تأملات حول قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
ياسر برهامي
أضيفت بتاريخ : : 08 - 04 - 2010
نقلا عن : موقع صوت السلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن التوسلَ إلى الله -عز وجل- بأنه سريعُ الحساب، واستحضارَ هذا المعنى لهو من أعظم ما يداوي أمراض القلوب؛ التي تحصل بسبب الظلم الذي كثر وانتشر في المشارق والمغارب، في الشمال والجنوب، من مخالفة لأمر الله -عز وجل- بالشرك والكفر، والنفاق والعصيان، ومن مخالفةٍ لشرع الله -عز وجل- بفعل الفواحش وارتكاب المحرماتِ، وارتكاب المعاصي والمنكرات، ومن مخالفةٍ لشرع الله -عز وجل- بالبغي والإفساد في الأرض: من سفكٍ للدماء وانتهاك للأعراض، وقتلٍ للأطفال، وتهديم للبيوت، واغتصاب للأموال، وسلب للأراضي والبلاد، فما أكثرَ الظلم الواقع في هذه الأرض، وخصوصًا على عباد الله المؤمنين الموحدين.
مع أن الله -عز وجل- حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرمًا، وقال لهم: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا»[رواه مسلم]، وجعل الله -تعالى- الظلمَ سببًا لخراب الأرض وفسادِها، وشقاء أهلها، وإن كان قلب كل مؤمن ليتألم من الظلم الواقع في هذه الأرض، ويجد فيه غصة ومرضًا يحتاج إلى شفاء.
فإن لم يتدارك الإنسان هذا المرض ويعالجه يوشك أن يوقعه في اليأس والإحباط، وترك العمل الواجب في ذلك الوقت أو سوء الظن بالله -عز وجل-، أو التخلف عن رفقة الصالحين الذين ساروا في الأرض؛ ليصلحوا ما وقع فيها من ظلم وجور، وعلى رأسهم أنبياء الله -تعالى- الذين أصلح الله -تعالى- بهم الأرض.
وهذا أمر لابد أن يعلمه المسلم؛ لينتفع بفترات انتشار الظلم والظلام في نفسه، ولطائفته المؤمنة كذلك.
وإن مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: ما أعده الله -تعالى- للكافرين والظالمين من عذاب في الدنيا من: ضنك وشقاء، وألم وحسرة؛ قال الله -تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، وقال -تعالى-: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: ما أعده الله -تعالى- للكافرين والظالمين من حساب في الآخرة، وما ينتظرهم يوم القيامة من عذاب أليم، قال الله -تعالى-: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[المطففين: 34-36].
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: أن يتدبر كتاب الله -تعالى- فإن فيه الشفاء؛ قال الله -تعالى-: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء: 82]، فيشهد ما فيه من أخبار هلاك الظالمين، قال -تعالى-: {فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].
وكذلك مما يداوي قلب المؤمن ويشفي صدره: أن يشهد أسماء الله -تعالى- وصفاته، وأن يتعبد لله -عز وجل- بمقتضاها، فيشهد إهلاك الله -تعالى- للظالمين بيقين قلبه قبل أن يرى بعينه؛ فيدعو الله -تعالى- بها، كما علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «اللَّهُمَّ مُنَزِّلَ الْكِتَابِ، مُجْرِيَ السَّحَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، هَازِمَ الأَحْزَابِ...»[متفق عليه]، فيشفي الله -تعالى- بذلك ما في الصدور ما لا يعلمه إلا الله، فيشهد عدله وسرعة حسابه.
وإن شهود عدل الله -عز وجل- وسرعة حسابه؛ لهو من أعظم الأمور التي تجعل العبد -وإن كان مظلومًا في أشد درجات الظلم وهو يرى أهله وإخوانه والمسلمين من حوله يتعرضون لأنواع الظلم- يرى أن الله -تعالى- لا يظلم الناس شيئًا، وأنه سريع الحساب، وأنه -عز وجل- هو العليم الحكيم.
فعند ذلك؛ ينزِلُ البَردُ على قلبه، ويحصل له من أنواع الخيرات ما يستمد بها طاقة يسير بها على الطريق، مع بقاء كراهيته للظلم والظالمين، ومع استمرار دعائه وتضرعه وانكساره لله -عز وجل-.
وقد يملي الله -عز وجل- للظالمين ويؤخرهم فترة -مدة من الزمن- حتى يظنَّ أكثر الناس أنهم لن يُعاقبوا، مع أن الله -تعالى- سريعُ الحساب، فكيف ذلك وقد تمر على الناس قرون يزداد فيها الظلم والعدوان؟! هذا لنعلم أن الله -عز وجل- قد قسَّم الأخلاق والأعمال، والأحوال بين الناس قسمة عدل، وهو -عز وجل- حكم قسط، سريع الحساب.
عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] [رواه البخاري ومسلم].
ومن سرعة حسابه -عز وجل- بالظالمين:
ما يلقيه الله في قلوبهم من الرعب، والقلق والاضطراب والخوف وعدم السكون؛ جزاء لهم على ظلمهم، وهذا لا يراه كثير من الناس! وإنما يعلمه المؤمنون من أحوال الظالمين، كما أنهم يرون قطرة منه إذا عرَّضوا أنفسهم للظلم، فيجدون انقباضًا وضيقـًا في الصدور، ويجدون ألمًا وهمًا وغمًا وكربًا بما قصروا في الواجب وبما ظلموا أنفسهم فضلاً عن أن يظلموا غيرهم، ويعرفون ذلك بهذه القرينة، وبمقارنة حال الظالمين الأشد ظلمًا كيف أن الله -عز وجل- يجمع على الظالمين الآلام والشقاء والتعب!!
وهم وإن كانوا يملكون الدنيا بمالها، وسلطانها، وشهواتها المختلفة ويملكون الأمر والنهي، ويظنون أن الأمور بأيديهم، فمع ذلك تجد في قلوبهم فزعًا عجيبًا، واضطرابًا وقلقـًا شديدًا، كما قال -تعالى-: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151]، وكما قال الله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82].
ويبقى على الكافر والظالم من الألم ما لا تذهبه حلاوة الشهوات، ولا لذاتها، التي هي من جنس اللذة التي يجدها الخنزيرُ في أكل الروث! والتي هي من جنس حَكَّة الجربان إذا حك جلده ومزقه؛ ليحصل على شيء من اللذة أثناء الحك، وهو يؤذي نفسه ويدميها ويضرها أعظم الضرر! ولا يجد شيئًا يسكِّن الألم والمرارة والضيق الذي يجده في صدره -وإن كان يضحك كثيرًا فإنه يضحك وقلبه يتمزق- فأكثر الناس مغرورون بالشهوات غارقون في بحارها، وهم في سكرتهم يعمهون، وهم لا يدرون أنهم يزدادون ألمًا فوق ألم، كما قال الله -تعالى-: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
ومن سرعة حسابه -عز وجل- لعبده المؤمن:
أنه إذا ظـُلم وتعبد لله -عز وجل- بالعبوديات الواجبة -حال تعرضه للظلم- يجد من الأمن والطمأنينة والسكينة، والهدوء والراحة والسعادة ما لا يجده غيره، حتى ولو كان في أشد لحظات البأساء والألم.
ولكن ألمه قد زال بالصبر واليقين، واستحضار معية الله -عز وجل- للصابرين كما قال الله -تعالى-: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 249]، فهذه المعية التي تجعل المؤمن في حال آخر، في حلاوة تذوب معها مرارة الألم، فلو أذن للمؤمن -حينئذ- أن يتمنى مزيدًا من البلاء لفعل، لكنه يسأل الله العافية، فإنه يجد اطمئنانـًا وسكينة، قال الله -تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
فهذه الحلاوة تذهب مرارة الألم؛ فمرُّكُم أيها المؤمنون معه عسلٌ تـُذْهِبُ مرارتَه، وأما مرُّهم فلا حلاوة معه، بل تبقى معه المرارة دائمًا.
فرجاء الله -عز وجل- يبدد ظلمات اليأس، والله -عز وجل- يجعل في قلب عبده المؤمن من محبته وتعظيمه واستحضار معيته، ورجاء فضله ويقينه بوعده وثقته بما أعده الله -تعالى- له في الدنيا والآخرة ما يذهب معه كل مرارة وألم، ويستعذب في سبيل الله كل ما يصيبه ويرى أنه -بفضل الله- في أحسن حال.
كما كانت أيام إبراهيم -عليه السلام- عندما ألقي في النار خير أيامه، قال -تعالى-: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}[إبراهيم: 69]، وأعلى الله -تعالى- بذلك منزلته، وأظهر الله -تعالى- فضله بتلك المحنة، وجعله إمامًا للناس، قال الله -تعالى-: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120].
وكذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حين اجتمعَ المشركون على قتله في يوم الهجرة، قال الله -تعالى-: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[الأنفال: 30]، ولكن مع صبره واحتسابه -صلى الله عليه وسلم- أنزل الله -تعالى- عليه السكينة والطمأنينة، قال -تعالى-: {إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وكذا يوم بدر لما أراد المشركون إهلاك هذه العصابة المؤمنة أنزل الله -تعالى- عليه -صلى الله عليه وسلم- السكينةَ والرحمة والنصرَ، قال الله -تعالى-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 9-12]، وروى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ»، فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: "يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ... ".
وكذا يوم أحد، يوم قتل سبعون من أصحابه -صلى الله عليه وسلم- وكسرت رباعيتُهُ -صلى الله عليه وسلم-، وهشمت البيضة على رأسه -صلى الله عليه وسلم-، وسال الدم على وجهه -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه صبر واحتسب؛ فكان النصرُ في الدنيا والثوابُ في الآخرة، قال الله -تعالى-: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146-148].
وكذا يوم الأحزاب، حين اجتمع الأحزاب لاستئصال دعوته -صلى الله عليه وسلم-، فصبرَ وثبتَ واحتسبَ -صلى الله عليه وسلم-؛ فجعله الله -تعالى- قدوة وأسوة للعالمين، قال الله -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا . وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 21-22].
فبهذه المواقفِ وغيرِها أظهر الله -تعالى- قدرَ رسولهِ -صلى الله عليه وسلم-، وأعلى شأنهُ وجعله إمامًا للمرسلين، وجعله خيْرَ خلقِ الله أجمعين.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه يجعل الكافرين والمنافقين والظالمين يعذبون بلذاتهم، قال الله -تعالى-: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55]، فالأموال والأولادُ من أسبابِ السعادةِ للإنسانِ، ولكن يجعلها الله -تعالى- سببًا لعذاب الظالمين: فأما الأموالُ؛ فيعذبون بها في الدنيا وعند الموتِ، وفي القبرِ وفي القيامة.
ففي الدنيا: من يجمع المالَ من حرامٍ فإنه يشقى به؛ يشقى بطلبهِ، ثم بعد ذلك يشقى بحبسهِ والحرص عليه، والقلقِ على نفاده -فالبخلٌ داءٌ يجعل الإنسان شقيًا في حياته متألمًا في جميع لحظاته-، ويشقى بإنفاقِ ما ينفق بلا سماحةٍ، ولا رضا، ولا رغبةٍ فيما عند الله -عز وجل-، ويتألم في المصائبِ التي تصيبه حين يفقد ما يتمنى تحقيقَهُ؛ فيزداد ألمًا بعد ألم.
حتى إذا جاء الموتُ كان ذلك أعظمَ الألم الذي يلقاه في دنياه، ويشتد عليه عندما يعاين السكرات، فهذه شدة عظيمةٌ إلا أنها لا تزال بدايةَ الشدائد.
فإذا مات كان كنزه وماله ضجيعًا له في قبره كثعبانٍ يلدغهُ ويقضم يده، يلتف حول رقبته، ولا يجد منه مهربًا، ويقول له في القيامة: "أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ"، ثم يطوقه الشجاعُ الأسود ذو الزبيبتين -النقطتين-.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] [رواه البخاري].
فإذا جاءت القيامة: فإنهم يعذبون بما اكتنزوه من أموالهم ولم يؤدوا حقها، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[رواه مسلم].
وأما الأولادُ؛ فإنهم يعذبون بهم في الدنيا وفي القيامة:
في الدنيا: بمنازعتهم لهم دائمًا، وبمخالفتهم إياهم، فيحرمون برَّهم، وبشقائهم بهم عند فقدهم، حتى ربما تهلكُ نفسُ أحدِهم بسبب ابنه إذا فقِد، أو مَرِضَ أو أصابه ما أصابه، فيعذَّب به، ثم بعد ذلك بالفراق الذي لا التقاء بعده إلا في النار، والذي يزيد الشقاء شقاءً.
وفي القيامة: يفر أحدُهم من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، قال الله -تعالى-: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ . وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج: 11-14]، فعندما يَصلَى النارَ يعرف الألم والعذابَ بالأولاد والأموالِ -نعوذ بالله من ذلك-.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه يحيي المؤمنَ الحياة الطيبةَ: فالله -عز وجل- يعدُّ للمؤمنين من الخيرات ما تطمئن به نفوسهم ما يدركون به مآلهم عند الله -تعالى-؛ قال الله -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، فالمؤمن يسعدُ بالمالِ والولدِ في الدنيا والآخرة.
فأما سعادتُه بالمال:
ففي الدنيا: عندما يعمل ويكتسب الرزقَ الحلال فإنه يحتسب ذلك لله -عز وجل-، وعندما ينفق على نفسه وأهله وعياله؛ فإنه يحتسبه عند الله -تعالى-، فيجد في ذلك من السعادة والراحة أضعافـًا مضاعفة، فإن سعادة المعطي بالعطاء أعظمُ من سعادةِ الآخذ بالأخذ -سعادة الآخذ إن لم تكن ضرورة فهي عذاب على صاحبها-.
وفي الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَي فُلُ هَلُمَّ» [رواه البخاري]. أَي فُلُ: يعني يا فلان، هَلُمَّ: يعني تعال.
وأما سعادته بالولد:
ففي الدنيا: هم قرةُ العينِ كما قال الله -تعالى- عنهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].
فقرةُ العينِ بالأهل والذريةِ إنما بكونهم على طاعة الله -عز وجل-، وبكونهم على طريق العبودية لله -عز وجل-.
