شديداً.

أبو البخترى مشرك فليس موافقاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يرضَ بعنجهية أبي جهل هذه وعاقبه على تعدّيه..

تُرى ماذا فعلنا وسنفعل تجاه أبي جهل الإسرائيلي؟! فأين من يطالب (فقط يطالب) بمعاقبته ويصرّ على هذا الحق؟!



قصة الحصار في السيرة لم تنته بعد..

قال المؤرخون: وكان المشركون يكرهون ما فيه بنو هاشم من البلاء حتى كره عامة قريش ما أصاب بني هاشم، وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم القاطعة الظالمة.. وتصبح قريش فيسمعوا من الليل أصوات صبيان بني هاشم الذين في الشعب يتضاغون من الجوع، فاذا أصبحوا جلسوا عند الكعبة فيسأل بعضهم بعضاً فيقول الرجل لصاحبه: كيف بات أهلك البارحة؟ فيقول: بخير فيقول: لكن إخوانكم هؤلاء الذين في الشعب بات صبيانهم يتضاغون من الجوع...

تُرى هل قلنا نحن ذلك تجاه إخواننا وشيوخنا ونسائنا وأطفالنا في غزة؟! ونحن المسلمون المنعوتون بالجسد الواحد؟!



قصة الحصار في السيرة لم تنته بعد..

قال المؤرخون: ثم إن هشام بن عمرو بن ربيعة مشى إلى زهير بن أبي أمية، فقال: يا زهير، أرضيت بأن تأكل وتشرب وتلبس الثياب، وتنكح النساء آمناً، وأخوالك بحيث علمت على الحال التي تعرف من الجهد والضر؟ فقال له: إنما أنا رجل واحد، قال: فقد وجدت ثانياً. قال: ومن هو؟ قال: أنا. فقال زهير: ابغنا ثالثاً. قال: فذهب إلى مطعم بن عدي، فقال له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، موافق لقريش على ذلك؟ قال: ويحك، فما أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: فقد وجدت لك ثانياً. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: فابغنا ثالثاً. قال: قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: فابغنا رابعاً. فذهب إلى أبي البخترى العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، فكلمه. فقال: هل من أحد على هذا الرأي؟ قال: نعم، أنا ومطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية. قال: فابغنا خامساً. فأتى زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، فكلمه وأخبره خبر القوم. وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام بنقض ما في الصحيفة وإخراج بني هاشم وبني المطلب من الشعب.



هنا وقفات:

1- كسر الحصار كان على يد المشركين، فمن كان مسلماً اليوم فواجب كسر الحصار عليه أعظم..

2- ما من عمل إلاّ وينشأ ابتداءً من مبادرة، فمن نال شرف المبادرة في نصر مظلوم وإغاثة مكروب فله أجر من قام معه..

3- ما من عملٍ عظيمٍ كهذا الذي قام به هؤلاء النفر ومثله كسر الحصار الآن إلاّ ولابد له من تناصر وجماعة يؤازر بعضهم بعضاً، لذا فالدول الإسلامية قوة عظمى حين تجتمع فتشكل موقفاً موحداً، فلماذا لم تزل متفرجة على الحصار حتى دخل عامه الخامس، وحتى تجرّأ أبو جهل الإسرائيلي بسبب ذلك على فعلته النكراء؟

وتجلّت الأحداث السابقة والحالية عن فئامٍ من المتعاطفين مع أهل غزة والناقمين على اليهود يمكن حشد تأييدهم لأي موقف هادف مدروس.



4- ليست الجريمة الوحيدة هي اعتداء أبي جهل الإسرائيلي على سفينة الإغاثة حتى نرضى بإدانتها ممن نلتمس منهم فقط الإدانة فهذا (تسكيت الرضعان) (أي تلهية الأطفال)؛ بل أصل الجريمة هو الحصار الظالم بكل المقاييس وفي كل القوانين؛ إذ لو لم يكن حصار لم يحتج أهل غزة إلى سفينة هدفها المعنوي أكبر من حمولتها المادية؛ لذا فلا يكونن الشرفاء من كفار قريشٍ أبعد نظراً منا الآن؛ فلتكن هذه الحادثة سبباً للتداعي لفك الحصار والعزيمة الصادقة لنصرة المظلومين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

الثلاثاء 18 جمادى الآخرة 1431 هـ الموافق 01 يونيو 2010 م

اليهود قرآننا يلعنهم وأفعالهم تفضحهم ثم نسالمهم؟!

