فضائح الفاتيكان في الفاحشة واغتصاب الولدان
ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 08 - 05 - 2010
نقلا عن : بليل عبد الكريم - موقع الألوكة
شاع في هذه الأيَّام عبرَ قنوات فضائية فضيحةُ كشفِ وكالة (أسوشيتد برس للأخبار) وثيقةً تبيِّن تهاون البابا الحالي في اتِّخاذ إجراءاتٍ عقابيةً ضدَّ القساوسة الذين اغتصبوا أطفالاً، وراح بعضُ النصارى يدافع ويردُّ أنَّ هذه مؤامَرة، وبالطَّبْع - كالعادة - لم تُقيَّد ضدَّ مجهول، ففزَّاعة اليد الخفية موجودة، فراحوا يَكيلون للصِّهْيونيَّة التهمة بالتشهير، ودليلهم: لماذا الآن بالذات؟! وزعموا أنَّه لا يَحِقُّ اتهام (أعظم مؤسسة دينية في تاريخ البشرية) بخطايا قلَّة منها.
لكن السؤال الذي يرد عليهم: ولِمَ لم تصحِّحوا خطاياكم حتى الآن؟!
غير أني أريد في عجالة كشْف فضائحهم فإنَّ تلك الفضائح غَيْض من فَيْض، وفضائح الكنيسة مع الفُحْش والزنا والشذوذ قديمة وكثيرة، بل أيديولجيا الدِّيانة نفسها لا تُنكر على من قارف الزِّنا واللواط، بل تسكت، فكيف ينكرون وكتابهم (المقدَّس) مدنَّس بزنا الأنبياء –كما افتروا- حتى مع المحارِم، والفاحشة الكبرى، والاغتصاب؟!
وإن تعجب، فعجبٌ قولهم: إنَّ تعدد الزوجات ظلمٌ للمرأة، وتعدُّد الخَدينات حرية جنسية!!
تاريخ الفاتيكان مع الفاحشة[1]:
"إنَّ الربَّ والكنيسة لا يَحميان الأفراد أبدًا - بما في ذلك كِبار موظفي الكنيسة - مِن ممارسة أبشع أنواع السُّلوك المنحرِف"؛ هيرمان هيسي (روائي وشاعر ألماني).
"إنَّ شهادة التعميد تُعتبر بطاقة الهُويَّة في هذه الدولة، والزواج لا يتمُّ إلا في الكنيسة، والطلاق أمرٌ مكروه، بينما الزواج الوحشي – الاغتصاب - مألوف"؛ ليوبولد ليدل (وسيط للفاتيكان).
"... أعتقد أنَّه دفع لكي يوفِّروا على الفاتيكان عناءَ الاعتراف بشكل علني أو سري، إنه باع بوعي أوراقًا مزوَّرة، وأنه شريكٌ للمافيا الأمريكية في جرائمها.."؛ بروش (من كبار مسؤولي CIA).
يقول لويس عوض في كتابه "ثورة الفكر": "كانتِ الفضائح في روما مركز البابوية تُزكِم الأنوف، فالأصل في العقيدة الكاثوليكية: أنَّ رجال الدين لا يتزوَّجون، وأنَّ الرهبان، ومنهم الكرادلة والباباوات، ينذرون لله ثلاثةَ نذور يوم يدخلون باب الدير: نذر العفَّة، ونذر الفقر، ونذر الطاعة.
وها نحن نرى البابا إسكندر السادس (1431 - 1503م) جهارًا نهارًا، له ثلاثة أولاد غير شرعيِّين هم: سيزار بورجيا دوق أوربينو (1475-1507)، ولوكريس بورجيا (1480-1519)، ودون كانديا.
وكانت خلافة البابا أينوتشنتو الثامن (من 1484 إلى 1492) فاقعةَ الفساد، كولاية خلفه زِير النِّساء البابا إسكندر السادس، فقد اشتهر أينوتشنتو الثامن بأنَّه رجل المحسوبية، وخراب الذِّمة، كما أنَّه كان أولَ بابا يعترف علنًا بأبنائه غير الشرعيِّين، وكان دأبه توسيعَ أملاك أسرته، كما كان يتغاضى عن الشُّذوذ الجنسي، دون أدْنى مبالاة"[2].
وكتب القدِّيس أوغسطين دفاعًا عن مواخير الدعارة يقول: "إذا مُنِعت العاهرات والمواخير، اضطربتِ الدنيا مِن شدَّة الشبق"، ووافقه على ذلك القدِّيس تومس أكويناس، وكان في لندن في القرن الثاني عشر صفٌّ من "المواخير" بالقرب من جسر لندن، وقد أجاز أسقف ونشستر في بادئ الأمر قيامَها، ثم صدَّق البرلمان على قيامها فيما بعد.
وكان في روما - كما يقول الأسقف دوران الثاني المندى Bishop Durand II of Mende1311 - مواخير بالقُرْب من الفاتيكان، وقد أجاز رجال البابا إقامتَها نظيرَ ما يتقاضون من الأجور، وكانت الكنيسة تُظهِر العطف على العاهرات[3].
وتمشَّى العهر مع مطالب ذلك الوقت، فقد كان بعضُ النِّساء الذاهبات إلى الحج يكسبن نفقة الطريق - كما يقول الأسقف بنيفاس - ببَيْع أجسادهن في المدن القائمة في طريقهم.