وبعد موته: يدعو له كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[رواه مسلم].
وفي الآخرة: يشفع له إن مات صغيرًا؛ فعن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة -رضي الله عنه-: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ "نَعَمْ"، «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ -أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ- فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ -أَوْ قَالَ بِيَدِهِ- كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا فَلاَ يَتَنَاهَى -أَوْ قَالَ فَلاَ يَنْتَهِي- حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ»[رواه مسلم] -دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ: أي صغار أهلها، وأصل الدعاميص: جمع دعموص وهو دويبة صغيرة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في لجة لا يفارقها. صَنِفَة الثوب: أي طرفه-.
وإن مات كبيرًا؛ فقد قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21]، قال ابن كثير -رحمه الله-: "يخبر -تعالى- عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك؛ ولهذا قال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}... هذا فضله -تعالى- على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ فَيَقُولُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ»[رواه أحمد، وحسنه الألباني]" اهـ بتصرف يسير. ثم عمل الولد الصالح من كسب أبيه وحسناته.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
ما يقدِّره على الكافرين والظالمين وأهل العدوان من: مصائبَ تصيبهم عاجلاً بلا تخفيف لآلامهم، ولا رجاءٍ لثواب الله -عز وجل-؛ ولذا تجدهم يجزعون أشدَّ الجزعِ، ويخافون أشدَّ الخوف؛ فالله -سبحانه- يبتلي عباده جميعًا بالمصائب، وهو -عز وجل- قدَّر وجود الشقاء على كل من على ظهر الأرض كما قال لآدم: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117]، فلا يزال -سبحانه- يبتلي عباده بأعظم المحن، فأما الكفرة والظلمة فلا يخفف عنهم من تلك المصائب، بل مصيبة واحدة تكاد تذهب نفوسهم بالكلية، وتتضاعف آلامها، ولا يجدون أبدًا سكينة ولا طمأنينة، وأما المؤمنون بصبرهم واحتسابهم يتحول البلاء إلى نعمة، وسعادة وسكينة وطمأنينة.
وتأمل في حالهم عند خروج أرواحهم وهي من أعظم مصائبهم فإنهم ينازعون أعظمَ النزع، وتضرب الملائكةُ وجوههم وأدبارَهم، كما قال الله -تعالى-: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50].
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
لعبادِه المؤمنين أنهم عندما تصيبهم المصائبُ يصبرون ويسترجعون؛ فتتنزل عليهم الرحمةُ والهداية، قال الله -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157]، فنعم العَدْلانِ ونِعمَت العلاوةُ.
قال ابن كثير -رحمه الله-:"وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. ولهذا أخبر -تعالى- عما أعطاهم على ذلك فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.
قال سعيد بن جبير: أي أَمَنَةٌ من العذاب {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدْلان ونعمت العلاوة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}فهذان العدلان، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، وكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا".
فالعَدلانِ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}، ماذا لو تخيلت أن الصالحين يُثنون عليك في مجالسهم؟ وكيف لو كان الأنبياء يُثنون عليك؟! وكيف لو كانت الملائكة المقربون يثنون عليك عند الله -عز وجل-؟ وكيف بصلوات الربِّ -عز وجل-؟! أبعد ذلك تكره المصائب أن تقع عليك؟!
أنت تتألم منها لكن ترى بالصبر آثار فضل الله عليك، فإن من أثنى الله -عز وجل- عليه، وصلى عليه في الملأ الأعلى، ثم أعطاه رحمةً، فلابد أن يجد أثرها في الدنيا قبل الآخرة.
فربُّ العالمين يثني على الصابرين الذين شهدوا أنهم ملكٌ لله -عز وجل- {إِنَّا لِلَّهِ}، والذين حققوا الإيمان باليوم الآخر {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وذلك مما يخفف عنهم ألم المصائب.
فسرعان ما تمر الدنيا كلها بلذاتها وآلامها، فكم من أناسٍ قَبلَنا قد تألموا أضعافـًا مضاعفة ومات المتألم ومات من يؤلمه، ولم يبقَ إلا خبرٌ، ثم بعد ذلك يزول الخبرُ ولا يبقى إلا الحسابُ عند سريع الحساب -عز وجل-، زالت لذاتُ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، وزال ألمُ المؤمنين والمؤمنات، وبقيت تبعةُ الفتنة التي فتن بها الكفرةُ والظلمة عبادَ الله المؤمنين؛ فالله -عز وجل- قال عن المؤمنين: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}، فهذان عدلان.
وأما العلاوةُ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، فهذا فضل الله -عز وجل- على الصابرين، مع زوال الألم في الدنيا، وعند لقائه -عز وجل-.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
بالظالمين الذين ظلموا وأشركوا، وأفسدوا في الأرض أن يضعَ لهم البغضاء في الأرض، وأن ينزع من قلوبهم الرحمةَ، وأن يجعل قلوبَهم قاسية، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِى فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ»[رواه مسلم]، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا»[رواه مسلم].
أتظنون أن قاسيَ القلب الذي يعذب الناسَ ويظلمهم يؤلم الناسَ أكثر مما يتألم هو؟!
لا والله. بل إن ألمه أشدُّ، يكفي أن السماء تبغضه، وأهل السماء يبغضونه والأرض تبغضه، وأهلَ الأرض يبغضونه، ومن حوله من أهل الأرض جميعًا يلعنونه، والدواب تلعنه، حتى النملة في جحرها تلعنه، والجعلان، وما تبكي عليه السموات والأرض حين موته، كما قال الله -تعالى-: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]، بل نفوسهم تبغضهم، كما قال الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}[غافر: 10].
تأمل في {إِذْ}؛ أي: حين، فإنما أبغضتهم أنفسهم من حين دُعوا إلى الإيمان فكفروا (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ) ليس فقط تبغضهم نفوسُهم في الآخرة حين يرون العذابَ، وحين يرون ما قدموا لأنفسهم من هلاكٍ أبديّ، وعذاب سرمدي، إنما تبغضهم أنفسُهم حين دُعوا إلى الإيمان فكفروا، ومقتُ الله -عز وجل- أشد من ذلك، وإن كان الناس قد لا يعرفون ما سبب هذه البغضاءِ، وما سبب هذه القسوة.
ولكن إذا أردتَ أن تعلم أن قسوة القلب عقوبةٌ للعبد يتألم بها أكثرَ من ألم المُعذَّب المُتألم؛ فتدبر قول الله -تعالى- عن اليهود الملاعين: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ} [المائدة: 13]، فالله -عز وجل- بيَّن أنه لعنهم؛ أي: أبعدهم، والبعدُ عن الله -عز وجل- سببُ كل ألم، وسببٌ كل شقاءٍ وتعاسةٍ.
فإذا تعجبت كيف تصل القلوبُ إلى هذه الدرجة من القسوة؟! فاعلم أن ذلك بسبب؛ لعن الله -تعالى-، وبغضه ومقته -تعالى- لهذا العبد، وإلا فالراحمون يرحمهم الرحمن، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني].
ولو قدِّر لك أن ترى حياة الظالمين من داخلها وممن يعاملونهم من المقربين منهم من: خدامهم وأعوانهم، وجنودهم؛ لرأيت عجبًا من الشقاءِ المحيط بهم من كل جانب، ولو رأيتهم مع أهليهم وأولادهم وأزواجهم؛ لوجدتَّ من ذلك عجبًا؛ ولذا تجدهم يحاولون الهروب دائمًا بالمسكراتِ، والمخدراتِ والخمر، وأنواع اللذات التي يريدون أن يغيبوا بها عن الوعي؛ لكي لا يدركوا قدرَ الألم الذي هم فيه؛ بسبب بغض الله -عز وجل- لهم، وهذا من سرعة حسابه -عز وجل-.
ومن سرعة حسابه -سبحانه وتعالى-:
للمؤمنين ما يقبضونه من الثمن العاجل -فضلاً عن الآجل- من الحبِّ الذي يجدونه ممن حولهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا، فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ»[متفق عليه]، فتجده يشعر بالأنس بينه وبين الأرض، وبينه وبين السماء، وبينه وبين الكائنات المختلفة.
ما ظنك بعبدٍ يعلم أن الملائكة تستغفر له، وأن حملةّ العرشِ مع تسبيحهم يدعون له ويستغفرون له؟! قال الله -تعالى-: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7-9].
فانظر وتأمل في حال المؤمن: كم يجد من أثر استغفار الملائكة، ومن أثر دعائهم، وكم يجد أُلفـًا وسكينة بينه وبين كل الكائنات، حتى الجمادات؟! قال الله -تعالى-: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
فهو يستشعر أن الله -عز وجل- يسبح له من في السموات ومن في الأرض، وأن الله -عز وجل- هو العزيزُ الحكيم؛ فعند ذلك يشعر بأنه ليس غريبًا في هذا الكون، بل مع كونٍ أليفٍ حبيب إليه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»[رواه الترمذي، وصححه الألباني].
وأعظمُ من ذلك أنه يعلم ما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل-: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»[رواه البخاري].
فهو يشعر أن الله -عز وجل- يكره مساءتَه، ويعلم ذلك ويوقن به؛ لأن المؤمن يكره الموتَ، فكيف بكراهية المؤمن لأشياء أشدَّ من الموت: كالفتنة في الدين، ومخالفة ربِّ العالمين، وظلم الظالمين؟! فالله -عز وجل- يكره هذا أعظم كراهية، ويكره أن يسوءَ المؤمن.
ولولا أن الله -عز وجل- جعل في هذه المساءات من الخيرات ما فيها لما قدَّرها -عز وجل-.
ولولا أن الله -عز وجل- جعلَ من سعادة المؤمنين ما يصيبهم من المساءات المكروهة؛ لعصمهم الله -تعالى- من كل ما يسوؤهم.
ولولا أن المؤمنَ لا يَقْدُمُ على الله -تعالى- إلا بالموت؛ لما قبضه الله -عز وجل-، لكنه يحبه -عز وجل- فيدنيه ويقربه ويعدُّ له من أنواعِ الخيرات ما لا يعلمه إلا هو -عز وجل-؛ لأجل ذلك لابد له من الموت.
فضلاً عما ينال المؤمن من إجابة لدعائه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول هذا الحديث: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ»[رواه البخاري]، وكلُّ واحدةٍ من هذه تدل على سرعة حسابه -عز وجل-، فالله -عز وجل- يعطي المؤمنين عاجلاً، فضلاً عما يدخره آجلاً.
ويكفي من ذلك معيته -عز وجل-، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل-: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِى بِهَا»، فهذه معيةُ الحبِّ والتقريب والتكريم؛ حتى يوفقَ العبد في سمعه وبصره، ويده ورجله ما لا يقدر عليه غيره من الناس، فيوفقه الله -تعالى- لاستعمال هذه الجوارحِ في عبوديته، والتي تجلب له كلَّ أنواع السعادة، وبها يزول كل شقاء وألم.
ومن سرعة حسابه -عز وجل-:
أنه إذا أخذ الظالمين لم يفلتهم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود: 102] [رواه البخاري ومسلم].
تأمل كيف أهلك الله قومَ نوحٍ -عليه السلام- في أيام معدودات..!! بعد تسعمائة وخمسين عامًا من الطغيان والجبروت والعدوان على المؤمنين، والاستهزاء بنبي الله نوح -عليه السلام-؛ إذا بالتنور يفور، وإذا بالسماء تمطر، وإذا بالأرض تفور بالماء، وإذا بالموج يكون كالجبال، وإذا بالكفرة الظلمة ينتهون في لحظات، وإن كانت هذه اللحظاتُ تَبقى آلامًا مستمرة عليهم أبد الآبدين كما قال الله -تعالى-: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا}[نوح: 25]، وقال الله -تعالى-: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11-12]، ثم بعد ذلك: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44].
سبحان الله! بقي نوح -عليه السلام- يدعو إلى الله -تعالى- ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، وهم يصدون عن سبيل الله -عز وجل-، ويكفرون به طوال هذه المدة، ثم في أيام معدودة تغيَّر الأمرُ.
وتأمل كيف أهلكَ الله -تعالى- قوم ثمود بصيحةٍ واحدةٍ.. ! بعد طول مُلكٍ، وسلطانٍ، بعد ما كانوا ينحتون من الجبال قصورًا، ويبنون في الأودية والسهول، ولكن في لحظة ينتهي كل شيء، قال الله -تعالى-: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[فصلت: 17].
وتأمل فيما أصاب قوم عاد.. وكيف سلَّط الله -عز وجل- عليهم الريح الباردة في سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا، قال الله -تعالى-: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 6-8].
وتأمل فيما أصاب قوم لوط.. في صبيحةِ يوم عذابِهم أخذتهم الصيحةُ، وجعلَ الله -تعالى- عاليها سافلَها، كما قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ}؛ أي: مُعَدَّةٌ، وما زالت موجودة {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82-83].
سبحانَ الله وبحمده، إذا نفذ الأمرُ، قال -تعالى-: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 50-51].
وتأمل المدة التي ظلمَ فيها فرعون وتجبَّر، وقتلَ من قتل من الرجال، والنساء، والأطفال، وبقي الفراعنةُ ينحتون انتصاراتهم على المخالفين لهم على جدران معابدهم الزائفة، وما زالت تشهدُ على ظلمهم وجورهم، وتقطيعهم للأعضاء وتمزيقهم للأجسام، وظلَّ فرعونُ يظلم ويتجبر على لحظاته الأخيرة، حتى قبل الوفاة يقول كما حكى الله -عز وجل- عنه: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 54-56].
ويدخلُ البحرَ بغروره وطغيانه، وفي لحظة تأتي سرعة الحساب من سريع الحساب -عز وجل-: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 90-92].
فلنوقن إذن أن الله -تعالى- سريعُ الحساب يغيِّر موازين الأرض في لحظات، ويمكِّن لعباده المؤمنين، ويفتح لهم من أنواع الخير ما يثبِّت به أفئدتهم، وما يقوي قلوبهم؛ فلا نستعجل: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37].
قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)....... اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا علي عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي ربي اغفر فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
الاثنين، 12 أبريل 2010
الأحد، 11 أبريل 2010
منطق الاستكبار والاستعلاء عند النصارى
منطق الاستكبار والاستعلاء عند النصارى
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : مجدي داود - موقع صيد الفوائد
بسم الله الرحمن الرحيم
نصارى مصر منذ فترة ليست بالقصيرة يكثرون من الحديث عن الفتنة الطائفية والمواطنة المفقودة واضطهاد الأقباط والتضييق عليهم، يتحدثون عن محاولة عزلهم عن المجتمع المصري، والتفريق بين المصريين على أساس الدين، يتحدثون في الإعلام المرئى والمقروء، يقلبون الحقائق، يشوهون الصورة، يفسرون كل حدث على أنه فتنة وعلى أنه كان بتحريض، وبهذا يستفزون المسلمين الذين يعلمون كذبهم، ويملؤون قلوب عوام النصارى غلا وحقدا وكرها للإسلام والمسلمين.
يؤازرهم في ذلك ثلة من مدعي الثقافة والفكر والحضارة والمدنية وهم أبعد ما يكونون ذلك، يخرجون على الفضائيات يصرخون ويبكون ويحلفون بالمواطنة والدولة المدنية والأخوة الوطنية، همهم في ذلك الهجوم على الإسلام والمسلمين والنيل من عقائد المسلمين وإهانة العلماء والفقهاء والأئمة، وتصويرهم بأبشع الصور، في المقابل نرى ونسمع عبارات وألفاظ التعظيم والتبجيل والاحترام للقساوسة وللبابوات فيزيدون الطين بلة، ويزيدون الحقد والغل والكره نفوس عوام النصارى، ومن الناحية الأخرى يؤكدون شعور المسلمين بأنهم مهانون في بلدهم، كرامتهم مسلوبة، دينهم ونبيهم وعلماؤهم يسبون دون جرم ودون ذنب.
يهاجم الإسلام في الكنيسة، وتعرض المسرحيات المسيئة لديننا الحنيف ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يحق للمسلمين أن يغضبوا، وإذا غضبوا يصرخون بأعلى صوت... هذه فتنة... وهذا تحريض، ويصرخون أين وصية نبيكم ؟! ألم يوصيكم في أهل الذمة خيرا ؟!، ياللعجب ! يسبونه وبعد لحظات يستغيثون بكلامه.
يخرج القساوسة ويتحدثون عن المحبة والاحترام والسلام عندما يهينون الإسلام ويهاجمونه، ولكن كل هذه الكلمات البراقة والشعارات الجميلة تختفي تماما وتحذف من المعاجم عندما يقابل هجومهم برد علمي عقلي منطقي، لا يتحرك ساكنا عندما يقوم سفهاؤهم بالسب والإهانة، ولكن تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يصدر الدكتور محمد عمارة تقريرا علميا وبحثا أكاديميا رائعا يعجز بابواتهم عن الرد عليه.
يخرج كبيرهم ليقول أنه لن يتوقف الهجوم على الإسلام لأن المسلمين يهاجمون المسيحية، وهو يدرك أن لا مجال للمقارنة بين ما يفعله كبار المتخصصين في النصرانية المحرفة، من كذب وتدليس وافتراء وتفسير للنصوص لا تحتمله، وإلقاء الافتراءات جذافا دون دليل أو قرينة، وبين ما يقوم به قلة قليلة من شباب المسلمين من رد على الشبهات بالدليل، وتبيان حقيقة الأكاذيب، ثم يعمدون إلى كتاب القوم، فما من فرية افتراها القوم علينا إلا هي أصل من أصول دينهم المحرف، وجزء أساسى من كتابهم لا يستطيعون إنكاره وإلا ظهر فساد عقيدتهم.
لا يسمح لنصرانية قط باعتناق الإسلام، ومن تفعل تساق قهرا وظلما إلى الكنيسة، وترغم على العودة إلى النصرانية، وإلا فالحبس في الكنيسة، وتقف الدولة عاجزة لا تحرك ساكنا، من يتحدث من المسلمين يخرجون له الفزاعة الموجودة دائما وهي أنه داعية فتنة وإرهابي ومتطرف ومتعصب، لكن عندما تتنصر مسلمة، تقام الأفراح والاحتفالات كأن القوم قد انتصروا في معركة الحياة أو كأن يسوعهم المسكين قد نزل من السماء.
ليس غريبا ولا مستهجنا ولا تحريضا على الفتنة عند القوم أن يقوم أحدهم باغتصاب فتاة مسلمة وتصويرها ونشر صورها، لكن الغريب والمستهجن والمدان والذى يجب أن يصد أن يحاول أهل الفتاة أخذ حقها، ويطالبون بمعاقبة ذلك المجرم.
لكن لماذا يفعل النصارى هكذا ؟! لماذا يحاولون دائما استفزاز المسلمين ؟! ألا يدركون أن غالبية المصريين مسلمين ؟! أم أنهم صدقوا كذبتهم أنهم يمثلون ربع الشعب المصري ؟!
إن النصارى خلال كل هذه الأحداث وطيلة هذه الفترة الماضية، يتحدثون بمنطق الاستعلاء والاستكبار، يتحدثون ويفعلون ما يفعلون بمنطق أنهم الأقوى وأنهم ليسوا مثلنا، يفعلون ما يشاؤون لا أحد يحاسبهم ولا أحد يعاقبهم ولا أحد يرد عليهم، يتحدثون ويفعلون ما يفعلون باعتبار أنهم أصحاب البلاد الأصليين، وأن مصر في النهاية ستعود نصرانية كما كانت كما عادت الأندلس من قبل، نعم هكذا يتكلم القساوسة وهكذا يقولون للنصارى في الكنيسة.
والنصارى يستندون في هذا إلى قوة غريبة وهذه القوة هي الدعم الخارجي السياسي والمادي، فبه يستقوون، وإليه عند اشتعال الأحداث يهرعون وعلى بابه يتباكون، فيحصلون على الوعود بإيجاد الحلول، فيكثرون من المطالب التي لا يحق لهم أن يطالبوا بها.
إن هذا الطريقة التي يتعامل بها النصارى مع المسلمين هي السبب المباشر في أحداث نجع حمادى الأخيرة، ومع أننا لا نقر بما قام به هؤلاء الشبان الثلاثة لأنه ليس من ديننا أن يعاقب شخص على جرم غيره، إلا هذه هي النتيجة الطبيعية لعدم مراعاة النصارى لشعور المسلمين واستفزازهم طيلة الوقت.
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : مجدي داود - موقع صيد الفوائد
بسم الله الرحمن الرحيم
نصارى مصر منذ فترة ليست بالقصيرة يكثرون من الحديث عن الفتنة الطائفية والمواطنة المفقودة واضطهاد الأقباط والتضييق عليهم، يتحدثون عن محاولة عزلهم عن المجتمع المصري، والتفريق بين المصريين على أساس الدين، يتحدثون في الإعلام المرئى والمقروء، يقلبون الحقائق، يشوهون الصورة، يفسرون كل حدث على أنه فتنة وعلى أنه كان بتحريض، وبهذا يستفزون المسلمين الذين يعلمون كذبهم، ويملؤون قلوب عوام النصارى غلا وحقدا وكرها للإسلام والمسلمين.
يؤازرهم في ذلك ثلة من مدعي الثقافة والفكر والحضارة والمدنية وهم أبعد ما يكونون ذلك، يخرجون على الفضائيات يصرخون ويبكون ويحلفون بالمواطنة والدولة المدنية والأخوة الوطنية، همهم في ذلك الهجوم على الإسلام والمسلمين والنيل من عقائد المسلمين وإهانة العلماء والفقهاء والأئمة، وتصويرهم بأبشع الصور، في المقابل نرى ونسمع عبارات وألفاظ التعظيم والتبجيل والاحترام للقساوسة وللبابوات فيزيدون الطين بلة، ويزيدون الحقد والغل والكره نفوس عوام النصارى، ومن الناحية الأخرى يؤكدون شعور المسلمين بأنهم مهانون في بلدهم، كرامتهم مسلوبة، دينهم ونبيهم وعلماؤهم يسبون دون جرم ودون ذنب.
يهاجم الإسلام في الكنيسة، وتعرض المسرحيات المسيئة لديننا الحنيف ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يحق للمسلمين أن يغضبوا، وإذا غضبوا يصرخون بأعلى صوت... هذه فتنة... وهذا تحريض، ويصرخون أين وصية نبيكم ؟! ألم يوصيكم في أهل الذمة خيرا ؟!، ياللعجب ! يسبونه وبعد لحظات يستغيثون بكلامه.
يخرج القساوسة ويتحدثون عن المحبة والاحترام والسلام عندما يهينون الإسلام ويهاجمونه، ولكن كل هذه الكلمات البراقة والشعارات الجميلة تختفي تماما وتحذف من المعاجم عندما يقابل هجومهم برد علمي عقلي منطقي، لا يتحرك ساكنا عندما يقوم سفهاؤهم بالسب والإهانة، ولكن تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يصدر الدكتور محمد عمارة تقريرا علميا وبحثا أكاديميا رائعا يعجز بابواتهم عن الرد عليه.
يخرج كبيرهم ليقول أنه لن يتوقف الهجوم على الإسلام لأن المسلمين يهاجمون المسيحية، وهو يدرك أن لا مجال للمقارنة بين ما يفعله كبار المتخصصين في النصرانية المحرفة، من كذب وتدليس وافتراء وتفسير للنصوص لا تحتمله، وإلقاء الافتراءات جذافا دون دليل أو قرينة، وبين ما يقوم به قلة قليلة من شباب المسلمين من رد على الشبهات بالدليل، وتبيان حقيقة الأكاذيب، ثم يعمدون إلى كتاب القوم، فما من فرية افتراها القوم علينا إلا هي أصل من أصول دينهم المحرف، وجزء أساسى من كتابهم لا يستطيعون إنكاره وإلا ظهر فساد عقيدتهم.
لا يسمح لنصرانية قط باعتناق الإسلام، ومن تفعل تساق قهرا وظلما إلى الكنيسة، وترغم على العودة إلى النصرانية، وإلا فالحبس في الكنيسة، وتقف الدولة عاجزة لا تحرك ساكنا، من يتحدث من المسلمين يخرجون له الفزاعة الموجودة دائما وهي أنه داعية فتنة وإرهابي ومتطرف ومتعصب، لكن عندما تتنصر مسلمة، تقام الأفراح والاحتفالات كأن القوم قد انتصروا في معركة الحياة أو كأن يسوعهم المسكين قد نزل من السماء.
ليس غريبا ولا مستهجنا ولا تحريضا على الفتنة عند القوم أن يقوم أحدهم باغتصاب فتاة مسلمة وتصويرها ونشر صورها، لكن الغريب والمستهجن والمدان والذى يجب أن يصد أن يحاول أهل الفتاة أخذ حقها، ويطالبون بمعاقبة ذلك المجرم.
لكن لماذا يفعل النصارى هكذا ؟! لماذا يحاولون دائما استفزاز المسلمين ؟! ألا يدركون أن غالبية المصريين مسلمين ؟! أم أنهم صدقوا كذبتهم أنهم يمثلون ربع الشعب المصري ؟!
إن النصارى خلال كل هذه الأحداث وطيلة هذه الفترة الماضية، يتحدثون بمنطق الاستعلاء والاستكبار، يتحدثون ويفعلون ما يفعلون بمنطق أنهم الأقوى وأنهم ليسوا مثلنا، يفعلون ما يشاؤون لا أحد يحاسبهم ولا أحد يعاقبهم ولا أحد يرد عليهم، يتحدثون ويفعلون ما يفعلون باعتبار أنهم أصحاب البلاد الأصليين، وأن مصر في النهاية ستعود نصرانية كما كانت كما عادت الأندلس من قبل، نعم هكذا يتكلم القساوسة وهكذا يقولون للنصارى في الكنيسة.
والنصارى يستندون في هذا إلى قوة غريبة وهذه القوة هي الدعم الخارجي السياسي والمادي، فبه يستقوون، وإليه عند اشتعال الأحداث يهرعون وعلى بابه يتباكون، فيحصلون على الوعود بإيجاد الحلول، فيكثرون من المطالب التي لا يحق لهم أن يطالبوا بها.
إن هذا الطريقة التي يتعامل بها النصارى مع المسلمين هي السبب المباشر في أحداث نجع حمادى الأخيرة، ومع أننا لا نقر بما قام به هؤلاء الشبان الثلاثة لأنه ليس من ديننا أن يعاقب شخص على جرم غيره، إلا هذه هي النتيجة الطبيعية لعدم مراعاة النصارى لشعور المسلمين واستفزازهم طيلة الوقت.
البعد الغيبي في توجهات السياسة الإيرانية
البعد الغيبي في توجهات السياسة الإيرانية
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : عمار المشهداني
هناكَ حقيقةٌ مسلَّم بها، وهي أنَّ نجاح الثَّوْرة الإيرانية عام 1979م كان بمثابة إيذانٍ صريح لبداية عهد جديد في حياة الأمة الإيرانية.
وربما رأى الإيرانيون وغيرُهم - منَ المخدُوعينَ عندنا بالشعارات والعناوين الكبيرة - أن الثورة في مضمونها انقلابٌ إسلاميٌّ خالص، أعادَ الإسلام إلى سدَّة الحكم، بعد عقودٍ من حكمٍ علْماني مستَبدٍّ وعميل، والذي كان على رأسه الشاه المخلوع، غير أنَّ الواقع - ومنذ اللحظة الأولى - لمْ يكن يوحِي بذلكَ أبدًا.
وإذا تجاوَزْنا الإطار السِّياسي والاقتِصادي، ومُعطيات الساحة الداخلية الإيرانية والخارجية؛ ببُعدَيها - الإقليمي والدولي - والتي كانت بمُجملها أسبابًا مُهَيَّأةً لجوِّ التغيير، وَوَلَجْنا إلى قلبِ الفكر الموجه والمحرِّض على الثورة - ستبدو الصورةُ أكثر وضوحًا واكتمالاً؛ لأنَّنا بطبيعة الحال سنكونُ أكثر قُربًا من تلك المرجعيَّة الشمُوليَّة (المؤدلجة)، ذات الإطارِ المذهبي الأُحادي الضَّيِّق، والمتمَثِّلة في شخصِ الخُميني، قائد الثورة وإمامها الملهَم!
