عون الرحمن

قصة كاميليا شحاتة

شرح كتاب العبادات

ما هكذا تورد الابل يا جمعة!!!؟

الأحد، 20 ديسمبر 2009

فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء

فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء

محمد صالح المنجد
أضيفت بتاريخ : : 18 - 03 - 2002
نقلا عن : موقع الشيخ المنجد (بتصرف)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن شهر الله المحرّم شهر عظيم مبارك، وهو أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم التي قال الله فيها:{إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36].

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «.. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [رواه البخاري 2958] والمحرم سمي بذلك لكونه شهراً محرماً وتأكيداً لتحريمه.

وقوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها.

وعن ابن عباس في قوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: "إن الظّلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها. وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه: اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظّم الله، فإنما تُعَظّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل". (انتهى ملخّصا من تفسير ابن كثير رحمه الله: تفسير سورة التوبة آية 36).

فضل الإكثار من صيام النافلة في شهر محرّم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» [رواه مسلم 1982].

قوله: «شهر الله» إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم، قال القاري: الظاهر أن المراد جميع شهر المحرّم.

ولكن قد ثبت أنّ النبي لم يصم شهراً كاملاً قطّ غير رمضان فيُحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصّيام في شهر محرم لا صومه كله.

وقد ثبت إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان، ولعلّ لم يوح إليه بفضل المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه.. (شرح النووي على صحيح مسلم).

الله يصطفي ما يشاء من الزمان والمكان:

قال العِزُّ بن عبدِالسَّلام رحمه الله: وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دُنيويٌّ.. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجعٌ إلى الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها.. (قواعد الأحكام 38/1).

عاشوراء في التاريخ:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قال: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» [رواه البخاري 1865].

قوله: «هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ» في رواية مسلم: «هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه».قوله: «فصامه موسى»زاد مسلم في روايته: «شكراً لله تعالى فنحن نصومه»وفي رواية للبخاري: «ونحن نصومه تعظيماً له». ورواه الإمام أحمد بزيادة: «وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً».

قوله: «وأمر بصيامه» وفي رواية للبخاري أيضا: «فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا».

وصيام عاشوراء كان معروفاً حتى على أيّام الجاهلية قبل البعثة النبويّة، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه».. قال القرطبي: "لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السّلام. وقد ثبت أيضا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون به فسألهم عن السبب فأجابوه كما تقدّم في الحديث، وأمر بمخالفتهم في اتّخاذه عيدا كما جاء في حديث أبي موسى قال: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا» وفي رواية مسلم: «كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا» وفي رواية له أيضا: «كان أهل خيبر (اليهود) يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم». ققال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ» [رواه البخاري].
وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام". (انتهى ملخّصا من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري).

فضل صيام عاشوراء:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ» [رواه البخاري 1867] ومعنى "يتحرى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم 1976] وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة، والله ذو الفضل العظيم.

أي يوم هو عاشوراء:

قال النووي رحمه الله: "عاشوراءُ وتاسوعاءُ اسمان ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة. قال أصحابنا: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرَّم، وتاسوعاء هو اليوم التّاسع منه.. وبه قال جُمْهُورُ العلماء.. وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة". (المجموع).

"وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية". (كشاف القناع ج2 صوم المحرم).

وقال ابن قدامة رحمه الله: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن، لما روى ابنُ عبّاس، قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» [رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح].

استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء:

روى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ". قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [رواه مسلم 1916].

قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: "يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر، ونوى صيام التاسع".

وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وكلّما كثر الصيام في محرّم كان أفضل وأطيب.

الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء:

قال النووي رحمه الله: "ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ، كَمَا نَهَى أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ، ذَكَرَهُمَا الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ.

الثَّالِثَ: الاحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلالِ، وَوُقُوعِ غَلَطٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ". انتهى.

وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ في عَاشُورَاءَ: «لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لاَصُومَنَّ التَّاسِعَ»". (الفتاوى الكبرى ج6 سد الذرائع المفضية إلى المحارم).

وقال ابن حجر رحمه الله في تعليقه على حديث: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ما همّ به من صوم التاسع يُحتمل معناه أن لا يقتصر عليه بل يُضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح وبه يُشعر بعض روايات مسلم".

حكم إفراد عاشوراء بالصيام:

قال شيخ الإسلام: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَلا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ.". (الفتاوى الكبرى ج5). وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي: "وعاشوراء لا بأس بإفراده.." (ج3 باب صوم التطوع).

يُصام عاشوراء ولو كان يوم سبت أو جمعة:

ورد النهي عن إفراد الجمعة بالصوم، والنهي عن صوم يوم السبت إلا في فريضة ولكن تزول الكراهة إذا صامهما بضمّّ يوم أو إذا وافق عادة مشروعة كصوم يوم وإفطار يوم أو نذراً أو قضاءً أو صوماً طلبه الشارع كعرفة وعاشوراء.. (تحفة المحتاج ج3 باب صوم التطوع، مشكل الآثار ج2: باب صوم يوم السبت).

وقال البهوتي رحمه الله: "وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ إفْرَادِ يَوْمِ السَّبْتِ بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ: «لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ] وَلأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ.. (إلا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ (عَادَةً) كَأَنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَكَانَ عَادَتَهُ صَوْمُهُمَا فَلا كَرَاهَةَ; لأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ". (كشاف القناع ج2: باب صوم التطوع).

ما العمل إذا اشتبه أول الشهر؟

قَالَ أَحْمَدُ: "فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ". (المغني لابن قدامة ج3 الصيام - صيام عاشوراء).

فمن لم يعرف دخول هلال محرّم وأراد الاحتياط للعاشر بنى على إكمال ذي الحجة ثلاثين كما هي القاعدة ثم صام التاسع والعاشر، ومن أراد الاحتياط للتاسع أيضاً صام الثامن والتاسع والعاشر (فلو كان ذو الحجة ناقصاً يكون قد أصاب تاسوعاء وعاشوراء يقيناً). وحيث أنّ صيام عاشوراء مستحبّ ليس بواجب فلا يُؤمر النّاس بتحرّي هلال شهر محرم كما يؤمرون بتحرّي هلال رمضان وشوال.

صيام عاشوراء ماذا يكفّر؟

قال الإمام النووي رحمه الله: "يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ، وَتَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلا الْكَبَائِرَ. ثم قال رحمه الله: صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ... كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ، رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ". (المجموع شرح المهذب ج6 صوم يوم عرفة).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ". (الفتاوى الكبرى ج5).

عدم الاغترار بثواب الصيام:

يَغْتَرُّ بَعْضُ الْمَغْرُورِينَ بِالاعْتِمَادِ عَلَى مِثْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْعَامِ كُلِّهَا، وَيَبْقَى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيَادَةٌ فِي الأَجْرِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "لَمْ يَدْرِ هَذَا الْمُغْتَرُّ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهِيَ إنَّمَا تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ، فَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ، وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ لا يَقْوَيَانِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ إلَّا مَعَ انْضِمَامِ تَرْكِ الْكَبَائِرِ إلَيْهَا، فَيَقْوَى مَجْمُوعُ الأَمْرَيْنِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ. وَمِنْ الْمَغْرُورِينَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ طَاعَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعَاصِيهِ، لاَنَّهُ لا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَلا يَتَفَقَّدُ ذُنُوبَهُ، وَإِذَا عَمِلَ طَاعَةً حَفِظَهَا وَاعْتَدَّ بِهَا، كَاَلَّذِي يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ أَوْ يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمّ يَغْتَابُ الْمُسْلِمِينَ وَيُمَزِّقُ أَعْرَاضَهُمْ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لا يَرْضَاهُ اللَّهُ طُولَ نَهَارِهِ، فَهَذَا أَبَدًا يَتَأَمَّلُ فِي فَضَائِلِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّهْلِيلاتِ وَلا يَلْتَفِتُ إلَى مَا وَرَدَ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُغْتَابِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالنَّمَّامِينَ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَذَلِكَ مَحْضُ غُرُورٍ". (الموسوعة الفقهية ج31: غرور).

صيام عاشوراء وعليه قضاء من رمضان:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِكَوْنِ الْقَضَاءِ لا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، قَالَ الدُّسُوقِيُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ، كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، سَوَاءٌ كَانَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ أَوْ كَانَ مُؤَكَّدًا كَعَاشُورَاءَ وَتَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى حُرْمَةِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَعَدَمِ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِلْقَضَاءِ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَرْضِ حَتَّى يُقْضِيَهُ. (الموسوعة الفقهية ج28: صوم التطوع).

فعلى المسلم أن يبادر إلى القضاء بعد رمضان ليتمكن من صيام عرفة وعاشوراء دون حرج، ولو صام عرفة وعاشوراء بنيّة القضاء من الليل أجزَأه ذلك في قضاء الفريضة، وفضل الله عظيم.

بدع عاشوراء:

سُئِلَ شَيْخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ الْكُحْلِ، وَالاغْتِسَالِ، وَالْحِنَّاءِ وَالْمُصَافَحَةِ، وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.. هَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ؟ أَمْ لا؟

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَلا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لا الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَلا غَيْرِهِمْ، وَلا رَوَى أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، لا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلا الصَّحَابَةِ، وَلا التَّابِعِينَ، لا صَحِيحًا وَلا ضَعِيفًا، وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ مِثْلَ مَا رَوَوْا أَنَّ مَنْ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَمْرَضْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.. وَرَوَوْا فِي حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ مَكْذُوبٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ». وَرِوَايَةُ هَذَا كُلِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ.

ثم ذكر رحمه الله ملخصا لما مرّ بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث ومقتل الحسين رضي الله عنه وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك فقال:
"فَصَارَتْ طَائِفَةٌ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ: إمَّا مُلْحِدَةٌ مُنَافِقَةٌ، وَإِمَّا ضَالَّةٌ غَاوِيَةٌ، تُظْهِرُ مُوَالاتَهُ وَمُوَالاةَ أَهْلِ بَيْتِهِ، تَتَّخِذُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ وَنِيَاحَةٍ، وَتُظْهِرُ فِيهِ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لَطْمِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَالتَّعَزِّي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.. وَإِنْشَادِ قَصَائِدِ الْحُزْنِ، وَرِوَايَةِ الأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا كَذِبٌ كَثِيرٌ وَالصِّدْقُ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَجْدِيدُ الْحُزْنِ، وَالتَّعَصُّبُ، وَإِثَارَةُ الشَّحْنَاءِ وَالْحَرْبِ، وَإِلْقَاءُ الْفِتَنِ بَيْنَ أَهْلِ الإسلام، وَالتَّوَسُّلُ بِذَلِكَ إلَى سَبِّ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ.. وَشَرُّ هَؤُلاءِ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أَهْلِ الإسلام لا يُحْصِيهِ الرَّجُلُ الْفَصِيحُ فِي الْكَلامِ. فَعَارَضَ هَؤُلاءِ قَوْمٌ إمَّا مِنْ النَّوَاصِبِ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِمَّا مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ قَابَلُوا الْفَاسِدَ بِالْفَاسِدِ، وَالْكَذِبَ بِالْكَذِبِ، وَالشَّرَّ بِالشَّرِّ، وَالْبِدْعَةَ بِالْبِدْعَةِ، فَوَضَعُوا الأثَارَ فِي شَعَائِرِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَالاكْتِحَالِ وَالاخْتِضَابِ، وَتَوْسِيعِ النَّفَقَاتِ عَلَى الْعِيَالِ، وَطَبْخِ الأَطْعِمَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ، فَصَارَ هَؤُلاءِ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَوْسِمًا كَمَوَاسِمِ الأَعْيَادِ وَالأَفْرَاحِ، وَأُولَئِكَ يَتَّخِذُونَهُ مَأْتَمًا يُقِيمُونَ فِيهِ الأَحْزَانَ وَالأَتْرَاحَ، وَكِلا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ السُّنَّةِ.." (الفتاوى الكبرى لابن تيمية).