اليهود قرآننا يلعنهم وأفعالهم تفضحهم ثم نسالمهم؟!


ياسر برهامي
أضيفت بتاريخ : : 04 - 06 - 2010




الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
فتأتي جريمة دولة اليهود الجديدة تجاه أسطول المعونات لإخواننا المسلمين في غزة دليلاً جديدًا على حقيقة مقاصدهم ونياتهم لمن أراد أن يبصر- إن كان عنده بصر-، ولمن أراد أن يسمع- إن كان عنده سمع-، ولمن أراد أن يعقل- إن كان عنده عقل-، وإن كان الظن أن أكثر دول العالم ومن ضمنه الأنظمة العربية والإسلامية قد قررت قرارًا إستراتيجيًّا: ألا ترى ولا تسمع ولا تعقل إلا السلام الأبدي والالتزام الأبدي- أبد حياتهم هم ومَن على شاكلتهم- بما تم الاتفاق مع اليهود عليه..! حتى لو كان فيه نقض كل العهود والمواثيق الأخرى: الدولية منها، والإسلامية، والعربية! بل لو كان فيها نقض الدين من أصله، وتكذيب القرآن العظيم،
والرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لا صوت يعلو فوق صوت السلام!

وإذا كان الحصار الإسرائيلي لغزة لا يتم إلا بحصار مصري، وطيران العدو وآلياته وبَحريته وجميع سلاحه لا يعمل إلا بوقود عربي، وأموال عربية وإسلامية تضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي- اليهودي في نهاية الأمر- تضع ثرواتنا في أيدي أعدائنا يقتلون أبناء أمتنا بها؛ فكيف يمكن لعاقل أن يصدق التشجيب والتنديد والإدانة والمطالبة بفك الحصار مع الاستمرار في محادثات السلام اللانهائية؟!



وإذا كان هناك من يريد أن يعرف حقيقة اليهود؛ فهذه صفاتهم في كتاب ربنا- ومن أصدق من الله قيلاً-؛ نذكرها نصيحة للمسلمين حتى لا يغرهم غرور، ولا يخدعهم مداهن, من أجل كفرهم وفسقهم وظلمهم عاديناهم؛ رضي العالم أو سخط، أظهروا عداوة لنا أم ادعوا صداقتنا، سمحوا لنا بوسائل دعوتنا أم أوقفوها:

1- أشد الناس عداوة للمؤمنين هم والذين أشركوا: وقد دخل فيهم من قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، والذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، قال الله-تعالى-: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82](1).

2- يكفرون بالله ورسله ويفرقون بين الله ورسله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:150-151].

3- يتعنتون مع الأنبياء ويطلبون منهم المعجزات ثم ينقضون العهود، ويكفرون ويقتلون الأنبياء: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا . وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا . فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً} [النساء:153-155].

4- الكفر بالأنبياء والطعن في أعراضهم، وأعراض الصالحين والصالحات: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء:156].

5- الادعاء بقتل المسيح- عليه السلام- وصلبه، وقد سعوا في ذلك فما أمكنهم الله منه: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:157-158].

6- ظلمة يصدون عن سبيل الله كثيرًا، أكلة الربا الحرام، وأكلة أموال الناس بالباطل: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا . وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:160-161].

7- مسارعون في الكفر، سماعون للكذب، أكالون للرشوة والسحت، يحرفون الكلم المنزل، قلوبهم نجسة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:41-42].



8- كفار يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، ويحكمون بغير ما أنزل الله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:43-44].

9- يريدون فتنة المؤمنين عن القرآن المنزل إليهم، يتولون عن الحق بعد معرفته، وهم فسقة يبتغون حكم الجاهلية: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:49-50].

10- يستهزئون بدين الإسلام وبالصلاة والأذان؛ لانعدام عقلهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة:57-58].

11- يحقدون على المؤمنين ويكرهونهم على إيمانهم بالكتب السماوية كلها، وأنهم ليسوا فساقًا مثلهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:59].