هذا الرجلُ الذي هو عصارة الفكر ألصفوي الفارسي، والمجسد الأمثل لكلِّ التوجُّهات التي تَتَبَنَّى موقفًا سلبيًّا منَ التاريخ الإسلامي وشخوصهِ ورُموزهِ العظيمة؛ بحيث تختزله في إطار زماني مكاني مُحَدد ومتَّسق مع توجُّهاته وتوجُّهات أسلافه وأحلافه أيضًا.
وهو مَن يَتَبَنَّى أطروحات فلسفيَّة باطنية المنْحى، يُحاول مِن خلالها تبرير نَهْجه العَقَدي المخالف لثوابت العقيدة الإسلامية الصحيحة، وهو كذلك مَن ينْتهج نهْجًا فقهيًّا يختزل فيه جُهد المدارس الإسلامية في هذا المجال؛ ليصبَّه في قالب ضيِّق يطرَح العديد منَ التساؤُلات والشُّبَه حول حقيقته، ومدى صِدْق تمثيله واتِّساقه مع توجهات مدرسة أهل البيت - رضوان الله عنهم جميعًا - التي يدَّعي إتباعها، والسَّيْرَ على خُطَاها
ومَن يَطَّلع على بعض مؤلَّفاته التي كتبها، سيعرف - وبوضوح - منْحى عقيدة هذا الرجل، وأصول فِكره القديم الجديد، ومشارب عقله، الذي خامره الهوى، ولابَسَه الوَهْم، ومِن هذه الكتب: "الحكومة الإسلامية"، و"كشْف الأسرار"، الذي هو عصارة فكره، ومنتهى علْمِه، ومنهجه في إثبات عقائده، فيما يَتَعَلَّق بقضايا التوحيد، والإمامة، وولاية الفقيه، والموقف من تاريخ الأمة ورجالها العِظام.
ومنذُ الأيام الأولى للثورة، حاوَلَ القائمون عليها ترسيخ مبدأ الدعْم الإلهي لها، وعلى ضوء النجاح الذي حققتْه الثورة آنذاك، كانت الحساباتُ العامة والخاصة قائمة.
حسابات الداخل بكلِّ تناقُضاتهِ وتقلُّباته؛ سواء ما كان منها إرثًا عنْ حقبة الشاه، أو ما كان أبعدَ من ذلك زمانًا ومكانًا.
وحسابات الخارج - وما نتج عنها مِن تداعيات - رسمتْ بوُضُوحٍ مسارًا صريحًا لمرحلةٍ جديدة، كانت في بدايتها أكثر طيشًا وتهوُّرًا واستهزاء بالآخر الضد؛ ولكنها سرعان ما انكَفَأَتْ إلى الوراء قليلاً؛ بفعل عوامل داخلية وخارجية، وأُجْبِر معها القادة الجُدُد على تغيير قواعد اللعبة وأشكالها، مع أن المضمون ظلَّ دائمًا يُشيرُ إلى نقطة الصِّفر.
إنَّ السياسة الإيرانية الخارجية والداخلية، ظلَّت - وما زالت - تستظل في توجُّهاتها العامة والخاصة، بظلٍّ غيبي يرجِع في الأساس إلى منظومة عقدية مذهبية، تَتَجَاوَز في إطارها العام الخط العقدي والمذهبي المشترَك مع بقية المدارس الإسلامية، ومصداق ذلك واضحٌ من خلال اعتماد فلسفة حكم، تقوم على فكرة: أنَّ الإمامة والولاية تكون في زَمَن الإمام المهدي الغائب بيد الفقيه، وهو ما عُرف بمبدأ ولاية الفقيه، والذي أشارتْ له المادة الخامسة والأساسية من الدستور الإيراني صراحة، وألمحت إليه بعض موادِّه أيضًا، تقول هذه المادة: "في زمن غيبة الإمام المهدي - عجّل الله تعالى فَرَجه - تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه المتَّقي، البصير بأُمُور العصْر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير".
ويُبَرِّر الخميني هذا التوجه في كتابه "الحكومة الإسلامية"، بقوله: "قد مَرَّ على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تَمُرُّ ألوف السنين، قبل أن تقتضي المصلحة قدُوم الإمام المنتَظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقَى أحكام الإسلام معطَّلة، يعمل الناس في خلالها ما يشاءون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟!"، ومن هنا نجد أنَّ للفُقهاء - وفْق هذا المبدأ - سُلْطة روحية وتنفيذية مستمَدة من هذا الإطار الغيبي، الذي يتجاوز في غُلُوِّه أي حدٍّ، واسمع إلى الخميني ماذا يقول عن نفسِه وأقرانه منَ الفقهاء، ويُساويهم ونفسه بالأنبياء والملائكة: "إنَّ مِن ضروريات مذْهبنا: أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه مَلَك مقرَّب، ولا نبي مُرسَل، ولنا – أي: الفقهاء - حالات لا يَسَعها مَلَك مقرب، ولا نبي مرسل".
إنَّ هذا التصوُّر الخاص لنظام الحكم لَمْ يكن في نَظَرهم مجرَّد نظرية حكم، يُريدون تطبيقها وتسويقها في مُحيطهم الإقليمي والدولي - وهو ما أعلنوه صراحةً وما زالوا - بل هو في حقيقته معيارٌ حيٌّ، تقوم به الشعوب الأخرى، حتى الإسلامية منها، والعربية على وجْه الخصوص، والتي منَ المفروض أنْ تكون معها على نفْس الخط.
إنَّ هذا المعيار لا يعْكسُ حالة منَ الاعْتراف بوُجُود الاختلافات الطبيعيَّة بين الأُمَم والشعوب، بل ظلَّ دائمًا يُشيرُ إلى حالة منَ التعالي والنظرة الفوقية، ويشير بوضوح إلى شيوع منطق مركَّب في التعامُل مع الآخرين من المخالفين، وعلى اختلاف مسمياتهم وعناوينهم، وهو غير ذلك المعلن أو المدعَى، ولعل التجاذُبات الخطيرة والدامية، التي حصلت بين المملكة العربية السعودية وإيران، وعلى امتداد عهْد الخميني، حول قضية الحج والحجاج الإيرانيين، ومطالَبة الخميني صراحةً بنَزْع إشراف النظام في المملكة على الأماكن المقدَّسة - خير دليلٍ على توجُّهات هذا النِّظام، وطبيعة تعامُله ونظرته لمُحيطِه العربي الإسلامي.
هذه النظرة التي تتَّسم بالاستعلاء والفوقيَّة - كما ذكرنا - لم يستطعْ حتى الإصلاحيون - وعلى امتداد سنوات حكمهم الثماني - تجاوُزها، أو التخفيف من آثارها.
ومع نهاية عهدهم، ومجيء أحمدي نجاد - ربيب الثورة المدُلَّل - عادت الأمور في الكثيرِ من جوانبها إلى نقطة الصفر، ولتعودَ معها لغة الخطاب الثوري والحماسي المبشر بوعود نرجسية؛ استنادًا إلى تلك الفلسفة الغيبية، ذات الصبغة الإسلامية، التي تجعل من قضية المهدي ركيزةً أساسية للعمل الداخلي والخارجي، وتؤكِّد على تهيئة إيران تحديدًا؛ لتكون مستعدَّة لاستقبال إمامها الغائب، منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.
ولعل هذا ما حدا بنجاد كي يَتَطَرَّقَ إلى هذه المسألة علنًا، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 - 9 - 2005، وكذلك كلامه المتكَرِّر عن أنَّ بركات الإمام المهدي واضحة على إيران، ولعلَّ الأزمة المتواصِلة لبرنامجهم النووي بكلِّ تداعياتها، وكذلك ثورة التسليح العسكري المتوالية الفصول، كلها تسير في ذات النسَق، وكذلك محاولاتهم لاختراق المحيط الإقليمي العربي تحديدًا، وعبْر البوَّابة المذهبية، واستغلالها لإيجاد مناطق نفوذ تستخدمها كأوراق ضغط على الخصوم المفترضين، ولعل لبنان والعراق أمثلة واضحة على هذا التوجه، وللأخير حصة الأسد في ذلك، إلى الحد الذي أقنع معظمَ العراقيين بأنهم يرزحون تحت احتلا لين، لا يقل شرُّهما عن الآخر.
إنَّ التوجُّه الغيبي في السياسة الإيرانية لا يحمل في طيَّاته بُعده المذهبي فقط؛ بل يبقَى العامل الفارسي - بكل ما تعْنيه هذه الكلمة مِن أبعاد حضارية وتاريخية، يعيها الإيرانيون جيدًا - حاضرًا دومًا، وكيف لا، وهم يرَوْن أرضهم الفارسية موطن الحضارة القديمة، وأرض الإسلام الذي يمثلونه، وأرض المخلص، والإمام الغائب، الذي سيظهر كي يخلصَ العالَم كلَّهُ من الشر، ولينشر مذهبه في رُبُوع الأرض، ولينتقم من كلِّ أعدائه، وأعداء أجْدادِه، منذ فجْر الإسلام، وإلى يوم مبعثه الميمون؟!
ومهما يكنُ من أمرٍ، وبِغَضِّ النظَر عن مصداقية هذه الدعاوى التي يراها جُلُّ الإيرانيين - بشَكْلها هذا - مسلَّماتٍ لا تقبَل النِّقاش، مع أنها بالتأكيد لا تصمد أمام النقْد العلمي البنَّاء، وحجج العقل المتَّزِن، غير أن الواقع يؤكد أن الكلام معهم فيها لا طائل منه أبدًا؛ لأنَّ القضيَّة تجاوَزت إطارها الفكري المجرَّد، وتحوَّلت إلى ممارسات رَسَخت أو رُسخت بقوة في العقول، والضمائر، والسلوكيات، وأدبيات الحياة الاجتماعية، والسياسية، والدِّينية الخاصة بهم منذ زمن.
وبطبيعة الحال لا شيء يمنَع من أن تعتَزَّ أية أمة بتُرَاثها وحضارتها - والإيرانيون منهم طبعًا - كجُزء من حالة الاعتزاز بالخصوصية، والهُويَّة الثَّقافيَّة؛ لكن الغريب والمرفوض أن يسخر هذا الاعتزاز بطريقة توسع الفجْوة بين الشعوب، وتَتَنَزل فيه السياسات إلى مستوى وضيعٍ، تصبح فيه أداة طيّعة لخدمة الأغْراض الخاصة لهؤلاء الساسة، أو لتلك الأنظمة، ولا ندْري هل يعي الإيرانيون أو ساستهم هذه الحقائق؟ وهل يدركون الفجوة الآخذة بالاتِّساع بينهم وبين المسلمين عمومًا، والعرب خصوصًا؟ والذين هم أشدُّ الناس تأثُّرًا بتقلُّبات السياسة الإيرانية غير الواضحة المعالِم.
إنَّ الظروف الدولية التي رافقت ظهور الثورة الإيرانية هي غيرها اليوم في زَمَن العولَمة والتكتُّلات السياسية والثقافية، وكذلك طبيعة توجُّهات الشارع الإيراني في الداخل، والذي عكست الأحداث الأخيرة فيه حالة بارزة من التَّمَلْمُل والنفور، والرغبة الأكيدة في التغيير والانفتاح على الآخرين في الداخل والخارج، ومحاولة الخروج من تلك العباءة الغيبية، التي تحوَّلتْ إلى أداةِ قهرٍ واستعباد، ولعل الأيام المقبلة حبلى - ولا شك - بالمفاجآت التي تطيح بعروش أولئك الذين يعيشون في ظلِّ أوهامهم التي لا تغني من الحق شيئًا.
وبقيَ أن نُشير لمسألة أخيرة:
وهي أن تعزيزَ الهُوية الثقافية والفكرية لأيَّة أمة يبقى مطلبًا منطقيًّا، بشرْط أن يعكسَ صورة مُشرِقة وحضاريَّة عن تلك الثقافة، وذلك التوجُّهِ الفكري، بعيدًا عنْ منطق التزْوير والأنانية والاستخفاف برأي الآخرين، ممن لا يتبنون هذه التوجُّهات والأفكار والمعتَقَدات، وهذا - مع شديد الأسف - ما لم نَرَه منهم، ولا أحْسَبنا نراه يومًا، طالما بقي الحال على ما هو اليوم.
بقلم :عمار المشهداني
amar_altaha@yahoo.com
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : عمار المشهداني
هناكَ حقيقةٌ مسلَّم بها، وهي أنَّ نجاح الثَّوْرة الإيرانية عام 1979م كان بمثابة إيذانٍ صريح لبداية عهد جديد في حياة الأمة الإيرانية.
وربما رأى الإيرانيون وغيرُهم - منَ المخدُوعينَ عندنا بالشعارات والعناوين الكبيرة - أن الثورة في مضمونها انقلابٌ إسلاميٌّ خالص، أعادَ الإسلام إلى سدَّة الحكم، بعد عقودٍ من حكمٍ علْماني مستَبدٍّ وعميل، والذي كان على رأسه الشاه المخلوع، غير أنَّ الواقع - ومنذ اللحظة الأولى - لمْ يكن يوحِي بذلكَ أبدًا.
وإذا تجاوَزْنا الإطار السِّياسي والاقتِصادي، ومُعطيات الساحة الداخلية الإيرانية والخارجية؛ ببُعدَيها - الإقليمي والدولي - والتي كانت بمُجملها أسبابًا مُهَيَّأةً لجوِّ التغيير، وَوَلَجْنا إلى قلبِ الفكر الموجه والمحرِّض على الثورة - ستبدو الصورةُ أكثر وضوحًا واكتمالاً؛ لأنَّنا بطبيعة الحال سنكونُ أكثر قُربًا من تلك المرجعيَّة الشمُوليَّة (المؤدلجة)، ذات الإطارِ المذهبي الأُحادي الضَّيِّق، والمتمَثِّلة في شخصِ الخُميني، قائد الثورة وإمامها الملهَم!
هذا الرجلُ الذي هو عصارة الفكر ألصفوي الفارسي، والمجسد الأمثل لكلِّ التوجُّهات التي تَتَبَنَّى موقفًا سلبيًّا منَ التاريخ الإسلامي وشخوصهِ ورُموزهِ العظيمة؛ بحيث تختزله في إطار زماني مكاني مُحَدد ومتَّسق مع توجُّهاته وتوجُّهات أسلافه وأحلافه أيضًا.