وذكر ابن الحاج رحمه الله من بدع عاشوراء تعمد إخراج الزكاة فيه تأخيراً أو تقديماً، وتخصيصه بذبح الدجاج واستعمال الحنّاء للنساء. (المدخل ج1 يوم عاشوراء).

نسأل الله أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم، وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. ونسأله أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا ويجعلنا من المتقين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



محمد بن صالح المنجد

الخميس، 17 ديسمبر 2009

بوابة الأمجاد

بوابة الأمجاد

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 13 - 12 - 2009
نقلا عن : فلاح بن عبدالله الغريب




هيّـــــــــــا افتحي بـــــــــــوابةَ الأمجادِ *** وتطيّبــــــــــي بشذى النّــــدى والكادي

واحكي لنــــــــــــــا معنى الصمــــــودِ *** وقصةَ النـبض الأصيل وغضبةَ الآسادِ

وَرِدي حيـــــــاضَ الموت دون مهابـةً *** حتى تطيـــــــــــب مناهـــلُ الـــــــــورّادِ

بل وابتنـــــــي حصنَ الثبـــــــات بهمّةٍ *** أوَ ما تريـــــــن مشــــــــــاعر الأجوادِ

يا بنتَ أكـــــرم أمةٍ من بأسهــــــــــــا *** ذاق العدوّ مــــــــرارةَ الأكبــــــــــــــــادِ

قد صِرتِ فـــي الأفـــــاق رمز كرامةٍ *** ولهيـــــــــب أفئــــدةٍ ورنّــــة حــــــــادي

ولبستِ من حلل المكــــــــــارم تاجَها *** ورداءَ مجـــــدٍ شــــــــــامخِ الأطــــــوادِ

وبسطتِ كفّ البذل فارتــــــــاع الندى *** مــــــــن جـــــودك المتدفــــق المـــزدادِ

ونظمتِ من دررِ البيـــــــــــان قصيدةً *** سيّـــــــــارةً نحو الوغـــــــى ستنـــــادي

فشدتْ أغـــــــاريدُ الزمــان بلحنك الـ *** مسجـــــــــوعِ يـــــا ( فلـــّوجةَ الأمجادِ)

قــــــد جُدتِ لكن بالدمــــــــاء وبالإبا *** وسمـــَــــــوْتِ فـــــي زمــن مــن الإخلادِ

ووقفتِ فــــــي وجه الأعادي والفــدا *** فـــــــي ناظريــــــك وعــــــزّةُ الأجـــــدادِ

وذكرتِ هـــــــــارونَ الرشيد وجنــدَه *** وإبـــــــــاءَ معـــــــــتصمٍ وحــــزمَ زيــادِ

وزئيـــــرَ أسدِ المسلمين وغضبـــــةً *** حمـــــــــراءَ يــــــردفُها صهيــــلُ جيـــادِ

مــــــا كنت أحسبني أعيش لكي أرى *** أرض العــــــراق أسيـــــرة الأوغـــــادِ

تعثو بهــــــا جندُ الصليـــــب وكفرهم *** يعلــــــو الـــــــوجوهَ ومـــضمرُ الأحقـادِ

وأرى الكـــــرامةَ دنست أثوابهـــــــا *** وأرى الســـــــــيوفَ حبيســـة الأغمــادِ

وأرى الدموعَ على الخدود وما أرى *** إلا الجـــــــــمال ملفّعـــــــــاً بســــــــوادِ

وأرى المتاهـــــــاتِ التي نمشي بها *** مــــــن نــــــزوةٍ تلهــــــي وغفلةِ سادي

تالله مـــــــا عُرفوا بغير خيـــــــــانةٍ *** وبأنــــــهم هـــــــم قِبلــــــة الإفســــــــادِ

وبأنهم لا يرعوون عن الهــــــــوى *** وعن الــــــردى والكفــــــر والإلـــــــحادِ

يـــــا مسلمين أما لكم من نخــــــوةٍ *** بقيــــــــت عــــــــلى الأيـــــــام والآمــادِ

تحيون ما غرس الكرام من الـهدى *** ويعـــــــــود للأمــــــــجاد صفـــــــوُ ودادِ

وتؤوب شمسُ المكرمــــــات إليكـم *** وبنورهــــــــا يلـــــــتامُ جـــــــرح فؤادي

يومـــــــاً ستأتينا المكــــارمُ خُشّعاـً *** إن ســـــــار للســـــــاحاتِ ركبُ جهـــــادِ

وصَفَتْ من القلــب النوايا واشترى *** غــــــضُّ الشـــــباب جنــانَ ربي الهادي


فلاح بن عبدالله الغريب

الرياض

الثلاثاء 16 / 2 / 1425 هـ

الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

من المتخلف يا معالي الوزير؟!

من المتخلف يا معالي الوزير؟!


أضيفت بتاريخ : : 07 - 12 - 2009
نقلا عن : خالد الشريف - المصريون



16 - 2 - 2009 م

لا نكاد نفيق من صدمةٍ تُحْدِثُها تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني حتى نُفَاجَأَ بأخرى من العيار الثقيل، تصدم عقيدة الأمة وثوابتها الإسلامية، حتى أصابتنا الحيرة، متسائلين: كيف يَشْغَلُ هذا الرجل منصب وزيرٍ للثقافة، في بلد مسلم، وتَصْدُرُ عنه مثل تلك التصريحات، التي كان آخرها مطالبته بالاعتراف بأصحاب الديانات الأرضية!

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أنّ مطالبة السيد الوزير تُعْتَبَرُ خرقًا للثوابت الدينية، واعتداءً على الإسلام الذي لا يعترف بالديانات الأرضية، ويُهيْمِنُ على ما سبق من الكتب الإلهية، فهو الدين الذي قَبِلَهُ الله رب العالمين له دِينًا.

والغريب أن معاليه قال في تصريحاته: "إنه (يَجِبُ) قبول الديانات الأرضية، ومن لم يَقْبَلْهَا فهو مُتَخَلِّفٌ"! ولا ندري من أين أتى الوزير بهذا الإيجاب، ولا نعلم مَنِ المتخلف حقًّا، هل هم علماء وأئمة الإسلام، أم من يطالب بالاعتراف بالتخاريف والخزعبلات ؟


هل المتخلف هو الذي يعبد رب العالمين، مُؤْمِنًا بأن الله خالقه ورازقه، وأنه خالق السموات والأرض، ومُدَبِّرُ الكون المستحق للعبادة وحده، أم أن المتخلف هو الذي يُنْكِرُ كلَّ ذلك، ويَنْحَدِرُ بعقله- إن كان له عَقْلٌ -لِيَعْبُدَ البقر والشجر والحجر والبشر، ويَعْمَى قلبه وبصره، ويعيش مُلْحِدًا بلا إيمان، كالأنعام بل هو أضل؟!

والغريب أن هناك من دافع عن الوزير ومطالبته بالاعتراف بأصحاب الديانات الأرضية، والتعامل معها في إطار المصالح؛ بدعوى أن أصحاب هذه الديانات يُمَثِّلُون نصف سكان الكرة الأرضية!

وهو مبرر عجيب وغريب، يجافي العقل والمنطق، ويمثل عودَةً للجاهلية الأولى، حيث يغيب العقل، وينطمس نور الفكر، وتختل موازين النظر التي قامت عليها حضارتنا العظيمة، وسادت العالم بالعمل ونوره، في توحد هائل بين الروح والمادة، والعقل والوجدان، في حضارة الإسلام العظيم.


كيف نسمح لأنفسنا بالاعتراف بديانات وضعية صنعها البشر، لا تعدو كونها خيالًا أعجب صاحبها، وحالةً من حالات غياب الوعي والفكر سيطرتْ على عقله، ثم جعلها دينًا يحتكم إليه ويعول عليه في شئون حياته!

حتى وجدنا من يعبد الفئران، والصراصير، والأصنام، والأحجار، والثعابين، والخفافيش، والبقر، والماعز! وكل من تراءى له شيء عبده، وجعله إلهه الذي يحتمي بظله ويأنس بقوته، ولو كان صرصورا في مزبلة!!

بل إننا لنجد في بلد واحد مثل الهند أكثر من سبعين ديانة، فهل نعترف بكل هذه التخاريف من أجل التعامل مع أصحابها؟!


إن الواجب علينا تجاه أصحاب هذه الديانات أنْ نُبَصِّرَهُم بالنور، وندعوهم إلى الإسلام، بعيدًا عن الظلام والجهل الذي يعيشون فيه، ونتعامل معهم بالحسنى في البيع والشراء والتجارة، فقد دخل الإسلام الهندَ عبر القلوب الرحيمة والمعاملات الحسنة، بلا سيف يتحكم، ولا قوة تتسلط، بل بسلوكيات التجار المسلمين، حتى أضحى عدد المسلمين في الهند اليوم أكثر من 120 مليون مسلم.

وأما مسايرة أصحاب الملل الباطلة، من خلال الاعتراف بترهاتهم، فذلك نَوْعٌ من الخبل والضلال، (يجب) أن ينأى عنه معالي الوزير.


وكان (واجبًا) على الحكومة أن توقف هذا الرجل وتحاسبه قبل عامين، عندما انتقد حجاب المرأة المسلمة ، معتبرًا إياه "عودةً إلى الوراء"!

وعندما طالب نواب البرلمان حينها بمحاسبته، ردَّدَ البعض بأن ما قاله وزير الثقافة كان رأيًا شخصيًّا، وكأن شخص الوزير منفصلٌ عن مسئوليته وتصرفاته، وكأن الحكومة غيرُ مَعْنِيَّةٍ بتصريحاته وتصرفاته المناقضة للثوابت الإسلامية، رغم أنها مسئولةٌ عن تنصيبه في هذا الموقع الذي يدير العقول ويوجه الثقافة التي هي ميدان الفكر والعقل!

ولكن للأسف -كما يُرَوَّجُ على أكثر من صعيد واتجاه- يلقى وزير الثقافة دعمًا سياسيًّا في كل مرة يُهَاجِمُ فيها الثوابت الإسلامية، وكأننا في بلد علماني فاسد لا يدين بالإسلام، ويتستر على الفساد!


حتى على صعيد ممارسات هذا الوزير من خلال منصبه، لا نجد لها أثرًا إلا زيادة تراجع الدور الثقافي الريادي لمصر، وغياب ما يسميه المحللون (القوة الناعمة) عن مصر، التي كانت في يوم من الأيام رائدةَ الثقافة في المنطقة، حتى حَلَّ علينا وزيرٌ كان ينبغي محاكمته منذ أربع سنوات، أو إقالته، بعد حريق قصر ثقافة بني سويف بصعيد مصر عام 2005، الذي راح ضحيته 46 شَخْصًا..والأغرب أنّ وزير الثقافة قدم استقالته فِعْلًا، ولكنّ رئيس الوزراء أحمد نظيف رفضها، وطالبه بالاستمرار في عمله التنويري(...) وكأن مصر عقمتْ أن تلد مثل معاليه!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2009

حظر المآذن في سويسر!! أنفلونزا التعصب تنتشر!!