12- ملعونون مغضوب عليهم، عباد الطواغيت شر ممَّن مسخهم الله قردة وخنازير، شر الخلق وأضلهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:60].

13- يزعمون الإيمان وهم مصرُّون على الكفر، ويسارعون في الإثم والعدوان والرشوة والحرام: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ . وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:61-63].



14- يسبون الله- تعالى- ويتهمونه بالنقائص- تعالى الله عن كفرهم-: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة:64].

15- طغاة يزيدهم القرآن كفرًا على كفرهم لفساد قلوبهم: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة:64].

16- يكره بعضهم بعضًا وإن كانوا في الظاهر متحدين، ويعادي بعضهم بعضًا ويسعون لنشر الحروب والفساد في الأرض: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة:64].

17- قتلة الأنبياء، والمكذبون بهم إذا جاءوا بما يخالف أهواءهم، عُميٌ عن الحق لا يتكلمون به: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة:70-71].

18- معلونون على ألسنة الأنبياء منهم بعصيانهم واعتدائهم، وعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79].

19- يتولون عبَّاد الأوثان وغيرهم من الكفار، وينصرونهم على المسلمين؛ لانعدام إيمانهم بالله والنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- والقرآن: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:80-81].



20- يدعون أن معجزات الأنبياء سحر؛ قال تعالى لعيسى ابن مريم: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ} [المائدة:110]، وقال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102].

21- يردُّون من أطاعهم من المسلمين كافرًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران:100].

22- يكفرون بمحمد- صلى الله عليه وسلم- رغم معرفتهم به وبصدقه كمعرفة أبنائهم: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران:86-88]، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146].

23- يزيدون في التوراة والكتب التي بأيديهم ما ليس منها مع تحريفهم لها، ويكذبون على الله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:78].

24- مختلفون بالبغي، كفرة بآيات الله، قتلة الأنبياء والدعاة إلى الله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ . فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران:19-22].

25- يرفضون التحاكم إلى كتاب الله بزعم أن ترك الحكم والتحاكم إلى ما أنزل الله معصية لا تستوجب الكفر، ولا الخلود في النار؛ افتراءً على الدين: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:23-25].



26- أتباع مَن عبد العجل من أسلافهم بغير توبة: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة:51].

27- يسهزئون بأوامر الله على ألسنة رسله، ويبدلون الكلام: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ . فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة:58-59]، فبدلاً من السجود دخلوا يزحفون على أستاههم- مقاعدهم-، وبدلاً من حطة- أي: حط عنا خطايانا- قالوا: حبة في شعرة- أي: حنطة.

28- أذل خلق الله، مستكينون لأعدائهم، ويخضعون لهم عند الضعف، أكثرهم كبرًا وجبروتًا عند القوة لدرجة قتل الأنبياء: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة:58].

29- يستحلون محارم الله- تعالى- بأدنى الحيل، ويعتدون فيما أمروا باحترامه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:65-66].

30- مجرد قُراء للتوراة بلا فهم ولا عقل ولا سمع ولا طاعة مع تحريفهم لها: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:78-79].



وأما من السنة على لسان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ فنكتفي باليسير:

- هم المغضوب عليهم: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في قول الله-تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]: «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضُلالٌ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

- معلونون يتحايلون على الدين والحرام ليستحلوه: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» [متفق عليه].

- ملعونون اتخذوا القبور مساجد: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر ما صنعوا [متفق عليه].

- حرب على الإسلام وأهله إلى قرب يوم القيامة: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِىُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: "يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِىٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ". إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» [رواه مسلم].
- أتباع المسيح الدجال: قال صلى الله عليه وسلم: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» [رواه مسلم]، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الدجال أنه يهودي [رواه مسلم].



فهذه حقيقة صفاتهم من الكتاب والسنة لمن شاء أن يبصر، ولمن شاء أن يسمع أو يعقل، وكذلك لمن شاء بعد ذلك أن يقول: إنهم أصدقاؤه الذين لا يحاربهم أبدًا! هل يكون مؤمنًا بالله وبالرسول- صلى الله عليه وسلم-؟!