وهو مَن يَتَبَنَّى أطروحات فلسفيَّة باطنية المنْحى، يُحاول مِن خلالها تبرير نَهْجه العَقَدي المخالف لثوابت العقيدة الإسلامية الصحيحة، وهو كذلك مَن ينْتهج نهْجًا فقهيًّا يختزل فيه جُهد المدارس الإسلامية في هذا المجال؛ ليصبَّه في قالب ضيِّق يطرَح العديد منَ التساؤُلات والشُّبَه حول حقيقته، ومدى صِدْق تمثيله واتِّساقه مع توجهات مدرسة أهل البيت - رضوان الله عنهم جميعًا - التي يدَّعي إتباعها، والسَّيْرَ على خُطَاها
ومَن يَطَّلع على بعض مؤلَّفاته التي كتبها، سيعرف - وبوضوح - منْحى عقيدة هذا الرجل، وأصول فِكره القديم الجديد، ومشارب عقله، الذي خامره الهوى، ولابَسَه الوَهْم، ومِن هذه الكتب: "الحكومة الإسلامية"، و"كشْف الأسرار"، الذي هو عصارة فكره، ومنتهى علْمِه، ومنهجه في إثبات عقائده، فيما يَتَعَلَّق بقضايا التوحيد، والإمامة، وولاية الفقيه، والموقف من تاريخ الأمة ورجالها العِظام.
ومنذُ الأيام الأولى للثورة، حاوَلَ القائمون عليها ترسيخ مبدأ الدعْم الإلهي لها، وعلى ضوء النجاح الذي حققتْه الثورة آنذاك، كانت الحساباتُ العامة والخاصة قائمة.
حسابات الداخل بكلِّ تناقُضاتهِ وتقلُّباته؛ سواء ما كان منها إرثًا عنْ حقبة الشاه، أو ما كان أبعدَ من ذلك زمانًا ومكانًا.
وحسابات الخارج - وما نتج عنها مِن تداعيات - رسمتْ بوُضُوحٍ مسارًا صريحًا لمرحلةٍ جديدة، كانت في بدايتها أكثر طيشًا وتهوُّرًا واستهزاء بالآخر الضد؛ ولكنها سرعان ما انكَفَأَتْ إلى الوراء قليلاً؛ بفعل عوامل داخلية وخارجية، وأُجْبِر معها القادة الجُدُد على تغيير قواعد اللعبة وأشكالها، مع أن المضمون ظلَّ دائمًا يُشيرُ إلى نقطة الصِّفر.
إنَّ السياسة الإيرانية الخارجية والداخلية، ظلَّت - وما زالت - تستظل في توجُّهاتها العامة والخاصة، بظلٍّ غيبي يرجِع في الأساس إلى منظومة عقدية مذهبية، تَتَجَاوَز في إطارها العام الخط العقدي والمذهبي المشترَك مع بقية المدارس الإسلامية، ومصداق ذلك واضحٌ من خلال اعتماد فلسفة حكم، تقوم على فكرة: أنَّ الإمامة والولاية تكون في زَمَن الإمام المهدي الغائب بيد الفقيه، وهو ما عُرف بمبدأ ولاية الفقيه، والذي أشارتْ له المادة الخامسة والأساسية من الدستور الإيراني صراحة، وألمحت إليه بعض موادِّه أيضًا، تقول هذه المادة: "في زمن غيبة الإمام المهدي - عجّل الله تعالى فَرَجه - تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه المتَّقي، البصير بأُمُور العصْر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير".
ويُبَرِّر الخميني هذا التوجه في كتابه "الحكومة الإسلامية"، بقوله: "قد مَرَّ على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تَمُرُّ ألوف السنين، قبل أن تقتضي المصلحة قدُوم الإمام المنتَظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقَى أحكام الإسلام معطَّلة، يعمل الناس في خلالها ما يشاءون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟!"، ومن هنا نجد أنَّ للفُقهاء - وفْق هذا المبدأ - سُلْطة روحية وتنفيذية مستمَدة من هذا الإطار الغيبي، الذي يتجاوز في غُلُوِّه أي حدٍّ، واسمع إلى الخميني ماذا يقول عن نفسِه وأقرانه منَ الفقهاء، ويُساويهم ونفسه بالأنبياء والملائكة: "إنَّ مِن ضروريات مذْهبنا: أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه مَلَك مقرَّب، ولا نبي مُرسَل، ولنا – أي: الفقهاء - حالات لا يَسَعها مَلَك مقرب، ولا نبي مرسل".
إنَّ هذا التصوُّر الخاص لنظام الحكم لَمْ يكن في نَظَرهم مجرَّد نظرية حكم، يُريدون تطبيقها وتسويقها في مُحيطهم الإقليمي والدولي - وهو ما أعلنوه صراحةً وما زالوا - بل هو في حقيقته معيارٌ حيٌّ، تقوم به الشعوب الأخرى، حتى الإسلامية منها، والعربية على وجْه الخصوص، والتي منَ المفروض أنْ تكون معها على نفْس الخط.
إنَّ هذا المعيار لا يعْكسُ حالة منَ الاعْتراف بوُجُود الاختلافات الطبيعيَّة بين الأُمَم والشعوب، بل ظلَّ دائمًا يُشيرُ إلى حالة منَ التعالي والنظرة الفوقية، ويشير بوضوح إلى شيوع منطق مركَّب في التعامُل مع الآخرين من المخالفين، وعلى اختلاف مسمياتهم وعناوينهم، وهو غير ذلك المعلن أو المدعَى، ولعل التجاذُبات الخطيرة والدامية، التي حصلت بين المملكة العربية السعودية وإيران، وعلى امتداد عهْد الخميني، حول قضية الحج والحجاج الإيرانيين، ومطالَبة الخميني صراحةً بنَزْع إشراف النظام في المملكة على الأماكن المقدَّسة - خير دليلٍ على توجُّهات هذا النِّظام، وطبيعة تعامُله ونظرته لمُحيطِه العربي الإسلامي.
هذه النظرة التي تتَّسم بالاستعلاء والفوقيَّة - كما ذكرنا - لم يستطعْ حتى الإصلاحيون - وعلى امتداد سنوات حكمهم الثماني - تجاوُزها، أو التخفيف من آثارها.
ومع نهاية عهدهم، ومجيء أحمدي نجاد - ربيب الثورة المدُلَّل - عادت الأمور في الكثيرِ من جوانبها إلى نقطة الصفر، ولتعودَ معها لغة الخطاب الثوري والحماسي المبشر بوعود نرجسية؛ استنادًا إلى تلك الفلسفة الغيبية، ذات الصبغة الإسلامية، التي تجعل من قضية المهدي ركيزةً أساسية للعمل الداخلي والخارجي، وتؤكِّد على تهيئة إيران تحديدًا؛ لتكون مستعدَّة لاستقبال إمامها الغائب، منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.
ولعل هذا ما حدا بنجاد كي يَتَطَرَّقَ إلى هذه المسألة علنًا، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 - 9 - 2005، وكذلك كلامه المتكَرِّر عن أنَّ بركات الإمام المهدي واضحة على إيران، ولعلَّ الأزمة المتواصِلة لبرنامجهم النووي بكلِّ تداعياتها، وكذلك ثورة التسليح العسكري المتوالية الفصول، كلها تسير في ذات النسَق، وكذلك محاولاتهم لاختراق المحيط الإقليمي العربي تحديدًا، وعبْر البوَّابة المذهبية، واستغلالها لإيجاد مناطق نفوذ تستخدمها كأوراق ضغط على الخصوم المفترضين، ولعل لبنان والعراق أمثلة واضحة على هذا التوجه، وللأخير حصة الأسد في ذلك، إلى الحد الذي أقنع معظمَ العراقيين بأنهم يرزحون تحت احتلا لين، لا يقل شرُّهما عن الآخر.
إنَّ التوجُّه الغيبي في السياسة الإيرانية لا يحمل في طيَّاته بُعده المذهبي فقط؛ بل يبقَى العامل الفارسي - بكل ما تعْنيه هذه الكلمة مِن أبعاد حضارية وتاريخية، يعيها الإيرانيون جيدًا - حاضرًا دومًا، وكيف لا، وهم يرَوْن أرضهم الفارسية موطن الحضارة القديمة، وأرض الإسلام الذي يمثلونه، وأرض المخلص، والإمام الغائب، الذي سيظهر كي يخلصَ العالَم كلَّهُ من الشر، ولينشر مذهبه في رُبُوع الأرض، ولينتقم من كلِّ أعدائه، وأعداء أجْدادِه، منذ فجْر الإسلام، وإلى يوم مبعثه الميمون؟!
ومهما يكنُ من أمرٍ، وبِغَضِّ النظَر عن مصداقية هذه الدعاوى التي يراها جُلُّ الإيرانيين - بشَكْلها هذا - مسلَّماتٍ لا تقبَل النِّقاش، مع أنها بالتأكيد لا تصمد أمام النقْد العلمي البنَّاء، وحجج العقل المتَّزِن، غير أن الواقع يؤكد أن الكلام معهم فيها لا طائل منه أبدًا؛ لأنَّ القضيَّة تجاوَزت إطارها الفكري المجرَّد، وتحوَّلت إلى ممارسات رَسَخت أو رُسخت بقوة في العقول، والضمائر، والسلوكيات، وأدبيات الحياة الاجتماعية، والسياسية، والدِّينية الخاصة بهم منذ زمن.
وبطبيعة الحال لا شيء يمنَع من أن تعتَزَّ أية أمة بتُرَاثها وحضارتها - والإيرانيون منهم طبعًا - كجُزء من حالة الاعتزاز بالخصوصية، والهُويَّة الثَّقافيَّة؛ لكن الغريب والمرفوض أن يسخر هذا الاعتزاز بطريقة توسع الفجْوة بين الشعوب، وتَتَنَزل فيه السياسات إلى مستوى وضيعٍ، تصبح فيه أداة طيّعة لخدمة الأغْراض الخاصة لهؤلاء الساسة، أو لتلك الأنظمة، ولا ندْري هل يعي الإيرانيون أو ساستهم هذه الحقائق؟ وهل يدركون الفجوة الآخذة بالاتِّساع بينهم وبين المسلمين عمومًا، والعرب خصوصًا؟ والذين هم أشدُّ الناس تأثُّرًا بتقلُّبات السياسة الإيرانية غير الواضحة المعالِم.
إنَّ الظروف الدولية التي رافقت ظهور الثورة الإيرانية هي غيرها اليوم في زَمَن العولَمة والتكتُّلات السياسية والثقافية، وكذلك طبيعة توجُّهات الشارع الإيراني في الداخل، والذي عكست الأحداث الأخيرة فيه حالة بارزة من التَّمَلْمُل والنفور، والرغبة الأكيدة في التغيير والانفتاح على الآخرين في الداخل والخارج، ومحاولة الخروج من تلك العباءة الغيبية، التي تحوَّلتْ إلى أداةِ قهرٍ واستعباد، ولعل الأيام المقبلة حبلى - ولا شك - بالمفاجآت التي تطيح بعروش أولئك الذين يعيشون في ظلِّ أوهامهم التي لا تغني من الحق شيئًا.
وبقيَ أن نُشير لمسألة أخيرة:
وهي أن تعزيزَ الهُوية الثقافية والفكرية لأيَّة أمة يبقى مطلبًا منطقيًّا، بشرْط أن يعكسَ صورة مُشرِقة وحضاريَّة عن تلك الثقافة، وذلك التوجُّهِ الفكري، بعيدًا عنْ منطق التزْوير والأنانية والاستخفاف برأي الآخرين، ممن لا يتبنون هذه التوجُّهات والأفكار والمعتَقَدات، وهذا - مع شديد الأسف - ما لم نَرَه منهم، ولا أحْسَبنا نراه يومًا، طالما بقي الحال على ما هو اليوم.
بقلم :عمار المشهداني
amar_altaha@yahoo.com
المرأة العراقية في قلب المحنة
المرأة العراقية في قلب المحنة !
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : دمشق/ سارة علي - موقع الإسلام اليوم
منذ أن سقطت بغداد في يد الاحتلال عام 2003 والعراقيون يعيشون نكدًا من العيش، رغم محاولاتهم الخروج بشتى الطرق والوسائل، فهذا عراقي بقي في بلده يقاوم الاحتلال ويقاسي ويلات الدمار، وهذا أُجبر على اللجوء وأسرته إلى دول الجوار، وآخر أوصدت أمامه الأبواب فبات يتلمَّس فرصة للحياة في بلد أوروبي، إلا أن المرأة العراقية البائسة، التي فقدت أخاها وزوجها وأباها الذين راحوا ضحية الاحتلال، باتت تتحمل شظف العيش، وقسوة الظلم، ورغم ذلك لم تسلم من الألسنة.
خرج الكثير من العراقيين يحملون ما بقي لهم من أموال بعد أن سُرقت أموالهم ونُهبت ممتلكاتهم، إثر حالة الفوضى التي صاحبت بداية الاحتلال، مما حدا بالكثير من أبناء العراق – الكثير منهم سُنَّة - إلى ترك بلدهم مرغمين لاجئين إلى دول الجوار، وخاصةً سوريا التي تحملت العبء الأكبر، رغم ما تعانيه من أزمات اقتصادية ونسب كبيرة من البطالة قد تصل إلى المليون و200 ألف عاطل عن العمل، إلا أنها احتوت ما يقارب المليون ونصف المليون عراقي، و تسجِّل الإحصاءات الرسمية في مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في دمشق وجود 220 ألف عائلة عراقية، إلا أن النسبة أكثر من ذلك بكثير؛ لأن معظمهم غير مسجَّلين لدى المفوضية، ربما خوفًا من أن تصل إلى العراق معلومات عن مكان تواجدهم لاعتبارات أمنية.