حظر المآذن في سويسرا.. أنفلونزا التعصب تنتشر!

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 07 - 12 - 2009
نقلا عن : عصام دربالة - موقع الإسلام اليوم




هل تصدق أن 57% من السويسريين صوتوا لصالح مقترح حظر بناء مآذن جديدة بسويسرا في استفتاء أجري يوم الأحد 29 نوفمبر 2009؟!

وإذا أردت التأكد من مكان وتاريخ هذا الاستفتاء.. فإني أؤكد لك أنه تم في عام 2009م ولم يعقد في ظل عقود الحروب الصليبية أو محاكم التفتيش.

أما مكان هذا الاستفتاء فهو دولة سويسرا الحريصة على أن تظهر بمظهر الحياد.. والتي تتغنى بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق الديمقراطية المباشرة، والبالغ عدد سكانها سبعة ملايين، منهم 400 ألف مسلم.


ما الحكاية؟

تبدأ الحكاية بقيام حزب اتحاد الوسط الديمقراطي والحزب الديمقراطي الفيدرالي بسويسرا خلال 18 شهرًا بجمع أكثر من 100 ألف توقيع.. وفقاً لما يقرره القانون للدعوة إلى إجراء استفتاء وطني بشأن الدعوة إلى حظر بناء مآذن جديدة بسويسرا.. التي لا يوجد بها سوى أربعة مساجد ذات مآذن.

وتولى دعم هذا المقترح الحزب اليميني الشعبي، والحزب المسيحي اليميني؛ بدعوى أن المآذن تشبه الرماح المشرعة في السماء، وترمز إلى السيف الذي يعني عدم التسامح مع الآخر.

ومن ثم ينبغي منع وجود المآذن مستقبلاً كإجراء يرمي إلى الحفاظ على السلام بين أفراد مختلف الجماعات الدينية المختلفة. ومن أجل ذلك قام حزب الشعب السويسري بإغراق المدن السويسرية بملصق تظهر فيه امرأة مرتدية الحجاب الأسود إلى جوار علم سويسرا الذي تناثرت عليه مآذن تشبه الصواريخ المنطلقة في الفضاء.


لك أن تتعجب، وأن تتساءل معنا:

لماذا لا يعتبر السويسريون أبراج الكنائس المشرعة في السماء بمثابة قواعد إطلاق صواريخ؟.. والأجراس التي بها تشبه طبول الحرب؟

ولماذا لا يعتبر السويسريون الصلبان المدقوقة على الأيدي مؤججة للمشاعر الدينية ومثيرة للانقسام الديني بين أفراد الشعب؟

ولماذا لا تتسع روح التسامح مع تلك الكنائس والصلبان لتشمل الحجاب والمآذن؟

وأين قيم التسامح والاعتراف بالآخر والحرية الشخصية وحرية العقيدة؟ تلك القيم التي يزعم الأوربيون عامة والسويسريون خاصة أنها ملك لهم وهم علم عليها، وأنها تمثل روح الحضارة الغربية التي يبشرون العالم بها؟

وهل وجود مآذن ينال من السلام بين أفراد المجموعات الدينية؟.. أم أنها تهدد الهوية الوطنية؟.. أم أنها ضد الثقافة العلمانية السائدة؟.. أم أن هناك أسباباً أخرى تتستر بتلك العبارات المطاطة المدغدغة لمشاعر العامة في حملة خداع لهم؟

أم أنه الخوف؟ لكن من أي شيء؟


أصل الحكاية

وأصل الحكاية تكمن في تنامي ظاهرة الخوف المرَضي (الإسلام فوبيا) في أوربا بأسرها، وسويسرا من بينها، حيث تغذي جهات معينة مشاعر الخوف من انتشار الإسلام في أوربا تارة تحت مزاعم الحفاظ على الهوية الوطنية والعلمانية الغربية.. وتارة أخرى بإثارة الخوف من انتشار الإرهاب الإسلامي داخل القارة الآمنة.. وفي سبيل ذلك تقوم تلك الجهات بطرح قضايا ذات صلة بالشأن الإسلامي على الرأي العام الأوربي لتحقيق تلك المآرب.

ومن هنا أثيرت قضية الحجاب في فرنسا، والتي انتهت إلى منع ارتدائه في المؤسسات التعليمية.. ثم أثيرت قضية ارتداء النقاب بإيطاليا، والتي انتهت إلى سَن قانون يمنع ارتدائه في بعض مقاطعات الشمال، ثم جاءت الحالة السويسرية داعية إلى حظر بناء المآذن.


جهات وأغراض

وقد تسأل: من هذه الجهات؟ ولماذا تفعل ذلك؟

والإجابة هي أن هناك ثلاثة تيارات في الدول الأوروبية عادة ما تتبنى مثل هذه المبادرات الشريرة، وهي:

*التيار اليميني المضاد لوجود المهاجرين، خاصة لو كانوا أفارقة أو أتراكاً.

*التيار الديني المحافظ المتعصب من منطلقات كنسية.

*التيار الموغل في العلمانية.


أما أهداف التيار المضاد للهجرة فهو يسعى لتأجيج المشاعر ضد الأجانب عامة، انطلاقًا من دعاوى الحفاظ على الهوية الوطنية للبلاد، وحق أبناء البلاد دون غيرهم في الاستمتاع بثرواتها.. وغالبًا ما تتضمن دعاية هذا التيار أطروحات عنصرية.. ولعل ما حدث في قاعة محكمة درسدن الألمانية مع السيدة مروة الشربيني رحمها الله التي قتلت غدراً وعدواناً على يد ألماني متعصب مزج بين العنصرية واللا آدمية في فعلته هذه.. مثالاً لطبيعة هذا التيار الذي يلعب عادة على هذا الوتر لأغراض انتخابية.

أما التيار الموغل في العلمانية فيرى أن هناك خطراً على مستقبل العلمانية ينبع من ديناميكية الإسلام وفاعليته في تغيير النفوس والسلوك، وما يطرحه من صورة مغايرة لنمط الحياة السائد عندهم بما يحقق إعادة الاعتبار للأخلاق وقيم العفاف والوقوف في وجه الفساد.. ومن ثمَّ يثير هذا التيار مثل هذه القضايا انطلاقًا من مفاهيم مغلوطة عن حقيقة الإسلام أحياناً.. وأحيانًا أخرى يثيرها مع سبق الإصرار والترصد لمنع زيادة انتشار الإسلام.

أما التيار المسيحي المتعصب فقد هاله سرعة انتشار الإسلام في أوربا، مع انحسار دور الكنيسة ببلدانها.. ومن ثمَّ يتبنى تلك القضايا دون إفصاح عن هذا السبب، مبررًا ذلك بأمور تتعلق بالسلام بين الطوائف الدينية أو التخويف من تنامي الإرهاب الإسلامي في أوربا الآمنة.


أمراض أوربية

وكل هذا يعني أنه قد بدأ ينتشر في العقول الأوربية فيروسات قاتلة تتسم بإفراز سموم عديدة أخطرها:

*العنصرية ضد الأجانب والمهاجرين، وعلى رأسهم المسلمون.

*التعصب للأفكار العلمانية والمسيحية، ولو كان ذلك على حساب قيم التسامح والاعتراف بالآخر والحرية الشخصية والدينية، وهذا يعني أن أوربا تنبت فيها بذرة الفاشية من جديد.. ولاحظ أن من الأوربيين من يتهم الإسلام بتلك القيم الباطلة وهو منها بريء.

*التحريف للأمور والخداع للعقول.. ويظهر ذلك جلياً على سبيل المثال فيما برر به السويسريون الذين تبنَّوا مقترح حظر بناء المآذن دعوتهم تلك.. فقد مارسوا تحريفاً لدلالة المئذنة في الإسلام لخداع الرأي العام، ضاربين عرض الحائط بقيم المصداقية واحترام العقول، وجعلوا من المئذنة رمزاً للحرب وشَبهاً بالرمح والسيف، رغم أن المئذنة لا تمثل شيئاً من ذلك، ولا تمثل إلا طرازاً معمارياً ابتدعته العقول الإسلامية لتحقيق وظيفة أدائية في عصر لم يكن تم اكتشاف مكبرات الصوت فيه بعد.. فكان ارتفاع المئذنة يتيح الفرصة للمؤذن الذي يقوم برفع الأذان لوصول صوته إلى أكبر عدد من المسلمين لإعلامهم بدخول وقت الصلاة.. ولعبت المئذنة هذا الدور باقتدار جنباً إلى جنبِ الصعود إليها مع مطلع كل شهر قمري عند غروب الشمس لاستطلاع رؤية ولادة الهلال الجديد لشهر قمري جديد.. وهي لا تعد من أصول أو قواعد أو أحكام الإسلام، وإن صارت مع مرور الزمن تمثل رمزاً لدور العبادة عند المسلمين.

وإذا كان هذا التحريف قد نال معنى المئذنة، فهل نتوقع بعد ذلك أن يقوم هؤلاء المتعصبون العنصريون في أوربا بتقديم صورة صحيحة عن الإسلام؟.


رب ضارة نافعة

وتكرار هذه المسائل في أكثر من بلد ينبئ بلا شك عن زيادة رقعة المقاومة غير الشريفة للإسلام.. لكنه أيضاً يطرح الإسلام بقوة على العقلية الأوروبية في ذات الوقت، مما يتيح الفرصة أمام دعاته لإبلاغ الرسالة الصحيحة للإسلام والصورة المضيئة لمبادئه وشرائعه.. ومثل هذه الافتراءات تسهل من مهمة الدعاة في كشف حجم التضليل الذي تتعرض له عقول الأوربيين على أيدي نفر ينتمون إليهم.


جناية في حق البشرية

والحقيقة التي أراها رأي العين تنبئ بأن ما تفعله هذه التيارات العنصرية المتعصبة تمثل جريمة في حق البشرية ومستقبلها.. لأن الحيلولة بين الشعوب الأوربية والإسلام يحرم البشرية من فرصة فريدة للالتحام بين الإسلام والغرب.

فالإسلام بعقيدته الواضحة والصافية من التعقيدات والتهويمات والترهات التي لم ولن يستطع العقل تقبلها.. وبالأخلاق والقيم التي يدعوا إليها.. قادر على أن يعيد ضبط بوصلة تلك المجتمعات الأوربية نحو الواجهة الصحيحة في السلوك وبناء المجتمعات على أسس قويمة..

والتجربة الأوربية القائمة على البحث العلمي واحترام قيمة الوقت والعمل والإتقان فيه والابتكار والأخذ بالأسباب والسنن الكونية تسهم في تحقيق نجاحات جديدة تجعل الحياة أفضل حالاً والمستقبل أكثر إشراقًا.

والالتحام بين الأمرين يصب حتماً في صالح مستقبل البشرية إن أحسن أهل الإسلام عرض بضاعتهم وقدموا اجتهادات جديدة مواكبة للتطورات الجديدة، وهذا يقتضي أيضاً قطع الطريق على أولئك المتعصبين العنصريين بالحجة والبيان والحكمة والموعظة الحسنة والبرهان.