ونحن إذ نعلن براءتنا من اليهود ومَن والاهم، ومن أفعالهم نرى أن من واجب المسلمين وحكوماتهم ما يلي:
1- مناصرة المسلمين المحاصرين في غزة وإمدادهم بكل أنواع المساعدات من: طعام، ومساكن، ودواء، ومال، وسلاح، وغير ذلك؛ إذ هم على ثغر من ثغور الإسلام في مواجهة اليهود، وندعو القائمين على حكم غزة لنصرة الدين بإقامة الشرع فيما تحت أيديهم؛ فإن ذلك أعظم سبب لنصرة الله لهم؛ ونطالب باستمرار فتح معبر رفح على الدوام والسماح بدخول جميع أنواع المساعدات عن طريقه والإعلان عن عدم الالتزام باتفاقية المعابر التي تمس السيادة المصرية {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].

2- العمل على إيجاد جيوش مسلمة قوية قادرة على الدفاع عن بلاد المسلمين، ولا تعتمد في مصادر تسليحها وتدريبها وتخطيطها على الأعداء الذين ظهرت عداوتهم وحربهم للمسلمين في شتى بقاع الأرض، وبقاء كثير من بلاد المسلمين معتمدة على حماية جيوش الكفار هو من أعظم أسباب الذل والهوان، والضعف القاتل.

3- العمل بكل طريق لإخراج جنود الكفار- وقواعدهم العسكرية من جميع بلاد المسلمين- من الأمريكان وحلفائهم حلفاء اليهود ومسانديهم في عدوانهم، والحامين لدولتهم عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وبقاء هذه القوات على أرض الإسلام هو احتلال مخل بسيادة الدول الإسلامية لا يقره الشرع، ولا يصححه إذن ولي أمر ولا غيره، وخيانتهم للمسلمين معلنة غير خفية، وعدوانهم على بلاد المسلمين انطلاقًًا من هذه القواعد مشاهد متكرر.

4- سحب الأرصدة المالية الرسمية والخاصة من البنوك الربوية الأمريكية والأوروبية وعامتها يهودية، وبورصاتهم واستثمارها في بلاد المسلمين الذين لهم الحق في ثروات أرض المسلمين في كل مكان. وفضلاً عن التعامل بالربا المحرم؛ فإن بقاء هذه الأرصدة دعم اقتصاد الأعداء المساندين لليهود، بل دعم مباشر لاقتصاد اليهود.

5- منع الوقود والغاز من الوصول إلى اليهود وحلفائهم؛ فكيف تكون آلات حربهم ورفاهية سكانهم وجنودهم مدارة بوقود من عند المسلمين، وقد جرب العرب هذا السلاح في "حرب رمضان 1393هـ/ أكتوبر 1973م"، ونفعهم أعظم النفع سياسيًا واقتصاديًا؛ فهو أمر ممكن، ولكن الشرط وجود الإرادة في ذلك.

6- نفض اليدين تمامًا من دعاوى السلام والمفاوضات والمبادرات بأنواعها بما فيها حل الدولتين؛ لأن ذلك فيه إقرار بحق اليهود في أرض فلسطين، وهي ليست ملكًا لأحد حتى يبيعها لهم بالثمن البخس، بل هي أرض الإسلام والمسلمين في كل مكان، وإعداد الأمة ليوم مواجهة آت لا محالة، وأول ذلك الإعداد الإيماني التربوي لأبناء الأمة والبعد عن إلهائهم بالملهيات والتوافه، وكل هذه الامور يمكن العمل بها لو تحققت الإرادة، وما لا يمكن في وقت من الأوقات من البعض يجب عليه السعي إليه واتخاذ الخطوات المؤدية إليه، وليس السير في عكس هذا الاتجاه والتعلل بالعجز والضعف الذي يزيدنا ضعفًا وعجزًا.

وإذا كانت جماعات ليست ذات جيوش نظامية وبتسليح محلي محدود قد أرهقت جيوش الأعداء متحالفين، وجيوش الاحتلال بكل عتادها وعددها عند وجود الإرادة السياسة؛ فكيف بالدول؟!

ألا هل بلغنا؟! اللهم فاشهد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أما من قال الله- عز وجل- فيهم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}، فهي في الموحدين منهم بدلالة باقيها: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} نزلت في النجاشي، ومن آمن مِنْ بطاركته.