العراقي في سوريا
بعد أن كان العراقي يعيش شريفًا في بلده، صار يستجدي لقمة العيش، حيث أنّ الكثير من الفضائيات والمنظمات الإنسانية تناولت حالة العراقي في سوريا وغير سوريا ومحنة لجوء العراقي، ووفقًا لمسح أجرته مؤسسة "إبسوس" للأبحاث، أفاد 37% من اللاجئين العراقيين الذين تم استجوابهم أن مدخراتهم تشكّل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لهم، في حين أفاد 24% أنهم يعتمدون على التحويلات و24% على الأجور التي يتقاضونها، كما أفاد 33% ممن شملهم المسح أنهم يتوقعون ألا تدوم أموالهم أكثر من ثلاثة أشهر، في حين لا يدري 53% كم ستدوم مدخراتُهم، وبعد أن تنتهي تلك المدخرات لا يعلم بعد ذلك ما مصيره وعائلته، وقد يُرغم على العودة لبلده، مما يضطر القسم الأكبر منهم على تحمُّل شظف العيش على العودة إلى العراق، أما ما قيل عن العودة الطوعية للعراق فهذه العودة لم تتجاوز 300 أسرة فقط.
المرأة العراقية في سوريا
فإذا كان الحال هكذا للرجل العراقي الذي صار غير قادر على إعالة أسرته، فما بالك بالمرأة العراقية مع وجود شريحة كبيرة من الأرامل العراقيات في سوريا؟!
هذه الشريحة من الأرامل اللاتي يعُلن أسرة وجدت نفسها ملتزمة بدفع إيجارات، إضافة إلى مصاريف كهرباء وماء وخدمات ومعيشة ومصاريف دراسة، والمشكلة تتضاعف عندما يكون في الأسرة مريض أو معوّق، فهذا يشكل عبئًا كبيرًا عليهن فصرن يتكففن العيش، ومع ذلك لم تسلم تلك المرأة – رغم كل ما تعاني – من الهجوم عليها والتشكيك في سلوكها وأخلاقها، حيث أن بعض الدول العربية – إلا قليل منها – لم تقدم أية مساعدة للعراقيين اللاجئين، بل وصل الأمر إلى تشويه صورة المرأة العراقية اللاجئة من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وأن نسبة منهن كنَّ يمتهنَّ هذه المهنة في العراق ونقلنها بعد ذلك إلى سوريا وغير سوريا! في الوقت الذي لا تشير تلك الوسائل إلى الإمكانات المادية العربية التي تُهدَر هنا وهناك، ولا يُذكر فيها أبناء العمومة ومَن يربطهم بهم روابط الدين والدم والعروبة من إخوانهم العراقيين ولو بالشيء اليسير!!
ولعلي أرجع وأتساءل مرة أخرى، لو أن أي بلد في العالم – وليس في العالم العربي وحده – حدث به ما حدث في العراق ماذا يحل بأبنائه من كل الفئات؟! ولو افترضنا أن هذا واقع بالفعل – وإن كنت لا ألتمس عذرًا هنا لمن يسلكن الطريق إلى الحرام، فهذا حرام في ديننا، إضافةً إلى أن الحرة تموت ولا تأكل بثدييها – فإن صلات العروبة – ناهيك عن صلة الدين – تحتّم معالجة هذا الأمر والبحث عن سبل رفع مستوى المعيشة لأولئك النساء حتى لا يلجأن لذلك، ولكني أجدني مضطرةً إلى القول بأن العراقي اليوم – وخاصة المتواجد بسوريا – يشعر بخيبة الأمل تجاه إخوانه في الإسلام والعروبة، بعد أن كانت أبواب بلده مشرعةً أمام القاصي والداني من كل مكان.
"حلم" اللجوء إلى أوروبا
لقد صار همّ العراقي ومنهم النساء المتواجدات بسوريا مع عوائلهن هو الحصول على فرصة إعادة التوطين في بلد أوروبي بعد أن أوصدت الدول العربية أبوابها بأقفال محكمة تجاه العراقي، وفي هذا الصدد يقول بل فريلك (مدير سياسات اللاجئين في منظمة هيومان رايتس ووتش): "هناك الكثير المعوقات التي تفرضها الدول المجاورة للعراق لمنع دخول العراقيين إليها، من السعودية، إلى الكويت، ومصر، جميعها تفرض إجراءات تقييد على العراقيين الذين يسعون لدخولها، وتصعيب ملحوظ في الاستجابة بين الدول المجاورة لدخول العراقيين، علمًا بأن نسبة العراقيين السنة المتواجدين بسوريا 80%.
حتى إن فرص التوطين أيضًا هي إمكانية صعبة كما أوضحت فرح دخل الله (الناطقة باسم المفوضية السامية لشئون اللاجئين في دمشق): "لا يتم عرض فرصة إعادة التوطين سوى على نسبة قليلة من اللاجئين، حيث يتم تقديم طلبات أقل من 10% من العدد الإجمالي، ولا يتمكن من السفر فعلًا إلا عدد قليل من هذه النسبة"، مشيرةً إلى أن "معايير الاختيار تعتمد على مدى تعرّض الحالة للضرر ومدى حاجتها للسفر، ويكمن دورنا في تحديد الأشخاص الأكثر عرضةً للضرر والأمسّ حاجةً لإعادة التوطين ثم التعامل مع السفارات المختصة، غير أن القرار النهائي يبقى للدول نفسها".
ويبقى العراقي في حيرة من أمره؛ لا يدري أيبقى، رغم استنزاف مدخراته بعد أن طال مكوثه لسنوات أنفق فيها كل ما يملك؟ أم يعود إلى بلده الذي يراه غير آمن؟، حسب قول فرح دخل الله: "إن العديد من اللاجئين على اتصال مع أُسرهم وأصدقائهم في العراق، وقد علموا بالأوضاع هناك وقرَّروا أنها غير آمنة بما يكفي للعودة، كما أن المفوضية ذاتها لا تعتبر الأوضاع آمنةً بما يكفي لعودة كريمة لعدد كبير من اللاجئين العراقيين".
الأحد 12 ربيع الثاني 1431 هـ - الموافق 28 مارس 2010 م
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : دمشق/ سارة علي - موقع الإسلام اليوم
منذ أن سقطت بغداد في يد الاحتلال عام 2003 والعراقيون يعيشون نكدًا من العيش، رغم محاولاتهم الخروج بشتى الطرق والوسائل، فهذا عراقي بقي في بلده يقاوم الاحتلال ويقاسي ويلات الدمار، وهذا أُجبر على اللجوء وأسرته إلى دول الجوار، وآخر أوصدت أمامه الأبواب فبات يتلمَّس فرصة للحياة في بلد أوروبي، إلا أن المرأة العراقية البائسة، التي فقدت أخاها وزوجها وأباها الذين راحوا ضحية الاحتلال، باتت تتحمل شظف العيش، وقسوة الظلم، ورغم ذلك لم تسلم من الألسنة.
خرج الكثير من العراقيين يحملون ما بقي لهم من أموال بعد أن سُرقت أموالهم ونُهبت ممتلكاتهم، إثر حالة الفوضى التي صاحبت بداية الاحتلال، مما حدا بالكثير من أبناء العراق – الكثير منهم سُنَّة - إلى ترك بلدهم مرغمين لاجئين إلى دول الجوار، وخاصةً سوريا التي تحملت العبء الأكبر، رغم ما تعانيه من أزمات اقتصادية ونسب كبيرة من البطالة قد تصل إلى المليون و200 ألف عاطل عن العمل، إلا أنها احتوت ما يقارب المليون ونصف المليون عراقي، و تسجِّل الإحصاءات الرسمية في مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في دمشق وجود 220 ألف عائلة عراقية، إلا أن النسبة أكثر من ذلك بكثير؛ لأن معظمهم غير مسجَّلين لدى المفوضية، ربما خوفًا من أن تصل إلى العراق معلومات عن مكان تواجدهم لاعتبارات أمنية.
العراقي في سوريا
بعد أن كان العراقي يعيش شريفًا في بلده، صار يستجدي لقمة العيش، حيث أنّ الكثير من الفضائيات والمنظمات الإنسانية تناولت حالة العراقي في سوريا وغير سوريا ومحنة لجوء العراقي، ووفقًا لمسح أجرته مؤسسة "إبسوس" للأبحاث، أفاد 37% من اللاجئين العراقيين الذين تم استجوابهم أن مدخراتهم تشكّل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لهم، في حين أفاد 24% أنهم يعتمدون على التحويلات و24% على الأجور التي يتقاضونها، كما أفاد 33% ممن شملهم المسح أنهم يتوقعون ألا تدوم أموالهم أكثر من ثلاثة أشهر، في حين لا يدري 53% كم ستدوم مدخراتُهم، وبعد أن تنتهي تلك المدخرات لا يعلم بعد ذلك ما مصيره وعائلته، وقد يُرغم على العودة لبلده، مما يضطر القسم الأكبر منهم على تحمُّل شظف العيش على العودة إلى العراق، أما ما قيل عن العودة الطوعية للعراق فهذه العودة لم تتجاوز 300 أسرة فقط.
المرأة العراقية في سوريا
فإذا كان الحال هكذا للرجل العراقي الذي صار غير قادر على إعالة أسرته، فما بالك بالمرأة العراقية مع وجود شريحة كبيرة من الأرامل العراقيات في سوريا؟!
هذه الشريحة من الأرامل اللاتي يعُلن أسرة وجدت نفسها ملتزمة بدفع إيجارات، إضافة إلى مصاريف كهرباء وماء وخدمات ومعيشة ومصاريف دراسة، والمشكلة تتضاعف عندما يكون في الأسرة مريض أو معوّق، فهذا يشكل عبئًا كبيرًا عليهن فصرن يتكففن العيش، ومع ذلك لم تسلم تلك المرأة – رغم كل ما تعاني – من الهجوم عليها والتشكيك في سلوكها وأخلاقها، حيث أن بعض الدول العربية – إلا قليل منها – لم تقدم أية مساعدة للعراقيين اللاجئين، بل وصل الأمر إلى تشويه صورة المرأة العراقية اللاجئة من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وأن نسبة منهن كنَّ يمتهنَّ هذه المهنة في العراق ونقلنها بعد ذلك إلى سوريا وغير سوريا! في الوقت الذي لا تشير تلك الوسائل إلى الإمكانات المادية العربية التي تُهدَر هنا وهناك، ولا يُذكر فيها أبناء العمومة ومَن يربطهم بهم روابط الدين والدم والعروبة من إخوانهم العراقيين ولو بالشيء اليسير!!
ولعلي أرجع وأتساءل مرة أخرى، لو أن أي بلد في العالم – وليس في العالم العربي وحده – حدث به ما حدث في العراق ماذا يحل بأبنائه من كل الفئات؟! ولو افترضنا أن هذا واقع بالفعل – وإن كنت لا ألتمس عذرًا هنا لمن يسلكن الطريق إلى الحرام، فهذا حرام في ديننا، إضافةً إلى أن الحرة تموت ولا تأكل بثدييها – فإن صلات العروبة – ناهيك عن صلة الدين – تحتّم معالجة هذا الأمر والبحث عن سبل رفع مستوى المعيشة لأولئك النساء حتى لا يلجأن لذلك، ولكني أجدني مضطرةً إلى القول بأن العراقي اليوم – وخاصة المتواجد بسوريا – يشعر بخيبة الأمل تجاه إخوانه في الإسلام والعروبة، بعد أن كانت أبواب بلده مشرعةً أمام القاصي والداني من كل مكان.
"حلم" اللجوء إلى أوروبا
لقد صار همّ العراقي ومنهم النساء المتواجدات بسوريا مع عوائلهن هو الحصول على فرصة إعادة التوطين في بلد أوروبي بعد أن أوصدت الدول العربية أبوابها بأقفال محكمة تجاه العراقي، وفي هذا الصدد يقول بل فريلك (مدير سياسات اللاجئين في منظمة هيومان رايتس ووتش): "هناك الكثير المعوقات التي تفرضها الدول المجاورة للعراق لمنع دخول العراقيين إليها، من السعودية، إلى الكويت، ومصر، جميعها تفرض إجراءات تقييد على العراقيين الذين يسعون لدخولها، وتصعيب ملحوظ في الاستجابة بين الدول المجاورة لدخول العراقيين، علمًا بأن نسبة العراقيين السنة المتواجدين بسوريا 80%.
حتى إن فرص التوطين أيضًا هي إمكانية صعبة كما أوضحت فرح دخل الله (الناطقة باسم المفوضية السامية لشئون اللاجئين في دمشق): "لا يتم عرض فرصة إعادة التوطين سوى على نسبة قليلة من اللاجئين، حيث يتم تقديم طلبات أقل من 10% من العدد الإجمالي، ولا يتمكن من السفر فعلًا إلا عدد قليل من هذه النسبة"، مشيرةً إلى أن "معايير الاختيار تعتمد على مدى تعرّض الحالة للضرر ومدى حاجتها للسفر، ويكمن دورنا في تحديد الأشخاص الأكثر عرضةً للضرر والأمسّ حاجةً لإعادة التوطين ثم التعامل مع السفارات المختصة، غير أن القرار النهائي يبقى للدول نفسها".
ويبقى العراقي في حيرة من أمره؛ لا يدري أيبقى، رغم استنزاف مدخراته بعد أن طال مكوثه لسنوات أنفق فيها كل ما يملك؟ أم يعود إلى بلده الذي يراه غير آمن؟، حسب قول فرح دخل الله: "إن العديد من اللاجئين على اتصال مع أُسرهم وأصدقائهم في العراق، وقد علموا بالأوضاع هناك وقرَّروا أنها غير آمنة بما يكفي للعودة، كما أن المفوضية ذاتها لا تعتبر الأوضاع آمنةً بما يكفي لعودة كريمة لعدد كبير من اللاجئين العراقيين".