أين متطرفو أقباط المهجر؟

لقد أبانت قضية حظر المآذن بجلاء الفارق بين الإسلام وغيره في مدى التسامح تجاه الآخر، وتساءلت في نفسي:

لماذا لم يطالب أحد في بلادنا بمنع أبراج الكنائس أو بكسر الصلبان؟


أتدرون لماذا؟

لأن الإسلام ببساطة منع ذلك، بل إن أكثر الفقهاء ذهب إلى إلزام المسلم الذي يقوم بكسر صليب يمتلكه مواطن من أهل الكتاب بدفع التعويض له عن ثمنه، وليس هذا من باب تقدير الصليب فهو فكرة تسيء إلى عظمة وجلال الإله، لكن من باب حرية العقيدة وترك كل أحد وما يدين به، فهل هناك تسامح أكثر من ذلك؟.


ثم تساءلت:

وأين متطرفو أقباط المهجر الذين يزعمون حدوث اضطهاد للنصارى في مصر؟.

ونسألهم: هل تقبلون بحظر أبراج الكنائس والأجراس والصلبان؟

وهل تقبلون بمنع الراهبات أو القساوسة من ارتداء الملابس التي تميزهم عن غيرهم؟

وهل تقبلون بقتل محجبة في قاعة محكمة ألمانية؟

إذا كنتم لا تقبلون ذلك فلماذا تعلنون رفضكم لتلك الممارسات العنصرية المتعصبة؟.

ولماذا لم نسمع صوتكم؟

أتدرون لماذا لم نسمع صوتكم؟!

لأنكم إذا كنتم تمسكون زمام الأمور في مصرنا العزيزة فلن تكتفوا فقط بحظر المآذن والحجاب والنقاب، بل سوف تحظرون الإسلام نفسه، وأيضاً كافة الملل المسيحية المختلفة معكم.

لكن الحمد لله أن هذا لم ولن يحدث بإذن الله..

الاثنين، 7 ديسمبر 2009

في سويسرا مآذن الإسلام هدمت ما كان قبلها

في سويسرا مآذن الإسلام هدمت ما كان قبلها

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 07 - 12 - 2009
نقلا عن : جبهة علماء الأزهر



18 من ذي الحجة 1430هـ الموافق 5 من ديسمبر 2009م.

في قضية مآذن الإسلام بأوربا وسويسرا التي ضل فيها من خطباء الفتنة وعلماء السوء ممن ضل من أهل الضلالة،
نقول وقد تأخر جوابُنا على رجاء أن يكون في سكوتنا الذي طال شرحا للكلام الذي يأتي بعده يفسره تفسيرا غير مكتوب، ولينزل قولنا فيها منازل متعددة لا منزلة واحدة، نقول إن تلك الجريمة جريمة الاستفتاء على جزر المآذن قد أتت على أعقاب جرائم منا صدرت عن بعض الشيوخ في حق ديننا سبقتها، سوّغت لأبناء الصليب ما يبتغون من الفتنة فينا،فجاءت تلك الجريمة وقد تأسس لها من بعض الشيوخ قواعد تفاوتت في قوتها وآثارها بين مباركةٍ صريحة للمنكر – هذا حقهم هذا حقهم هذا حقهم- وبين صمت ماكر على ما يرتكب في حق ديننا وأمتنا؛ ليتفرع عنها ما هو أنكى وأقبح إن طال علي مثلها السكوت.



فهي جريمة - وإن ظهر من القوم من أنكر عليهم ظهورها الآن، وذلك خوف على أموال الأثرياء المستهزأ بدينهم أن تهجر بنوكهم فتخرب ديارهم، إذ علموا أن ثراءهم الفاحش الذي قاربت نسبة الفارق فيه بين الواحد من هؤلاء الحمقى وبين نظيره من العالم النايم الغافل عن حقه وقدره الأربعمائة ضعف إلى واحد من المستوى المعيشي، بعد أن كان في عام 1800م لا تتجاوز فيه تلك النسبة 5:1، فهم من الموقنين بأن ثراءهم هو من أموال هؤلاء الذين يستخف بدينهم اليوم.


لقد هدمت تلك المآذن -التي أهاجت ضغائن الغرب الصليبي من سويسرا ولم تزد عن خمسة- هدمت أدعياء العلم فينا؛ وعلماء السوء عندنا، كما أنها هدمت والحمد لله الكثير من قواعد الزور والبهتنان لدى أدعياء التنوير ورسل الديمقراطية الغربية، تلك الديمقراطية التي عودتنا أنها لا تلبث طويلا على خداعها حتى تُكَشِّر عن أنيابها وتكشف عن ساقيها القبيحتين للمخدوعين بها من أمتنا؛ حتى إنها صارت لأهل النُهى منَّا على أكثر أحوالها كلمة يراد بها التدليس على عقول البشر ليبلغ بها القويُّ مآربه من الضعيف المغرور بهذه الرقية- رقية الديمقراطية- الساحرة؛ التي يدندنون بها في الآذان بكرة وعشيا .


جاء خطباء الفتنة عندنا ليقولوا لنا عن تلك الجريمة كالمبررين لها:" إن المآذن ليست من أركان الإسلام"، فففتحوا الباب لفرنسا بهذا السقوط من هذا المتفيقه لتعلن وهي آمنة –كما أمنت من قبل على نفسها في حربها على الحجاب- تعلن عزمها على منع المساجد بها بعد منع المآذن عند أختها سويسرا، ثم عزَّهم عيٌّ آخر من صبيان الملاحدة بديارنا يطلب إلى المسلمين بسوسيرا أن لا يقاوموا هذا الأمر إذا صار قانونا بها، وخرص تلميذ حسن حنفي عن غير هذا من جرائم هؤلاء وأمثالهم في ديارنا من استباحة لحرماتنا، وتلويث حتى للمياه غير العذبة التي تجري في أرضنا بإلقاء الخراف النافقة فيها بعد تحللها، وكذا جريمة التطهير العرقي في القدس، وسحب الهويات من أهل بيت المقدس تمهيدا لطردهم، ثم دهس الشاب الفلسطيني بالقدس دهسا بسيارة المجرمين على وجه لم تعهده البشرية من قبل في عالم الجرائم، ثم ما ظهر على لسان فرنسا من إرادتها الخبيثة التي لا تزيدها الأيام نحونا إلا سُعارا 41% منهم الآن يعارضون بناء المساجد والشيخ قد بلع لسانه، ولا تزال أسواقنا بفرنسا وبأخواتها مستعمرة بشركاتهم، والرءوس محتلة بمذاهبهم، والقلوب مستعبدة بشهواتهم.


لقد تغافل أدعياء الفتنة فينا عن مكانة مآذن بيوت الله في شرعه وهم بها عالمون، فليس ببعيد عن طالب علم أو قارئ لكتاب الله تعالى قوله تعالى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:من الآية 36].

تُرفع كما قال المفسرون معنى، وترفع كذلك مبنى، وهذا غير خاف عن تلميذ حسن حنفي النجيب، فكيف ساغ له أن يتفوه بما تفوه به، وفيما تفوه به تخذيل لا يجهل أثره هو وأخوه في الضلالة على ما بقي له من واهي الدين، وهو الذي ما عرفنا له في ميدان الشرف مقاما، ولا ألفنا له بيانا.


يقول شيخنا الغزالي يرحمه الله:

إن الذي يعني الصليبية هو التنفيس عن سخائمها الوبيلة، تلك السخائم التي التقت فيها وحشية الجنس بوحشية المبدأ، فالصليبية ترى أن الفتك دينا، وترى كذلك وجود غيرها إلى جوارها أمراً مُنكرا، وذا ك ما أضراها علينا، وأغرى الوحوش من أتباعها باستئصالنا، وإن كثيراً من الكتاب والساسة – وبعض المتفيهقين - فينا قد فكروا في عزل الإسلام عن ميادين الكفاح ضد الاستعمار، يحسبون أن هذا العزل قد يُخَفِّف من وطاة الاستعمار عليهم، وهذا أفحش خطأ يمكن أن يرتكبه امرؤ ضد ربه ونفسه وبلاده. إن العدو قد بدَّل زيَّه، وتعلم كيف يحتال لبلوغ إربه، وقد يسبق إلى الأذهان أن الاستعمار في طريقه إلى التلاشي.. وكنا نودُّ لو صحَّت هذه الأمنية..، بيد أنها لا تعدو آفاق الخيال.


إن الناظر إلى أقطار الغرب قد تخدعه مظاهر المدنية التي بلغتها –كما خدعت هؤلاء الأدعياء -، وقد يظن أن نظافة القوم في وجوههم وملابسهم هي فيض من نظافة ضمائرهم وأرواحهم، وهذا خطأ شديد، فهم أقذر أهل الأرض ضمائر وأرواحا، فتطور وسائل الإبادة والفتك قد زاد من ضراوتهم .


إن الفظائع المُروِّعة التي عرف بها الغرب فينا ليست في الصليبية الغربية سجيةً مُحدثة، فالقوم يسيرون على النهج الذي سلكه آباؤهم من قبل، فالخلف والسلف على اختلاف الأمكنة والأزمنة تحركهم طبائع واحدة، وتحدوهم غاية واحدة، إنهم مع خصومهم لا يعرفون للحرب أدبا، ولا للرحمة موقعا، إلا إذا تكافأت القوى، وخافوا الثأر العاجل، فهم عندئذ يعاملون العدو بحذر، اتقاء العقوبة لا اتقاءً لله، أما إذا أمنوا الثأر فلن يتوقع منهم إلا بطش الجبابرة.


كتب الأستاذ" محمد شاهين حمزة" يروي شيئا من مخازي هذه العهود ننقلها للمتفيهقين عبدة الأضواء على رجاء مراجعة موقفهم من أمتهم ودينهم بها، يقول الكاتب :
" لم تقم في الشرق محاكم مثل محاكم التفتيش التي قامت في بلادٍ عديدة من أوربا، مثل أسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا، والبرتغال، وألمانيا، -وذلك - لسجن حرية العقيدة والفكر، ومطاردة الضمائر والعقول، وإصدار أحكامٍ تتقزز منها النفوس وهي تقرؤها في صحائف التاريخ السود، أحكام منها الإماتة حرقا في أحفال عامة يحضرها الملوك والوزراء والأعيان ...، والدفن بالحياة،حيث يوضع المحكوم عليهم في مقابر تترك فيها فتحات صغيرة ليراهم الناس منها وهم يدنون من الموت رويدا رويدا ليتفرج الناس جميعا على أولئك الذين يُدفنون أحياء وهم يعذبون بهذا الاختناق، والويل كل الويل لم ينظر ثم يتأفف أو يتحسر.


فإذا كان المحكوم بموته امرأة،عرِّيت، وشدَّت إلى مقبرة، وتركت ليلا ونهارا حتى تموت أو تجن، ..، أما حين تكون في طور التحقيق فإنها تُعَرَّض لكلاليب ذات رؤوس حادة تسحب الثديين من الصدر. وكانت هذه المحاكم تستعين في تحقيقاتها للحصول على إقرارات –مريحة- مُرضية بوسائل عديدة من التعذيب منها:

- حرق الأقدام.

- استعمال السياط على الأقفية.

- التعليق من السقف مع ربط كل يد وكل قدم إلى حبل يشدها في اتجاه مضاد.

- غرز المسامير في الرؤوس.

- سلِّ اللسان من الحلق بآلات خاصة.

- وضع الأقدام في أحذية حديدية عُرِّضت للنار حتى حميت واحمرت.

- الكي في أي مكان من الجسد

- استعمال أحذية ذات مسامير داخلية حادة، يؤمر المتهم بلبسها والمشي فيها، أو الجري والسوط من خلفه.

- أو مشانق تشنق المتهم نصف شنق.

- أو تسديد حربتين إلى عيني المتهم تنفذان من مؤخرة الجمجمة.