الأحد 12 ربيع الثاني 1431 هـ - الموافق 28 مارس 2010 م
السبت، 10 أبريل 2010
دليل التلوين الآمن للبيض والفسيخ الصحي
دليل التلوين الآمن للبيض والفسيخ الصحي
عبد المنعم الشحات
أضيفت بتاريخ : : 08 - 04 - 2010
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
على الرغم من أن وسائل الإعلام تتعامل مع كثير من قضايا الالتزام بالقاعدة المشهورة "الباب الذي يأتي من الريح سده واستريح" حتى ولو كان سده لن يريح، بل سيميت الإيمان في القلوب والحياء في المجتمع، ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسألة تستر بعض المجرمين وراء النقاب، فلا يجد القوم لذلك حلاً إلا القضاء على النقاب، بل والحجاب، وإن ترتب على ذلك ما ترتب من فساد الدين والأخلاق، وعلى الرغم أيضاً من اتباع القوم لقاعدة "التيسير في الدين" التي تجعلهم يتساهلون في كثير من الأحكام الشرعية، فلا بأس بإخراج زكاة الفطر نقوداً لا طعاماً من باب التيسير، والتصدق بقيمة الحج والعمرة تقوم مقامهما في الثواب ولا داعي لإتعاب النفس، وغيرها من الفتاوى الكثيرة التي تشتمل على عدوان على هيئات شرعية مقصودة للشارع، في تشريعها أنواع من الحكمة إن خفيت على هؤلاء فلا تخفى على أهل العلم المستضيئين بنور الوحي، وعلى الرغم من دندنة القوم دائماً حول عدم الاهتمام بما يسمونه قشوراً، وينعون على كل من يهتم بأمور من الهدى الظاهر بأنه يهتم بالقشور.
على الرغم من ذلك كله فإن القوم فيما يتعلق بشم النسيم، ذلك اليوم الذي ما أنزل الله به من سلطان يتحولون إلى أصوليين شديدي التمسك بالهيئات حتى وإن كانت عسيرة، وحتى وإن كانت قشوراً حقيقية، فمن ذلك تمسكهم بتلوين قشر البيض مع أنه قشر حساً ولغة، بخلاف الأحكام الشرعية التي يرونها هم قشوراً، بالإضافة إلى أنه قشر مآله السريع إلى التكسر، مع ذلك يتمسك القوم بتلوين ذلك البيض، ولما ثبت لديهم أن معظم أنواع الألوان المتداولة مضرة بالصحة لم يتعامل القوم مع هذا الموضوع بقاعدة "الباب الذي يأتي من الريح"، بل تعاملوا بطريقة العاض على سنة الفراعنة بالنواجذ، فما أن يقترب ذلك اليوم حتى تجد الصحف وقد عقدت أبواباً ومقالات لإرشاد المستهلك لأنواع الألوان الصحية، مع علمهم بأن هذه الأنواع الصحية غير شائعة، وأنها غالية الثمن، مما يعني أن معظم الناس سوف يستمرون في استخدام الألوان الغير صحية، ومع ذلك فكل ذلك عند القوم محتمل في سبيل الحفاظ على الهيئة الظاهرة لاحتفال شم النسيم.
وأما الفسيخ فحدث ولا حرج عن المخاطر المحتملة منه، وبالمناسبة فإن الفقهاء قد اختلفوا في حكم أكل الفسيخ، فمنهم من منع بناء على أنه ينتن قبل تمليحه، ومنهم من أجازه على أساس أن الأصل في الأشياء الحل، والصحيح هو التفصيل، فيمنع منه إن علم أنه أنتن (*) ويباح فيما عدا ذلك، ولكن الإقبال الكبير على الفسيخ في ذلك اليوم يجعل ذلك اليوم مناسبة لطرح كل مخلفات مصنعي الفسيخ، وتبذل السلطات جهوداً ضخمة في ملاحقة الفسيخ الغير صالح للاستخدام الآدمي، وتعلن المستشفيات حالة الطوارئ في ذلك اليوم، ولا يجرؤ أحد على المطالبة بمنع ذلك المظهر من مظاهر الاحتفال بذلك اليوم، فضلاً عن إلغاء الاحتفال من أصله كما هو الواجب فعله مع كل هذه المناسبات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
بيد أن إصرار القوم على هذا المظهر من مظاهر الاحتفال بيوم شم النسيم راجع -والله أعلم- إلى أن أكل الفسيخ هو أحد أهم أسباب عناية المجتمع المصري بشم النسيم، رغم علمهم بأنه دائر بين أن يكون يوماً فرعونياً، أو أن يكون يوماً نصرانياً، وأحلاهما مر -كما يقولون-، ولكن لما كان موعد ذلك اليوم في أوائل الربيع، أنأنولما كان من طقوسه أكل الفسيخ وهو طعام يفضل كثير من الناس أكله خارج المنزل، فمن هنا جاء ارتباط الناس بذلك اليوم، ولكن تبقى الحجة قائمة عليهم، إذ تمسكوا في هذه المناسبة البدعية بالهيئة وبالظاهر وبالقشور، وتحملوا المخاطر الصحية التي ربما تصل إلى التسمم المميت أن يتمسكوا من باب أولى بكل هذا في الأمور الشرعية، وهو الأمر الذي إذا فعلوه سوف يتبرءون من كل المناسبات البدعية، وعلى رأسها شم النسيم.
--------------------------------------------------------------------------------
(*) الراجح أن المنتن مكروه ليس بمحرم، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكل من إهالة سنخة "أي متغيرة"، إلا أن يُجْزَم بضرره فيحرم. كتبه ياسر برهامي.
عبد المنعم الشحات
أضيفت بتاريخ : : 08 - 04 - 2010
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
على الرغم من أن وسائل الإعلام تتعامل مع كثير من قضايا الالتزام بالقاعدة المشهورة "الباب الذي يأتي من الريح سده واستريح" حتى ولو كان سده لن يريح، بل سيميت الإيمان في القلوب والحياء في المجتمع، ومن أوضح الأمثلة على ذلك مسألة تستر بعض المجرمين وراء النقاب، فلا يجد القوم لذلك حلاً إلا القضاء على النقاب، بل والحجاب، وإن ترتب على ذلك ما ترتب من فساد الدين والأخلاق، وعلى الرغم أيضاً من اتباع القوم لقاعدة "التيسير في الدين" التي تجعلهم يتساهلون في كثير من الأحكام الشرعية، فلا بأس بإخراج زكاة الفطر نقوداً لا طعاماً من باب التيسير، والتصدق بقيمة الحج والعمرة تقوم مقامهما في الثواب ولا داعي لإتعاب النفس، وغيرها من الفتاوى الكثيرة التي تشتمل على عدوان على هيئات شرعية مقصودة للشارع، في تشريعها أنواع من الحكمة إن خفيت على هؤلاء فلا تخفى على أهل العلم المستضيئين بنور الوحي، وعلى الرغم من دندنة القوم دائماً حول عدم الاهتمام بما يسمونه قشوراً، وينعون على كل من يهتم بأمور من الهدى الظاهر بأنه يهتم بالقشور.
على الرغم من ذلك كله فإن القوم فيما يتعلق بشم النسيم، ذلك اليوم الذي ما أنزل الله به من سلطان يتحولون إلى أصوليين شديدي التمسك بالهيئات حتى وإن كانت عسيرة، وحتى وإن كانت قشوراً حقيقية، فمن ذلك تمسكهم بتلوين قشر البيض مع أنه قشر حساً ولغة، بخلاف الأحكام الشرعية التي يرونها هم قشوراً، بالإضافة إلى أنه قشر مآله السريع إلى التكسر، مع ذلك يتمسك القوم بتلوين ذلك البيض، ولما ثبت لديهم أن معظم أنواع الألوان المتداولة مضرة بالصحة لم يتعامل القوم مع هذا الموضوع بقاعدة "الباب الذي يأتي من الريح"، بل تعاملوا بطريقة العاض على سنة الفراعنة بالنواجذ، فما أن يقترب ذلك اليوم حتى تجد الصحف وقد عقدت أبواباً ومقالات لإرشاد المستهلك لأنواع الألوان الصحية، مع علمهم بأن هذه الأنواع الصحية غير شائعة، وأنها غالية الثمن، مما يعني أن معظم الناس سوف يستمرون في استخدام الألوان الغير صحية، ومع ذلك فكل ذلك عند القوم محتمل في سبيل الحفاظ على الهيئة الظاهرة لاحتفال شم النسيم.
وأما الفسيخ فحدث ولا حرج عن المخاطر المحتملة منه، وبالمناسبة فإن الفقهاء قد اختلفوا في حكم أكل الفسيخ، فمنهم من منع بناء على أنه ينتن قبل تمليحه، ومنهم من أجازه على أساس أن الأصل في الأشياء الحل، والصحيح هو التفصيل، فيمنع منه إن علم أنه أنتن (*) ويباح فيما عدا ذلك، ولكن الإقبال الكبير على الفسيخ في ذلك اليوم يجعل ذلك اليوم مناسبة لطرح كل مخلفات مصنعي الفسيخ، وتبذل السلطات جهوداً ضخمة في ملاحقة الفسيخ الغير صالح للاستخدام الآدمي، وتعلن المستشفيات حالة الطوارئ في ذلك اليوم، ولا يجرؤ أحد على المطالبة بمنع ذلك المظهر من مظاهر الاحتفال بذلك اليوم، فضلاً عن إلغاء الاحتفال من أصله كما هو الواجب فعله مع كل هذه المناسبات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
بيد أن إصرار القوم على هذا المظهر من مظاهر الاحتفال بيوم شم النسيم راجع -والله أعلم- إلى أن أكل الفسيخ هو أحد أهم أسباب عناية المجتمع المصري بشم النسيم، رغم علمهم بأنه دائر بين أن يكون يوماً فرعونياً، أو أن يكون يوماً نصرانياً، وأحلاهما مر -كما يقولون-، ولكن لما كان موعد ذلك اليوم في أوائل الربيع، أنأنولما كان من طقوسه أكل الفسيخ وهو طعام يفضل كثير من الناس أكله خارج المنزل، فمن هنا جاء ارتباط الناس بذلك اليوم، ولكن تبقى الحجة قائمة عليهم، إذ تمسكوا في هذه المناسبة البدعية بالهيئة وبالظاهر وبالقشور، وتحملوا المخاطر الصحية التي ربما تصل إلى التسمم المميت أن يتمسكوا من باب أولى بكل هذا في الأمور الشرعية، وهو الأمر الذي إذا فعلوه سوف يتبرءون من كل المناسبات البدعية، وعلى رأسها شم النسيم.
--------------------------------------------------------------------------------
(*) الراجح أن المنتن مكروه ليس بمحرم، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكل من إهالة سنخة "أي متغيرة"، إلا أن يُجْزَم بضرره فيحرم. كتبه ياسر برهامي.
السلطان عبد الحميد الثاني
السلطان عبد الحميد الثاني
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : أحمد الفيشاوي - موقع صوت السلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
السلطان عبد الحميد الثاني:
من أبرز متأخري سلاطين الدولة العثمانية، تولى الخلافة عام 1293 هـ "1876 م" وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، حاول النهوض بالخلافة على أسس إسلامية، ومواجهة التغريب والعلمانية التي انتشرت بين كثير من أعيان الدولة ومثقفيها، وسعى في سبيل ذلك لإقامة جامعة إسلامية، وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة بدلاً من التركية، إلا أن الوزراء المتأثرون بالعلمانية الغربية حالوا بينه وبين ذلك.
استطاع أصحاب الفكر التغريبي العلماني أن ينشئوا جمعية لهم -"جمعية الاتحاد والترقي"- وانضم إليها كثير من العسكريين، والذين دبروا بعد ذلك عزل السلطان عبد الحميد "1909 م"، وأصبحت السلطة الحقيقية بعد ذلك بأيدي الجمعية -خاصة العسكريين منهم- وكانت تلك الخطوة لها دور أساسي في إعلان العسكري الماكر "مصطفى كمال أتاتورك" الجمهورية التركية "برئاسته عام 1923 م"، وإلغاءه لنظام الخلافة الإسلامية عام 1924 م.
أزعج التوجه الإسلامي للسلطان عبد الحميد كلاً من العلمانية الغربية والصهيونية اليهودية؛ خاصة بعد رفض السلطان لطلب زعيم الصهاينة "هرتزل" بالسماح لليهود باستيطان فلسطين، رغم الإغراءات السياسية والمالية التي وعد بها "هرتزل" السلطان عبد الحميد، والذي كان في ذلك الوقت في أشد الحاجة لهما، مما يدل على عظيم أمانته وعقله.
ومن أقواله في هذا الصدد:
"اليهود إذا استوطنوا أرضاً تملكوا قدراتها خلال وقت قصير، ولذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت".
وقال أيضاً: "لن يستطيع رئيس الصهاينة "هرتزل" أن يقنعني بأفكاره... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أموراً مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين... إنني أدرك أطماعهم جيداً، ولكن اليهود سطحيون في ظنهم أني سأقبل بمحاولاتهم".
وأرسل إلى "هرتزل" قائلاً له: "لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأرض المقدسة؛ لأنها ليست ملكي".
بعد ما يئست الصهيونية اليهودية من السلطان عبد الحميد سعوا في إثارة القلاقل ودعم أعداء السلطان في الداخل -خاصة حزب الاتحاد والترقي-، فلا عجب بعد ذلك أن تكون "سلانيك" -بلدة شمال اليونان- والتي كان يقطنها كثير من يهود الدونمة الذين تظاهروا بالإسلام مكراً وخداعاً هي نفس البلدة التي خرج منها عسكر الاتحاد والترقي إلى "إستانبول" لعزل السلطان عبد الحميد، وإلغاء الخلافة الإسلامية بعد ذلك، وتمرير المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
لقد أصبح بادياً لكل ذي عين أن الصهيونية اليهودية رغم اختلافها ظاهرياً عن العلمانية اللا دينية إلا أنها استخدمتها لضرب الخلافة وإفساد العالم الإسلامي، وإقامة دولة يهودية على حساب أراضي المسلمين وثرواتهم.
وقد أشار السلطان عبد الحميد -رحمه الله- إلى تلك العلاقة بين العلمانية والصهيونية في إحدى رسائله فقال: "إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة "فلسطين"، ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلن أسود صحائف المسلمين.
وبعد جوابي هذا اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى "سلانيك" وحمدت المولى وأحمده أني لم أقبل بأن ألطخ العالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية بالأراضي المقدسة... فلسطين".
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : أحمد الفيشاوي - موقع صوت السلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
السلطان عبد الحميد الثاني:
من أبرز متأخري سلاطين الدولة العثمانية، تولى الخلافة عام 1293 هـ "1876 م" وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، حاول النهوض بالخلافة على أسس إسلامية، ومواجهة التغريب والعلمانية التي انتشرت بين كثير من أعيان الدولة ومثقفيها، وسعى في سبيل ذلك لإقامة جامعة إسلامية، وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة بدلاً من التركية، إلا أن الوزراء المتأثرون بالعلمانية الغربية حالوا بينه وبين ذلك.