- أو توجيه حربة إلى القلب، وأخرى إلى المعدة أو الأمعاء.

- أو طي الجسم وكسر عظامه بآلات خاصة.

- وحلق الرأس وتعرضه لآلة تسقط الماء البارد عليه نقطة نقطة.

- سلق مواضع من الجسم أو سلخها بوضع إسفنج مغموس في ماء مغلي عليها،وتعريض الرؤوس لمطارق ثقيلة ساحقة.

- وصب الماء في الجوف من الفم أثناء الوخز بالدبابيس في الأعصاب والشرايين.

- ووضع آلة على فم المُعذَّبِ حتى لا يخرج أنينه، وإذا مات في أثناء التعذيب ألقي به بين المُعذَّبين الآخرين زيادة في إيلامهم وإرعابهم" [ الاستعمار أحقاد وأطماع 16: 29 بتصرف]


هل صنع إنسان في الشرق مثل هذا؟

ما كان لنا ولا يحلُّ والله شيء من ذلك عندنا في ديننا حتى ولو كان المقصود حيوانا لا إنسانا عدوا أو مجرما ؟

لا يحل لنا ولن يكون، لأن من ثوابت ديننا أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسل فيما أخرجه ابن إسحاق بسند رجاله ثقات على ما قال الإمام ابن القيم قد ضاف النصارى في مسجده وتركهم يصلون صلاتهم فيه:

قال ابن إسحاق "وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدُ نصارى نجران بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا في مسجده، فأراد الناسُ منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوهم» فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم" [ زاد المعاد 3/ 629].

صلوا صلاتهم التي هي عنوان كفرهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحماية منه لهم، فهل عرف التاريخ كرما مع الخصوم في العقيدة مثل هذا الكرم الذي يطاردنا بسببه النصارى وأشياعهم في كل فجاج الأرض و كل دروب الحياة ؟


ثم كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وثيقته و عهده لهم ولأهل نجران من خلفهم قائلا : «ولنجران وحسبِها جوار الله، وذمة محمد النبي على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وتبعهم، وألا يُغَيَّروا مما كانوا عليه، ولا يُغَيَّرُ حقٌ من حقوقهم، ولا ملتهم، ولا يُغير أسقُفٌ من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا وافه- القيم على بيت الصليب- عن وفهيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة، ولا دم جاهلية، ولا يُحشَّرون –يعتقلون ويحبسون-، ولا يُعشَّرون- يدفعون الضرائب العشرية -، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصفُ غيرَ ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا، وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم» [ السابق 3/ 635] .

هذا هو ديننا الذي غاظت مطالع شموسه حمقى السويسريين، فذهبوا يطلبون إطفاء نوره بمعونة المغفلين منا، فأي أمر يريدون بما صنعوا غير استرجاع عهودهم الشيطانية مع دين الرحمة السابغة وأهله في المشارق والمغارب؟! .

إنها بلا ريب خطوة لها ما بعدها، ليس المساجد فقط بعد المآذن، ولكنها المساجد وأهلها ورجالها، ومن أحبهم، أو كانت له صلة بهم.

لقد كان الاتهام بالإسلام في البرتغال وأسبانيا من قبل سببا من أسباب الاسترقاق[ تاريخ الحضارات العام لرولان موسنيه أحد أساتذة جامعة السوربون 4/ 427]

ولقد قام جماعات المزارعين الفرنسيين بالجزائر بإعطاء أنفسهم حق محاكمة الوطنيين وإعدامهم رميا بالرصاص حتى بلغ عدد قتلاهم في واقعة واحدة على تقدير السفير الأمريكي أربعين ألف شهيد.[ الاستعمار أحقاد وأطماع 30]. وهذا هو ما يحن إليه حمقى السويسريين اليوم.

لقد كان الترك قادرين على استئصال نصارى الشام كما استؤصل مسلمو الأندلس، فما فعلوا عن أمر الإسلام شيئا من ذلك، بل إنهم دللوهم حتى زادت أموالهم وأولادهم إلى حد بعيد، ولما فكر أحد سلاطين الترك في استئصال أقباط مصر وقف له شيخ الإسلام إسماعيل الهروي وقال له ليس لك هذا، فوقف الحاكم المتحمس عند حدود الدين كما بينها له الفقيه المسلم لم يتجاوزها، لأنه يعلم أن في تجاوزها ذهاب مشروعيته التي لا يغني عنها انتخابات مزورة، أو استفتاءات كاذبة ما دخلت علينا إلا برعاية هذا الاستعمار بديمقراطيته الخادعة.

بل إنه في عهد السلطان سليم الثاني[ 1566- 1572م] قد تولى مركز الصدارة الأعظم- رئاسة الوزارة- ثمانية من أصل عشرة كانوا من أهل الكتاب [ تاريخ الحضارات العام 4/ 538]، ومن بين 48 صدر أعظم لم يكن إلا 12 من أب مسلم .


أما الحرية والحقوق عند نصارى أوربا في العهد الاستعماري فإنها كانت تعني لأنفسهم استباحة كل محظور بغير مساءلة، فبعد قليل من الحرب العالمية الأولى قرر الحاكم العام ونائب الملكة في الهند أن على الهنود الإسهام إلى جانب انجلترا في الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية" وبمقتضى هذا الكذب تم تجنيد 000،621 _ واحد وعشرون ألفا بعد الستمائة، في القتال على الجبهة الغربية، كما تم تجنيد أكثر من 475،000 – خمسة وسبعون ألفا بعد الأربعمائة ألف مدنيا للحرب [ الكتاب الأسود 358]، وللدفاع عن الهند وجب ضمان عدَن، وإفريقيا الجنوبية، وقناة السويس، وإفريقيا الشرقية، وفلسطين، وجزيرة العرب، وقبرص، والعراق، وبلوشستان، والهند الصينية، ونقاط ارتكاز في المحيط. [ الكتاب الأسود 358]، وقد كان وفرة ما حصلته انجلترا من ضرائب شركة الهند الشرقية السبب الذي دفعها فيما بعد لاستعمار أفغانستان، والهجوم على بورما التي ضُمَّت عام 1826م، ثم ماليزيا، والتدخل في الخليج العربي، ثم جزيرة العرب، والعراق، والصين.

فهل بعدت أمريكا عن تلك الأخلاق الشائهة قيد أنملة؟

يقول بيليشر زونكلي في مقدمته لكتاب الدولة المارقة: " إن الولايات المتحدة تهزأ بالقانون الدولي حين ترى ذلك مفيدا" لقد أوقدت أمريكا الحرب في غواتيمالا واستمرت ستة وثلاثين عاما دفاعا عن مصالح شركة الفواكه المتحدة لصالح وكالة الاستخبارات المركزية لتوقع بعدها وثيقة وقف إطلاق النار في أوسلو عام 1996م بعد أن أنهكت قوى الدولة الصغيرة . ولقد كان مصير الهنود الثائرين على المحتل الشنق؛ أو الربط في فوهات المدافع .

أما ما كانوا يقصدونه بشعار الحرية لغيرهم من الشعوب المغلوبة على أمرها فلم تكن تعني لهم أنه نقيض العبودية، بل إن المراد منها لهم كان هو التمتع ببعض الحقوق فقط كالزواج، والملبس، والمطعم، فإذا لم يوفرها السيد فباستطاعة هذا العبد المطالبة بها أما المحكمة بطلبه منها إبدال سيده، وقد كان هذا العبد الحر يحمل إيصالا يسمى "ورقة بيع" يذكر فيها السيد الثمن المقدر للعبد [ الاستعمار الكتاب الأسود كارمن برنار ص186 بإشراف مارك فيرو] . كما أنه كان المقصود من مصطلح "الحرية الدولية هو حرية المسيحيين" فقط [ الكتاب الأسود 364].


لقد كانت الهند وهي تحت المستعمر الإنجليزي تزود العالم ب 64% من إنتاج الأرز ومع هذا فقد كان الفلاح الهندي يموت جوعا [ الكتاب الأسود 353].

ثم إن الحراك السياسي كان ولا يزال يعني عندهم الإدماج في ثقافة المستعمر المنحل خلقيا[ الكتاب الأسود 210]. وهو ما ميز الاستعمار الجديد عن الاستعمار القديم

وإذا كانت المواطنة منذ نشأتها في إيطاليا عام 125م تعني حق المشاركة في السلطة فهي كذلك لكن للأوربي وحده بعد الإيطالي الذي نطق بها أول مرة.

والتبشير كما جاء في تاريخ الحضارات يعني خلخلة الوحدة الإسلامية بدعوى طلب تسامح المسلمين، ويقصدون بالتسامح إهمال الدين في تقديراتهم للأمور، مما يسمح بتوغلهم في أرجاء العالم الإسلامي وتمددهم في أحشائه على غفلة منه –كما جاء في تاريخ الحضارات العام 3/ 554.


إن هذه الجريمة جريمة الاستفتاء على المآذن تعني فيما تعني أن جميع الحقوق التي ثبتت للشعوب على طول معاناتها مع المستعمر البغيض هي الآن عندهم عرضة لإعادة التصويت عليها ومنها حق الإنسان في اختياره الإسلام دينا .

لهذا فغننا باسم الله الخافض الرافع نتوجه بندائنا هذا إلى أثرياء العرب وأغنياء المسلمين لنصرة دينهم والذود عن كرامتهم وكرامة أمتهم فنقول :

إنكم والحمد لله اليوم كثير، وهذا أوان جهادكم بأموالكم، طلبتم إليه، ولن يكلفكم هذا كثيرا، فلا تكونوا بنعمة الله عليكم سوطا في أيدي هؤلاء الذين بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم لكم ولأمتكم أكبر، قاطعوا مصايف هؤلاء القوم من هذا العام، وقللوا من أرصدتكم في بنوكهم، ليعلموا أن لكم دينا هو أعز عليكم من دنياكم، إنكم إن فعلتم كان ذلك لكم جهادا شركتم فيه غيركم ممن أدَّى ووفى من الصابرين المستضعفين، وإن لم تفعلوا كنتم لأمتكم عدوا ولدينكم خصما، ومن خاصمته الأمة خصمه الله. والحمد لله قد جعل الله لكم في أسواق تركيا لأموالكم عوضا وسبيلا.

{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:44]

الجمعة، 4 ديسمبر 2009

أحوال النساء في الجنة

أحوال النساء في الجنة

سليمان الخراشي
أضيفت بتاريخ : : 15 - 04 - 2004
نقلا عن : دار القاسم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإني لما رأيت كثرة أسئلة النساء عن أحوالهن في الجنة وماذا ينتظرهن فيها أحببت أن أجمع عدة فوائد تجلي هذا الموضوع لهن مع توثيق ذلك بالأدلة الصحيحة وأقوال العلماء فأقول مستعينا بالله:

فائدة (1):

لا ينكر على النساء عند سؤالهن عما سيحصل لهن في الجنة من الثواب وأنواع النعيم، لأن النفس البشرية مولعة بالتفكير في مصيرها ومستقبلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر مثل هذه الأسئلة من صحابته عن الجنة وما فيها ومن ذلك أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم : ( الجنة وما بنائها؟ ) فقال صلى الله عليه وسلم : « لبنة من ذهب ولبنة من فضة... » إلى آخر الحديث. ومرة قالوا له صلى الله عليه وسلم : ( يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ ) فأخبرهم بحصول ذلك.

فائدة (2):

أن النفس البشرية – سواء كانت رجلا أو امرأة – تشتاق وتطرب عند ذكر الجنة وما حوته من أنواع الملذات وهذا حسن بشرط أن لا يصبح مجرد أماني باطلة دون أن نتبع ذلك بالعمل الصالح فإن الله يقول للمؤمنين: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } [الزخرف:72]. فشوّقوا النفس بأخبار الجنة وصدّقوا ذلك بالعمل.

فائدة (3):

أن الجنة ونعيمها ليست خاصة بالرجال دون النساء إنما هي قد { أعدت للمتقين } [آل عمران:133]، من الجنسين كما أخبرنا بذلك تعالى قال سبحانه: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة } [النساء:124].

فائدة (4):

ينبغي للمرأة أن لا تشغل بالها بكثرة الأسئلة والتنقيب عن تفصيلات دخولها للجنة: ماذا سيعمل بها؟ أين ستذهب؟ إلى آخر أسئلتها.. وكأنها قادمة إلى صحراء مهلكة! ويكفيها أن تعلم أنه بمجرد دخولها الجنة تختفي كل تعاسة أو شقاء مر بها.. ويتحول ذلك إلى سعادة دائمة وخلود أبدي ويكفيها قوله تعالى عن الجنة: { لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين } [الحجر:48]، وقوله: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون } [الزخرف:71]. ويكفيها قبل ذلك كله قوله تعالى عن أهل الجنة: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة:119].

فائدة (5):

عند ذكر الله للمغريات الموجودة في الجنة من أنواع المأكولات والمناظر الجميلة والمساكن والملابس فإنه يعمم ذلك للجنسين ( الذكر والأنثى ) فالجميع يستمتع بما سبق. ويتبقى: أن الله قد أغرى الرجال وشوقهم للجنة بذكر ما فيها من ( الحور العين ) و ( النساء الجميلات ) ولم يرد مثل هذا للنساء.. فقد تتساءل المرأة عن سبب هذا !؟

والجواب:

1- أن الله: { لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون } [الأنبياء:23]، ولكن لا حرج أن نستفيد حكمة هذا العمل من النصوص الشرعية وأصول الاسلام فأقول:

2- أن من طبيعة النساء الحياء – كما هو معلوم – ولهذا فإن الله – عز وجل – لا يشوقهن للجنة بما يستحين منه.

3- أن شوق المرأة للرجال ليس كشوق الرجال للمرأة – كما هو معلوم – ولهذا فإن الله شوّق الرجال بذكر نساء الجنة مصداقا لقوله : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » [أخرجه البخاري] أما المرأة فشوقها إلى الزينة من اللباس والحلي يفوق شوقها إلى الرجال لأنه مما جبلت عليه كما قال تعالى { أومن ينشأ في الحلية } [الزخرف:18].

4- قال الشيخ ابن عثيمين: إنما ذكر – أي الله عز وجل – الزوجات للأزواج لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة وسكت عن الأزواج للنساء ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج.. بل لهن أزواج من بني آدم.

فائدة (6):

المرأة لا تخرج عن هذه الحالات في الدنيا فهي:

1- إما أن تموت قبل أن تتزوج.

2- إما أن تموت بعد طلاقها قبل أن تتزوج من آخر.

3- إما أن تكون متزوجة ولكن لا يدخل زوجها معها الجنة، والعياذ بالله.

4- إما أن تموت بعد زواجها.

5- إما أن يموت زوجها وتبقى بعده بلا زوج حتى تموت.

6- إما أن يموت زوجها فتتزوج بعده غيره.

هذه حالات المرأة في الدنيا ولكل حالة ما يقابلها في الجنة:

1- فأما المرأة التي ماتت قبل أن تتزوج فهذه يزوجها الله – عزوجل – في الجنة من رجل من أهل الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم : « ما في الجنة أعزب » [أخرجه مسلم]، قال الشيخ ابن عثيمين: إذا لم تتزوج – أي المرأة – في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر بها عينها في الجنة.. فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور وإنما هو للذكور والإناث ومن جملة النعيم: الزواج.

2- ومثلها المرأة التي ماتت وهي مطلقة.

3- ومثلها المرأة التي لم يدخل زوجها الجنة. قال الشيخ ابن عثيمين: فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال. أي فيتزوجها أحدهم.

4- وأما المرأة التي ماتت بعد زواجها فهي – في الجنة – لزوجها الذي ماتت عنه.

5- وأما المرأة التي مات عنها زوجها فبقيت بعده لم تتزوج حتى ماتت فهي زوجة له في الجنة.

6- وأما المرأة التي مات عنها زوجها فتزوجت بعده فإنها تكون لآخر أزواجها مهما كثروا لقوله صلى الله عليه وسلم : « المرأة لآخر أزواجها » [سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني]. ولقول حذيفة رضي الله عنه لامرأته: ( إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النبي أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة ).

مسألة: قد يقول قائل: إنه قد ورد في الدعاء للجنازة أننا نقول ( وأبدلها زوجا خيرا من زوجها ) فإذا كانت متزوجة.. فكيف ندعوا لها بهذا ونحن نعلم أن زوجها في الدنيا هو زوجها في الجنة وإذا كانت لم تتزوج فأين زوجها؟

والجواب كما قال الشيخ ابن عثيمين: "إن كانت غير متزوجة فالمراد خيرا من زوجها المقدر لها لو بقيت وأما إذا كانت متزوجة فالمراد بكونه خيرا من زوجها أي خيرا منه في الصفات في الدنيا لأن التبديل يكون بتبديل الأعيان كما لو بعت شاة ببعير مثلا ويكون بتبديل الأوصاف كما لو قلت لك بدل الله كفر هذا الرجل بإيمان وكما في قوله تعالى: { ويوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } [إبراهيم:48]، والأرض هي الأرض ولكنها مدت والسماء هي السماء لكنها انشقت".

فائدة (7):

ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم للنساء: « إني رأيتكن أكثر أهل النار... » وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : « إن أقل ساكني الجنة النساء » [أخرجه البخاري ومسلم]، وورد في حديث آخر صحيح أن لكل رجل من أهل الدنيا ( زوجتان ) أي من نساء الدنيا. فاختلف العلماء – لأجل هذا – في التوفيق بين الأحاديث السابقة: أي هل النساء أكثر في الجنة أم في النار؟

فقال بعضهم: بأن النساء يكن أكثر أهل الجنة وكذلك أكثر أهل النار لكثرتهن. قال القاضي عياض: ( النساء أكثر ولد آدم ).

وقال بعضهم: بأن النساء أكثر أهل النار للأحاديث السابقة. وأنهن – أيضا – أكثر أهل الجنة إذا جمعن مع الحور العين فيكون الجميع أكثر من الرجال في الجنة.

وقال آخرون: بل هن أكثر أهل النار في بداية الأمر ثم يكن أكثر أهل الجنة بعد أن يخرجن من النار – أي المسلمات –قال القرطبي تعليقا على قوله صلى الله عليه وسلم : « رأيتكن أكثر أهل النار » : ( يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال: لا إله إلا الله فالنساء في الجنة أكثر ).

الحاصل: أن تحرص المرأة أن لا تكون من أهل النار.

فائدة (8):

إذا دخلت المرأة الجنة فإن الله يعيد إليها شبابها وبكارتها لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الجنة لايدخلها عجوز.... إن الله تعالى إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا » .

فائدة (9):

ورد في بعض الآثار أن نساء الدنيا يكن في الجنة أجمل من الحور العين بأضعاف كثيرة نظرا لعبادتهن الله.

فائدة (10):

قال ابن القيم ( إن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها ) أي في الجنة.

وبعد: فهذه الجنة قد تزينت لكن معشر النساء كما تزينت للرجال في مقعد صدق عند مليك مقتدر فالله الله أن تضعن الفرصة فإن العمر عما قليل يرتحل ولا يبقى بعده إلا الخلود الدائم، فليكن خلودكن في الجنة – إن شاء الله – واعلمن أن الجنة مهرها الإيمان والعمل الصالح وليس الأماني الباطلة مع التفريط وتذكرن قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت » .

واحذرن - كل الحذر – دعاة الفتنة ( وتدمير ) المرأة من الذين يودون إفسادكن وابتذالكن وصرفكن عن الفوز بنعيم الجنة. ولا تُغررن بعبارات وزخارف هؤلاء المتحررين والمتحررات من الكتاب والكاتبات ومثلهم أصحاب ( القنوات ) فإنهم كما قال تعالى: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء .

أسأل الله أن يوفق نساء المسلمين للفوز بجنة النعيم وأن يجعلهن هاديات مهديات وأن يصرف عنهن شياطين الأنس من دعاة وداعيات ( تدمير ) المرأة وإفسادها وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

معارك أخرى على هامش معركة النقاب

معارك أخرى على هامش معركة النقاب

عبد المنعم الشحات
أضيفت بتاريخ : : 03 - 12 - 2009
نقلا عن : موقع صوت السلف




الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اندلعت حرب النقاب، وما زالت رحاها دائرة حتى الآن، ولأن أمور الشرع مترابطة، وقضاياه متداخلة، ولأن خطط الأعداء متشعبة، وحفائرها عميقة؛ فقد توسعت حرب النقاب لتشمل كثيرًا من القضايا الأصولية، والتشريعية، والواقعية نجملها على وجه الاختصار في هذا المقال، فأول هذه الحروب:


حرب الحجاب:

نعم لم تقتصر الحرب على النقاب، وإن كان البعض من المنتسبين إلى العلم ممن يرون النقاب غـُلوّا قد قصروا حربهم عليه؛ فإن الكثير من الصحف، والمجلات العلمانية قد رأوا الفرصة سانحة لكي يبثوا سمومهم حول الحجاب ذاته، محاولين زعزعة العقيدة الراسخة حتى لدى المتبرجات أنفسهن في وجوب الحجاب.


وهذا يقتضي وقفتين:

الأولى: من عموم الدعاة والمصلحين، -لا سيما الذين لم ينفعلوا مع الأزمة بالشكل الكافي- أن يتحركوا قبل فوات الأوان، وأن يعلموا أن قائمة التنازلات في قضية المرأة أولها النقاب، وقد لا يكون لباس البحر هو آخرها!!

الثانية: من هؤلاء المشايخ الرافضين للنقاب أن يسارعوا بالتبرؤ ممن ركب الموجة، وهاجم الحجاب، وأظن أنه مهما بلغ من وهمهم في اعتبار النقاب غـُلوًا فلن يبلغ في الخطورة مبلغ إنكار المعلوم من الدين بالضرورة: كـ"الحجاب" من حيث المبدأ، فليشاركوا مع عموم الأمة في التصدي للحملة المسعورة ضد الحجاب، بدلاً من أن يكونوا مشاركين فيها من حيث لا يعلمون.


طائفة القرآنيين:

من المفارقات العجيبة أن منكري حجية السنة من القرآنيين ومن شابههم؛ لم يلجأوا إلى إنكار حجية السنة إلا فرارًا من الأحكام التفصيلية التي في السنة؛ لتبقى نصوص القرآن مجملة فيؤولونها وفق آرائهم وأهوائهم، ولكنهم متى وجدوا في السنة ما يشهد لبعض آرائهم أتوا إليه مذعنين، بل ربما اعتمدوا على غير الثابت، بل الموضوع من السنة.

وهذا ينطبق على كل أعداء السنة عبر التاريخ من: "المعتزلة القدماء" ومن "المعتزلة الجدد"، ومن المفارقات أن يطعن المعتزلة في أحاديث "البخاري" و"مسلم" التي لا تروق لهم؛ لشبهات عقلية سقيمة لو ردوها إلى عالمها لوجدوا لها جوابًا، ثم يستدلون بأحاديث موضوعة في شأن العقل!!.