استطاع أصحاب الفكر التغريبي العلماني أن ينشئوا جمعية لهم -"جمعية الاتحاد والترقي"- وانضم إليها كثير من العسكريين، والذين دبروا بعد ذلك عزل السلطان عبد الحميد "1909 م"، وأصبحت السلطة الحقيقية بعد ذلك بأيدي الجمعية -خاصة العسكريين منهم- وكانت تلك الخطوة لها دور أساسي في إعلان العسكري الماكر "مصطفى كمال أتاتورك" الجمهورية التركية "برئاسته عام 1923 م"، وإلغاءه لنظام الخلافة الإسلامية عام 1924 م.
أزعج التوجه الإسلامي للسلطان عبد الحميد كلاً من العلمانية الغربية والصهيونية اليهودية؛ خاصة بعد رفض السلطان لطلب زعيم الصهاينة "هرتزل" بالسماح لليهود باستيطان فلسطين، رغم الإغراءات السياسية والمالية التي وعد بها "هرتزل" السلطان عبد الحميد، والذي كان في ذلك الوقت في أشد الحاجة لهما، مما يدل على عظيم أمانته وعقله.
ومن أقواله في هذا الصدد:
"اليهود إذا استوطنوا أرضاً تملكوا قدراتها خلال وقت قصير، ولذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت".
وقال أيضاً: "لن يستطيع رئيس الصهاينة "هرتزل" أن يقنعني بأفكاره... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أموراً مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين... إنني أدرك أطماعهم جيداً، ولكن اليهود سطحيون في ظنهم أني سأقبل بمحاولاتهم".
وأرسل إلى "هرتزل" قائلاً له: "لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأرض المقدسة؛ لأنها ليست ملكي".
بعد ما يئست الصهيونية اليهودية من السلطان عبد الحميد سعوا في إثارة القلاقل ودعم أعداء السلطان في الداخل -خاصة حزب الاتحاد والترقي-، فلا عجب بعد ذلك أن تكون "سلانيك" -بلدة شمال اليونان- والتي كان يقطنها كثير من يهود الدونمة الذين تظاهروا بالإسلام مكراً وخداعاً هي نفس البلدة التي خرج منها عسكر الاتحاد والترقي إلى "إستانبول" لعزل السلطان عبد الحميد، وإلغاء الخلافة الإسلامية بعد ذلك، وتمرير المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
لقد أصبح بادياً لكل ذي عين أن الصهيونية اليهودية رغم اختلافها ظاهرياً عن العلمانية اللا دينية إلا أنها استخدمتها لضرب الخلافة وإفساد العالم الإسلامي، وإقامة دولة يهودية على حساب أراضي المسلمين وثرواتهم.
وقد أشار السلطان عبد الحميد -رحمه الله- إلى تلك العلاقة بين العلمانية والصهيونية في إحدى رسائله فقال: "إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة "فلسطين"، ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلن أسود صحائف المسلمين.
وبعد جوابي هذا اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى "سلانيك" وحمدت المولى وأحمده أني لم أقبل بأن ألطخ العالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية بالأراضي المقدسة... فلسطين".
"بوكو"حرام وشرطة الإجرام !!
"بوكو"حرام وشرطة الإجرام !!
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : موقع المسلم
كانت قناة الجزيرة معذورة وهي تحذّر مشاهديها من بشاعة اللقطات التي بثتها عن مجزرة رهيبة أقدم عليها مجرمون ينتسبون إلى الشرطة النيجيرية، إذ اغتالوا بدم بارد وقلوب متحجرة-بل أشد قسوة-نحو ألف من المدنيين العزل، من مواطنيهم الذين يُفترض في الضباط والجنود المجرمين أن يحفظوا أمن هؤلاء المساكين. بل إن القتلة يتقاضون رواتبهم على ذلك الواجب، الذي أقسموا على أن يؤدوه بأمانة!!
وأسهم في هذا"الشرف"الوضيع الجيش النيجيري، مع العلم بأن للجيش في أي بلد طبيعي مهمة أساسية إن لم تكن وحيدة هي حماية البلد من أي عدوان خارجي، لكن تجارب التغريب في ديار المسلمين جعلت للجيوش المتغربة واجباً يتيماً هو افتراس مواطنيه والاستئساد على شعبه، والتخاذل في مواجهة الغزاة الخارجيين!! والاتهام لهؤلاء القتلى غير المقاتلين أنهم أعضاء في جماعة (بوكو حرام) التي تدعو إلى تطبيق الشريعة في البلاد.
أجل! قتل المجرمون ألف إنسان من المدنيين العزل، وكثير منهم-بحسب الصور الموثقة-كانوا من المعوقين، الذين قد يعف عن أكلهم وحشٌ جائع! بل إن انعدام الضمير وتبلد المشاعر، وصل بأحد القتلة إلى أن يمارس نذالته باصطناع السخرية، إذ يطلب من أحد شركائه ألا يصوّب رصاصه إلى رأس أحد الضحايا لأن الجلاد الجبان يريد الاستيلاء على قبعته!! ووالله لو ورد ذلك في تمثيلية لكان مفزعاً ولكانت هي رديئة واستفزازية لكل من كان لديه بقية من حس إنساني.
ولا يسألن سائل عن موقف الغرب المنافق، ولا مجلس الظلم"الأمن"الدولي، ولا دجال محكمة الجنايات الدولية المتاجر برداء العدالة، والمشغول بمطاردة الرئيس السوداني لأن سادة أوكامبو في الغرب يمقتون البشير. فالقتلة الهمج يدركون مسبقاً أن عواصم الكره الكبرى لن تسألهم عن جريمتهم، بل ربما كان حرص الأدوات النيجيرية على كسب مزيد من رضا الغرب عنهم أحد أبرز دوافعهم لارتكاب تلك الفعلة المخزية.
كما أن من السذاجة البحث عن أي دور إيجابي للإعلام الغربي صاحب الشعارات الرنانة لتعرية مجزرة لا ترتكبها الوحوش الكاسرة في الغاب، بالرغم من انقضاء بضعة شهور عليها. فذالك الإعلام مشغول غالباً بالتوافه، أما في الفظائع فهو يسلك وفقاً لموازينه الانتقائية:إذا وقعت من مسلم مخالفة مرورية فيجب تضخيمها لتغدو كارثة بشعة، مع نسبتها إلى دينه، أما المذابح اليهودية والصليبية فهي أنباء عابرة عند الاضطرار بعد أن بات لدى بعض المسلمين وسائل إعلام تستطيع فضح المستور.
ومما يؤكد نفاق الغرب المسيطر فوق كل ما سلف، الغياب التام لجميع المنظمات الإقليمية والدولية التي ينبغي لها تعليق عضوية نيجيريا حتى تقتص من المجرمين.
إن هذه المجزرة النكراء صورة نموذجية لحصاد التغريب في بلاد الإسلام، فلا قيمة للإنسان إلا إذا كان غربي الملامح أو يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً أو هندوسياً، وباختصار شديد:المهم ألا يكون مسلماً!!أما إن كان مسلماً متديناً فدمه حلال بلا سؤال ولا محاكمة ولا شيء من ذلك الترف الخاص بالجنسيات والانتماءات المرضيّ عنها من قبل السادة.
فنيجيريا بلد مسلم في أكثريته، لكن الهيمنة الفعلية فيه معقودة لعبدة الصليب وأدوات التغريب،
ولذلك يعيش المسلمون في غربة وهوان ويلاقون عنتاً لا يعلم مداه إلا الله.
والواقعة الرهيبة هي ليست سوى عنوان يلخص حالة فاقعة من حالات الهوس الصليبي اليهودي في كراهية الإسلام ومطاردة المسلمين باسم مكافحة الإرهاب، من حظر المآذن تارة وقمع الحجاب تارة أخرى والضغط لمنع ذكر الدين في بطاقات الهوية الشخصية ....
لكنها في الوقت ذاته، موعظة للنظم التي تلهث وراء الغرب، فجماعة (بوكو حرام)بدأت بعشرات من الشباب المتحمسين لكن بطش الجيش والشرطة قادها إلى الارتماء في حضن القاعدة فاغتيال زعيمها وهو مكبل اليدين ثم ادعاء الجيش أنه لقي مصرعه في معركة ثم الفتك بألف مدني أعزل دفعا الشباب إلى الغلو وليس العكس أي أن الانتماء إلى القاعدة جاء نتيجة ولم يكن سبباً في البدء. وها هم المراقبون غير المسلمين يتوقعون بأن السلوك الشائن للجيش والشرطة النيجيريين سوف يضاعف من انتشار الغلو بين المسلمين هناك!! فهل من متعظ؟
30/2/1431 هـ
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : موقع المسلم
كانت قناة الجزيرة معذورة وهي تحذّر مشاهديها من بشاعة اللقطات التي بثتها عن مجزرة رهيبة أقدم عليها مجرمون ينتسبون إلى الشرطة النيجيرية، إذ اغتالوا بدم بارد وقلوب متحجرة-بل أشد قسوة-نحو ألف من المدنيين العزل، من مواطنيهم الذين يُفترض في الضباط والجنود المجرمين أن يحفظوا أمن هؤلاء المساكين. بل إن القتلة يتقاضون رواتبهم على ذلك الواجب، الذي أقسموا على أن يؤدوه بأمانة!!
وأسهم في هذا"الشرف"الوضيع الجيش النيجيري، مع العلم بأن للجيش في أي بلد طبيعي مهمة أساسية إن لم تكن وحيدة هي حماية البلد من أي عدوان خارجي، لكن تجارب التغريب في ديار المسلمين جعلت للجيوش المتغربة واجباً يتيماً هو افتراس مواطنيه والاستئساد على شعبه، والتخاذل في مواجهة الغزاة الخارجيين!! والاتهام لهؤلاء القتلى غير المقاتلين أنهم أعضاء في جماعة (بوكو حرام) التي تدعو إلى تطبيق الشريعة في البلاد.
أجل! قتل المجرمون ألف إنسان من المدنيين العزل، وكثير منهم-بحسب الصور الموثقة-كانوا من المعوقين، الذين قد يعف عن أكلهم وحشٌ جائع! بل إن انعدام الضمير وتبلد المشاعر، وصل بأحد القتلة إلى أن يمارس نذالته باصطناع السخرية، إذ يطلب من أحد شركائه ألا يصوّب رصاصه إلى رأس أحد الضحايا لأن الجلاد الجبان يريد الاستيلاء على قبعته!! ووالله لو ورد ذلك في تمثيلية لكان مفزعاً ولكانت هي رديئة واستفزازية لكل من كان لديه بقية من حس إنساني.
ولا يسألن سائل عن موقف الغرب المنافق، ولا مجلس الظلم"الأمن"الدولي، ولا دجال محكمة الجنايات الدولية المتاجر برداء العدالة، والمشغول بمطاردة الرئيس السوداني لأن سادة أوكامبو في الغرب يمقتون البشير. فالقتلة الهمج يدركون مسبقاً أن عواصم الكره الكبرى لن تسألهم عن جريمتهم، بل ربما كان حرص الأدوات النيجيرية على كسب مزيد من رضا الغرب عنهم أحد أبرز دوافعهم لارتكاب تلك الفعلة المخزية.
كما أن من السذاجة البحث عن أي دور إيجابي للإعلام الغربي صاحب الشعارات الرنانة لتعرية مجزرة لا ترتكبها الوحوش الكاسرة في الغاب، بالرغم من انقضاء بضعة شهور عليها. فذالك الإعلام مشغول غالباً بالتوافه، أما في الفظائع فهو يسلك وفقاً لموازينه الانتقائية:إذا وقعت من مسلم مخالفة مرورية فيجب تضخيمها لتغدو كارثة بشعة، مع نسبتها إلى دينه، أما المذابح اليهودية والصليبية فهي أنباء عابرة عند الاضطرار بعد أن بات لدى بعض المسلمين وسائل إعلام تستطيع فضح المستور.
ومما يؤكد نفاق الغرب المسيطر فوق كل ما سلف، الغياب التام لجميع المنظمات الإقليمية والدولية التي ينبغي لها تعليق عضوية نيجيريا حتى تقتص من المجرمين.
إن هذه المجزرة النكراء صورة نموذجية لحصاد التغريب في بلاد الإسلام، فلا قيمة للإنسان إلا إذا كان غربي الملامح أو يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً أو هندوسياً، وباختصار شديد:المهم ألا يكون مسلماً!!أما إن كان مسلماً متديناً فدمه حلال بلا سؤال ولا محاكمة ولا شيء من ذلك الترف الخاص بالجنسيات والانتماءات المرضيّ عنها من قبل السادة.
فنيجيريا بلد مسلم في أكثريته، لكن الهيمنة الفعلية فيه معقودة لعبدة الصليب وأدوات التغريب،
ولذلك يعيش المسلمون في غربة وهوان ويلاقون عنتاً لا يعلم مداه إلا الله.
والواقعة الرهيبة هي ليست سوى عنوان يلخص حالة فاقعة من حالات الهوس الصليبي اليهودي في كراهية الإسلام ومطاردة المسلمين باسم مكافحة الإرهاب، من حظر المآذن تارة وقمع الحجاب تارة أخرى والضغط لمنع ذكر الدين في بطاقات الهوية الشخصية ....
لكنها في الوقت ذاته، موعظة للنظم التي تلهث وراء الغرب، فجماعة (بوكو حرام)بدأت بعشرات من الشباب المتحمسين لكن بطش الجيش والشرطة قادها إلى الارتماء في حضن القاعدة فاغتيال زعيمها وهو مكبل اليدين ثم ادعاء الجيش أنه لقي مصرعه في معركة ثم الفتك بألف مدني أعزل دفعا الشباب إلى الغلو وليس العكس أي أن الانتماء إلى القاعدة جاء نتيجة ولم يكن سبباً في البدء. وها هم المراقبون غير المسلمين يتوقعون بأن السلوك الشائن للجيش والشرطة النيجيريين سوف يضاعف من انتشار الغلو بين المسلمين هناك!! فهل من متعظ؟
30/2/1431 هـ
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)