وفي قضية الحجاب وجد أعداء السنة أنفسهم في حرج...، فظاهر القرآن وجوب ستر الوجه، وهذا ما يفسر ميل معظم المفسرين إلى القول بوجوبه، وأدلة استثناء الوجه عند القائلين باستثنائه هي من السنة.

ذلك أن القرآن قال: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [سورة النور: 31]، فنسب إبداء الزينة المنهي عنه إلى النساء، وعند الاستثناء لم يقل: إلا ما أظهرن، ولكن قال: {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، فدل بدلالة الوضع اللغوي على أنه إلا ما ظهر من تلقاء نفسه كما فسره بذلك "ابن عطية"، وأقره "القرطبي" على ذلك، ثم تعقبه بأن السنة ألحقت الوجه والكفين بما {ظَهَرَ}؛ لكثرة الحاجة إلى "إظهارهما"، واستدل على ذلك بحديث أسماء -رضي الله عنها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]، ونقل عنهما هذه المساجلة الشيخ "سيد طنطاوي" في تفسيره (الوسيط)!!

كما قال -تعالى-: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [سورة الأحزاب: 59]، فأمر النساء بالإدناء {عَلَيْهِنَّ}، وهذا يشمل إدناء الثوب على بدن المرأة من أعلى إلى أسفل بلا استثناء كما ذكر نحوه أيضًا الشيخ "طنطاوي" في تفسيره!

وقال -تعالى-: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ} [سورة النور: 31]، والخمار: غطاء الرأس، والجيب: فتحة الصدر، وإذا ضرب الخمار من الرأس إلى فتحة الجيب ستر الوجه حتمًا.


ولا يُعترض على هذا بأن العرف جرى على إحداث فتحة في الخمار تبرز الوجه؛ فإنما فعل ذلك بناء على مذهب من يرى جواز كشف الوجه، أو فعل تيسيرًا للبسه على أن يُغطى بالنقاب، وهذه الصورة لا يرتضيها بعض القائلين بوجوب ستر الوجه، ويرون لزوم إدناء الجلباب كما أمر الله، وبالتالي يحرِّمون النقاب بهذا الاصطلاح، وقد عمد بعض المغرضين إلى كلام هؤلاء العلماء فرَوَّجه على أنه تحريم لستر الوجه، والواقع أن هؤلاء العلماء يرون وجوب ستر الوجه بالجلباب تحديدًا؛ فهم من أشد القائلين بجوب ستر الوجه.

ومن ثمَّ فقد فر "القرآنيون" في هذه المسالة إلى السنة مستدلين بحديث أسماء، وحديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهم-، وبعيدًا عن الخلاف الفقهي في المسألة: كم نتمنى أن يثبت هؤلاء عند تعظيم السنة، والاحتكام إليها!.

ولكن أحد رؤوس "حرب النقاب" والذي جعل من أهم أولوياته تحويل النقاب من "عبادة" إلى "عادة"، والذي يطبع الكتب بمئات الآلاف في ذلك ما زال لا يدري حجج الفريقين؛ فخرج بتصريح يقول فيه: "بيننا وبينهم كتاب الله"!!، ولكنه لم ينتبه إلى أن الاحتكام إلى القرآن هنا دون السنة يجعل ستر الوجه واجبًا قولاً واحدًا.

والجدير بالذكر: أن المتمسكين بالوجوب من أهل العلم رأوا أن الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب لا تنتهض لتخصيص القرآن؛ لأن صحيحها غير صريح: كـ"حديث الفضل"، وصريحها غير صحيح: كـ"حديث أسماء"، وأما من صحح حديث أسماء فقطع بالاستحباب، منهم -من المعاصرين-: "الشيخ الألباني" -رحمه الله-.


"العادة" و"العبادة":

وهذه حرب أخرى من الحروب الحاضرة في حرب النقاب... فإن الحرب دائرة؛ لنزع صفة العبادة عن الحجاب، وإدخاله في باب العادات!!.

لماذا... ؟؟!!

لقد حاول الخصوم إخراج النقاب من عِداد الواجبات إلى عِداد المستحبات -وهو قول يقول به بعض أهل العلم-؛ أملاً في أن يدفع ذلك المنتقبات -لا سيما إذا تزامن ذلك مع التضييق عليهن في معظم الدوائر- إلى التراجع عنه، ولكنه ازداد انتشارًا -بحمد الله-، فما كان منهم إلا أن ادّعوا: أنه "عادة لا عبادة"؛ لأن زحزحة العادات باستخدام سلاح التضييق أكثر سهولة من زحزحة العبادات، بل ربما زحزحت العادات بعادات أخرى تناسب العصر.

والواقع أن العلمانيين الذين يسمون أنفسهم زورًا بـ"التنويريين"، ومن يستجيب لإرهابهم من المنتسبين إلى العلم: يعانون ضعفـًا شديدًا في التنظير، وفقرًا شديدًا في الكفاءات؛ فيكتفون باستنساخ المعارك الفكرية القديمة التي خاضها أسلافهم، وهم دائمًا ما يحرصون على استنساخ التجربة بكل تفاصيلها.


وقد جاء المتغربون الأوائل، والحجاب فعلاً -فضلاً عن النقاب- مجرد عادة شرقية انفصلت عن مصدرها الإلهي في حس معظم من يرتدينه؛ اللهم إلا فئة قليلة جدًا ممن رحم الله، ومن ثمَّ سهل عليهم انتزاعه، كما أشار إلى ذلك الأستاذ "محمد قطب" -حفظه الله، وعفا عنه-.

ثم خرجت الصحوة الإسلامية المباركة... وعاد معها الحجاب؛ "حجاب العبادة" لا "حجاب العادة"، ومن ثمَّ صمد هذا الحجاب أمام كل الهجمات -بفضل الله تعالى-، مما اضطر الأعداء إلى استخدام هذا "الخطاب الفرعوني" الممتد عبر الأزمان: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴿٥٤﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [سورة الشعراء: 54-55]، وظل الأعداء يرددون: أن الالتزام بالدين -والنقاب من أشد مظاهره- أنه شعار لطائفة محدودة من المتطرفين! أظنهم لولا الحرج لقالوا: "يعدون على أصابع اليد الواحدة"!!


ولكن حدث تطور قلب حسابات العلمانيين، والإسلاميين على حد سواء... حيث اتسع مستوى قبول سماع الخطاب الدعوي الإسلامي بدرجة كبيرة تزامن معها التزام ببعض الأمور التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإسلاميين، منها: "النقاب"، ووجدت شرائح من المجتمع تلتزم ببعض ما يلتزم به الإسلاميون، ولا تلتزم بالبعض الآخر؛ لعدم الاقتناع، أو لعدم وجود العزيمة الكافية.

وذلك ما رصدته إحدى تلك المجلات المحاربة للنقاب؛ من أن كثيرًا من المنتقبات حديثـًا: ما زلن يشاهدن التلفاز، ويسمعن الأغاني، وهو ما فسروه على أن النقاب المنتشر الآن هو بالفعل عند أصحابه عادة لا عبادة، وهذا التفسير منهم محاولة لطمأنة النفس، وإلا لو كان الأمر كذلك ما قاموا بكل هذه الجهود؛ لإثبات أنه عادة -لو كان هو بالفعل كذلك عند من تفعله-!.


والتوصيف الصحيح للأمر: أنه عند بعض المنتقبات الجدد عبادة عرفنها، واستطعن مع شيوعها مقاومة شياطين الإنس والجن في الالتزام بها. في ذات الوقت الذي توجد فيه عدد من المخالفات في سلوك صاحبته لم تبلغ عزيمتها بعد للدرجة التي تتغلب بها عليها، وهو ما أغرى هؤلاء بعمل هذه الحملة؛ لأن من كانت عزيمتها كذلك لو اقتنعت بأنه عادة لا يمكنها أن تثبت ولو قليلاً.

إن المعركة الآن في إثبات أن النقاب عبادة، وفي أن يبقى هذا المعنى ماثلاً في ذهن من ترتديه بحيث لا يتحول من جرَّاء تلك الحملات -وبفعل العادة والإلف لا سيما إذا كان مقترنـًا بمخالفات شرعية أخرى- إلى عادة؛ لأنه متى تحول إلى عادة سهل القضاء عليه، ومتى قضي عليه فسوف يستمر الأمر من سيء إلى أسوأ -نسأل الله العافية-.


الأغلبية الصامتة:

وهذه الحرب هي مظهر من مظاهر الحالة الفكرية في مصر منذ "عهد التغريب" الذي يسمونه بـ"عصر النهضة" إلى يومنا هذا "أقلية إسلامية"، و"أقلية علمانية" تتنازع على "أغلبية صامتة"، وكان هذا هو التوصيف يوم أن كان الإعلام إعلامًا مغلقـًا؛ فلما اتسعت الدنيا، وفُتِح الإعلام، مع أن ما يملكه الإسلاميون منه لا يبلغ عشر معشار ما يملكه العلمانيون، ومع أن العلمانيين يستخدمون سلاح الشهوات، والإسلاميون يسبحون ضد تيار الشهوات؛ إلا أن المحصلة تقول: إن الأغلبية ليست صامتة، وأنها مع الدعوة إلى الإسلام، والعمل بالإسلام، وأن من أجَّل منهم العمل بشيء من التشريعات الإسلامية؛ فإنه يتمنى أن يأتيَ اليوم الذي يزاح فيه "كابوس التغريبيين" الذين يجعلون من هذه المخالفات أمرًا واقعًا، فيصعب على كثير من المسلمين مقاومته.

فينبغي على الإسلاميين أن يدركوا خطورة المعركة، وأن يقدروا لها قدرها، وأن يصبروا على صور الالتزام المنقوص التي تتنامى في المجتمع شيئًا فشيئًا حتى لا يُترك الناس فريسة لـ"ذئاب العلمانية"، ولا نعني بهذا اتباع منهج: "الفتوى بالرخص" التي ليس عليها دليل، كما يلجأ إلى ذلك بعض الدعاة، بل ها هو الواقع يثبت أن الصبر على بيان الحق بالدليل، مع الصبر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ يؤتي أكله بعد حين -بإذن الله-.


فقه الأولويات:

من المسائل التي أخذت حظـًا كبيرًا من الأخذ والرد بين الإسلاميين ما اصطُلِح على تسميته بـ"فقه الأولويات"، ورغم الاتفاق النظري على القاعدة: "إذا تعارضت مصلحتان قدمت أولاهما وإذا تعارضت مفسدتان دفعت أكبرهما"؛ إلا أن الخلاف بيننا، وبين إخواننا في الاتجاهات الأخرى لا سيما "الإخوان المسلمون" كان حول التوسع في مفهوم التعارض؛ فكانوا يرون مجرد وجود أزمات في المسجد الأقصى كافٍ للنهي والزجر عن تعلم العلم وتعليمه!!، وربما تأثروا في ذلك بالشيخ الغزالي -رحمه الله- الذي بالغ في هذا الأمر حتى سمى من ينشغل بتعلم الفقه بـ"فقهاء الطهارة، والحيض، والنفاس"!!، وكأن الفقه ليس فيه إلا هذه الأبواب مع أهميتها.

وها هي الأمة تخوض معارك كثيرة، منها: فقهي احتاج فيه آحاد الدعاة إلى "فقه الحجاب" و"فقه الربا"، بل و"فقه الحيض والنفاس" نفسه؛ ليس للتعبد لله بأحكامهما فحسب -وهو واجب كما أسلفنا- بل للدفاع عن الإسلام.

فمن الشبهات التي يثيرها دعاة التنصير: الطعن على النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه كان يباشر عائشة -رضي الله عنها- وهي حائض مخالفة للأمر القرآني: {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} [سورة البقرة: 222]، زاعمين أن المباشرة هنا بمعنى الجماع، وهو أمر لا يُحسِن جوابه إلا من درس: "فقه الحيض، والنفاس"؛ حتى يعلم أن هذه مباشرة بدون جماع، كما دلت على ذلك الأدلة التفصيلية، وحتى يزيد على ذلك أن هذا من وسطية الإسلام، بعيدًا عن غـُلو اليهود الذين يعتقدون نجاسة الحائض؛ فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها، وهي أحكام ما زالت مدونة في "العهد القديم"، أي ما زال النصارى إلى اليوم يعتقدون أنها نزلت من عند الله، وإن كانوا يعتقدون أن "بولس" وليس الله، ولا عيسى -عليه السلام- قد نسخها لهم؛ فصاروا لا يتورعون عن إتيان الحائض والنفساء!!، والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بعث بالحنيفية السمحة، وبالوسط بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى.


وبالتالي كان من المواقف المحمودة أن تأخذ "جماعة الإخوان" موقفـًا في قضية النقاب رغم أحداث المسجد الأقصى، ورغم الأحداث التي تشهدها الجماعة، ولكن لابد من تسجيل كلمة للتاريخ؛ لأن الأحداث تمضي، والمواقف تنسى فنقول:

إنه وأثناء تعرض المسجد الأقصى لهجمة صهيونية، وتعرض النقاب، بل الحجاب لحملة داخلية انشغل "مكتب الإرشاد" أعلى هيئة في جماعة الإخوان، باختلاف حامي الوطيس تناثرت أخباره في الصحف والفضائيات حول تفسير "لائحة" جماعة الإخوان في أحقية الدكتور "عصام العريان" في التصعيد لمكتب الإرشاد خلفـًا للأستاذ "محمد هلال" -رحمه الله- بصفته حاصل على أعلى الأصوات بعد الحاصلين على عضوية المكتب في الانتخابات الماضية، أم تنتظر الانتخابات القادمة؟!

وهي مسألة تبدو لكل من ينظر إلى الأمور من خارج الصف مسألة "شكلية"، "فرعية"، "هامشية"، "لا تفسد للود قضية"!!، لا سيما وأن الانتخابات القادمة لم يبقَ على موعدها إلا شهران، ومع ذلك اهتم بها مكتب الإرشاد، وناقشها عدة مرات، ولن نعرِّج على ما قالته صحف غير إخوانية حول استقالة المرشد، أو إجباره على الاستقالة، بل ما صدر عن الإخوان وحده كاف في إثبات أن الخطوب الجليلة التي تحيق بالأمة لم تمنعهم من محاولة تطبيق اللائحة حرفيًا، والانشغال بتفسيرها، والأخذ والرد حولها، مع تمسك كل فريق بما رآه "صحيحًا" في تفسير اللائحة، وعدم التنازل عن اجتهاده لاجتهاد غيره -ولو كان المرشد-، وهو ما يستكثرونه في كثير من الأحيان على الدراسات الشرعية مطالبين كل الناس الذين لا يرتبطون معهم بعهد ولا ميثاق، ولا تنظيم: بالتنازل عن مواقفهم واجتهاداتهم، والتي تتبنى في كثير من الأحيان: "الأيسر" من وجهة نظرهم لا "الأصوب"، كما فعلوا مع اللائحة الإخوانية.

بل أعجب من ذلك أن الشيخ "القرضاوي" لم يعبه القرار الذي انتهى إليه المجلس بعدم تصعيد الدكتور "عصام العريان"، فأدلى بتصريحات حادة مما اضطر الدكتور "غزلان" إلى أن يكتب ردًا علنيًا عليه ذكَّره فيه ببعض الأمور الشرعية، ورغم أن الرد اتسم بالأدب الجم، إلا أن كثيرًا من الإخوان كانوا ينتقدون علينا تعقب الشيخ "القرضاوي" بنفس الأدب في قضايا هي أكثر خطورة من قضية تصعيد الدكتور "عصام العريان" بكثير؛ بدعوى أنه لا يرد على "القرضاوي" إلا من كان في علم "القرضاوي"، ويضيفون إليها: وطالما أنه غير موجود، فلا يرد على "القرضاوي" إلا "القرضاوي"، وها هو من يستكثر على نفسه أن يكون تلميذًا لـ"لقرضاوي" يرد عليه.

هذا مع أننا لو كنا نملك أن ننصح ونشير لأشرنا، ونصحنا بتقديم من يسمونه الآن: بـ"التيار المحافظ"؛ لكونه أقرب إلى المنهج الإسلامي الصحيح، بل وأقرب إلى منهج الأستاذ "البنا" نفسه، رغم أن رموز التيار الذي يسمونه: بـ"المنفتح" كان كثيرًا منهم من رموز تيار أشد محافظة في السبعينات، والذي مثلته الجماعة الإسلامية في الجامعات المصرية.


معركة الحرية الشخصية للمنقبات:

لقد كشفت معركة النقاب عن أن العلمانيين رغم تشدقهم بـ"الحرية الشخصية" إلا أنهم عند المحك العملي يتضح أنهم لا يعنون بها إلا حرية مخالفة الشرع كفرًا كان، أو بدعة، أو فسقـًا، وأنهم في سبيل حرب التدين من الممكن أن يكفروا بما "يدندنون" حوله من حريات، ذلك أن كثيرًا من الدعاة يوجِّه خطابه لعموم الأمة بالالتزام بالتكاليف الشرعية شاء الناس أم أبوا، ثم يوجه خطابه لمن يأبى النقاب، أو غيره بأن أصوله القائمة على احترام الحرية الشخصية تقتضي ترك كل إنسان وما يعتقد، إلا إن هذا لا يزيد كثيرًا من العلمانيين إلا عنادًا، و بيان ذلك: أنه ما من فعل ممكن حدوثه من الإنسان إلا وللشرع فيه حكم: إما طلب الفعل، وإما طلب الكف، وإما الإباحة، وطلب الفعل، وطلب الكف كلاهما ينقسم إلى: لازم وغير لازم.

والشرع يلزم ولي الأمر بالدعوة إلى المطلوب فعله، والإلزام باللازم منه، وإيقاع العقوبات المقدرة شرعًا على تاركها فيما فيه عقوبة، كما يُلزمه بالنهي عن المطلوب تركه مع الإلزام باللازم من ذلك، وإيقاع العقوبات الشرعية المقدرة شرعًا فيما شرعت فيه عقوبة.

والنظام العلماني القائم على فصل الدين عن الدولة المسمى تجملاً: بـ"المدني"، لديه أيضًا حكم لكل فعل يمكن أن يصدر من أي مواطن، بين طلب الفعل، أو طلب الكف، أو الإباحة؛ بيد أن الطلب دائمًا ما يكون لازمًا بحُكْم دنيوية العلاقة في النظام العلماني.

ثم إن من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها فلسفة الدول المدنية المبالغة في رعاية الحريات عن طريق توسيع دائرة الإباحة، بحيث تنحصر دائرة المحرمات فيما يضر الغير مع ترددهم في منع ما يضر النفس، ولكنهم في ذلك كله لا يعيرون التحريم الديني، -حتى فيما يتعلق بدين الأغلبية- أي أهمية! كما أنهم يضيقون دائرة الوجوب، بحيث تنحصر في علاقة المواطن بدولته دون النظر إلى الواجبات الدينية.

والنظام العلماني يترك مسألة الالتزام بالواجبات الدينية، والامتناع عن المحرمات الدينية للضمير الشخصي للإنسان، ولكنهم ينصون على: لزوم تجنب التشريع العام في الدولة لإجبار أي فئة دينية، أو عرقية على فعل ما هو محرم عندهم، أو أن يعوق النظام العام أي طائفة من أداء عبادة، أو طقس اجتماعي محترم عندهم.

ومسؤولية الملائمة بين القوانين العامة، وبين التوجهات الدينية والاجتماعية لأي طائفة من الناس مسئولية أصلية للنظام التشريعي والتنفيذي.


والخلاصة:

إن وجود طائفة تحرص على النقاب سواء أكانت هذه الطائفة تراه: "عبادة" أو "عادة اجتماعية مستحسنة" يلزم النظام حتى لو كان هناك من يراه بخلاف ذلك أن يلائم بين معتقدات هذه الطائفة وبين متطلباته؛ لحفظ النظام، والتي تكاد تنحصر في ضرورة الكشف عن شخصية المنقبة عند التعامل الرسمي، ويلزم والحالة هذه توفير امرأة تتولى هذا الأمر احترامًا للحرية الشخصية للمنقبات.

فحصل من ذلك أن النقاب "عبادة" مطلوب فعلها -"وجوبًا عند بعض العلماء، واستحبابًا عند البعض الآخر"- شرعًا، حرية محترمة قانونـًا.

ومع ذلك ما زالت المتبرجة الآثمة شرعًا، المهيجة لشهوات الشباب -"وهو ضرر كان ينبغي أن يعتبر قانونـًا"- تروح وتجيء، والمنتقبة فقط هي التي تلام حتى في المؤسسة الدينية نفسها "الأزهر"!! فهل أبقى النقاب للقوم من حجة يتسترون بها؟؟!!


وأخيرًا:

معركة "عودة الحجاب":

(عودة الحجاب) لفضيلة الشيخ "محمد إسماعيل" -حفظه الله- موسوعة علمية شاملة حول المرأة المسلمة أغنت -كما ذكر الشيخ "أسامة حافظ" في مقال له نشر بموقع: "المصريين"، وموقع: "الجماعة الإسلامية"- كل أبناء الصحوة على اختلاف فصائلهم عن كثير من كتب رموز الصحوة القدامى: كـ"حسن البنا"، و"الألباني"، و"البوطي"، ويرجع ذلك كما أشار إلى ذلك الأستاذ "جمال سلطان" في مقال له على موقع: "المصريين" إلى أنها عالجت كل جزئيات المسألة.

فعلى المسار التاريخي: عرّت دعاة التغريب عمومًا، ودعاة تحرير المرأة خصوصًا.

وعلى المسار الفقهي: نسفت أسطورة "الشباب الطائش الذي يقرأ كتابين ثم يفتي منهما"، وهي تهمة كانت في أوجها زمان ظهور الطبعة الأولى للكتاب، وإن كان ما زال بعض "الببغاوات" يرددها حتى الآن.

وعلى مسار ثالث: عالجت قضية المرأة ككل، وأبرزت المنهج الإسلامي الشامل في التعامل مع المرأة مُقارنـًا بالجاهليات: القديمة، والحديثة، ولهذه الأسباب مجتمعة يشعر خصوم الحجاب دائمًا أنهم في خصومة مع هذا الكتاب بالذات، وبالتالي كان لكل معركة ضد "عودة الحجاب"، أو "النقاب" معركة جانبية مع كتاب: "عودة الحجاب".

وكما يخرج "الحجاب" من كل معركة أكثر انتشارًا -بحمد الله-، يخرج كتاب: (عودة الحجاب) من كل معركة أكثر انتشارًا، وفي هذه الأزمة الأخيرة تم نشر "نسخ إلكترونية" منه في العديد من المواقع؛ حتى الغير المهتمة بالشأن الإسلامي!!، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.