وكان كلُّ جيش يتعقبه آخَر مِن العاهرات، لا يقلُّ خطرًا عن جيش أعدائه، ويُحدِّثنا ألبرت من أهل إيكس Aix فيقول: إنَّ "الصليبيين كان بين صفوفهم جمعٌ حاشِد من النساء في ثياب الرِّجال، يسافرنَ معهم دون أن يُميَّزْن عنهم، ويغتنمنَ الفرصة التي تُتاح لهم مع الرِّجال".
ويقول المؤرِّخ العربي عماد الدين: إنَّه في أثناء حِصار عكَّا حضرتْ ثلاثمائة من الفَرنسيات الحسان؛ ليروحْنَ عن الجنود الفرنسيين؛ لأنَّ هؤلاء أبوا أن يخرجوا للقِتال إذا حُرِموا لذَّة النساء.
ويقول جرانفيل: إنَّ الأشراف الذين كانوا مع القدِّيس لويس في حرْبه الصليبية "أقاموا مواخيرَهم حولَ خيمة الملِك".
وكان طلبة الجامعات، وبخاصَّة في باريس، ممن استبدتْ بهم الحاجة إلى هذا الترفيه، أو رَغِبوا في محاكاة غيرهم فيه، ولهذا أنشأتِ الفتيات مراكزَ لسدِّ هذه الحاجة[4].
يقول الراهب جيروم في كشْفه عن منابع الفساد في مركز الدِّيانة النصرانية: إنَّ عيْش القساوس ونعيمَهم كان يُزري بترف الأغنياء والأمراء، ولقد انحطَّتْ أخلاق البابوية انحطاطًا عظيمًا، واستحوذ عليهم الجشع، وحُبُّ المال، وعَدَوْا أطوارهم، حتى كانوا يبيعون المناصبَ والوظائف في المزاد العلني، ويُؤجِّرون الجنة بالصكوك، ويأذنون بنقضِ القوانين، ويمنحون شهادات النجاة، وإجازة حِلِّ المحرَّمات والمحظورات، ولا يتورَّعون عن التعامل بالرِّبا والرِّشوة، ولقد بلغ مِن تبذيرهم للمال: أنَّ البابا أينوسنت الثامن اضطر إلى أن يرهن تاجَ البابوية، ويُذكَر عن البابا ليو العاشر أنَّه أنفق ما ترك سلفُه من ثروة، بالإضافة إلى دخْله وإيراد خليفته المنتظر.
وكانوا يَفرِضون الإتاواتِ على الناس، ويستخدمون أبشعَ الوسائل في استيفائها من الأغنياء والفقراء على السواء، ولا يأنفون مِن استيفاء هذه الإتاوات والضرائب حتى مِن البغايا، اللواتي يستخدمنَ أعراضهنَّ للحصول على المعيشة، بل كانوا يُشجِّعون على البِغاء العلني، بإعطاء التراخيص والإجازات لِمَن يريد مِن العاهرات ممارسةَ مهنة البغاء[5].
وقد أُحْصِي عدد مَن حصلن على التراخيص في عهْد أحد الباباوات، فوجد أنَّ عددهن يتجاوز 16000 امرأة في مدينة روما وحدَها.
والبابا يوحنا الثاني كان خليعًا ماجنًا، اتهم من قِبَل أربعين أسقفًا، وسبعة عشر كردينالاً بأنَّه فسق بعِدَّة نساء، وأنه قلَّد مطرانية (طودى) لغلام كان سِنُّه عشرين سنة، ثم قُتِلَ وهو متلبس بجريمة الزِّنا مع امرأة، وكان القاتل له زوجَها[6].
والبابا أينوسنت الرابع كان متهمًا بالرِّشوة والفساد، والبابا أكليمنضوس الخامس عشر كان يجول في فِيينا وليون لجمْع المال مع عشيقته، والبابا يوحنا الثالث والعشرون متَّهم بأنه سَمَّ سلفَه، وأنه باع الوظائف الكنسية، وأنه كان كافرًا ولوطيًّا.
أما شيوع الفساد والإباحية في الأديرة، فأعظمُ مِن أن تُحيط بسرده المجلَّدات، وهو قديم قدمَ تحريمهم للزواج على أنفسهم، أورد القاضي عبدالجبار الهمداني في كتاب (تثبيت دلائل النبوة) ما يلي: ومِن سيرتهم: أنَّ النساء الديرانيات العابدات يطفْنَ على الرهبان الذين انقطعوا في الأديرة، ويبحنَ أعراضهنَّ رحمةً بهم، ومَن فعل هذا منهنَّ كان عندهم مشكورًا محمودًا، ويُدْعى له بالخير، ويُقال للفاعلة: (لا يَنسى لكِ المسيح هذه الرأفةَ والرحمة).
وقد وجد المنقِّبون عن الآثار في بعض الأديرة في فرنسا (عظامَ أطفال) وُئِدوا بعدَ ولادتهم؛ إذِ الأمهات مشغولات بالعبادة، أما الآباء فإنَّهم كالبهائم لا يَعنيهم إلا فِعْل الرذيلة، وليكن بعد ذلك ما يكون.
الفاتيكان المعاصر بالفضائح محاصر:
حسب وكالة أسوشيتدت برس: 167 قسًّا كاثوليكيًّا نُقلوا من مواقعهم الكنسية بسبب تفجُّر فضيحة الاعتداءات الجِنسية على الأطفال، التي ضربت الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا.
260 سُلِّمت أوراقهم إلى الشرطة.
550 شخصًا أثاروا مزاعمَ ضدَّ رجال دِين مسيحيين في ولايتين فقط.
30 مليون دولار تمَّ دفعها مِن قبل إبراشية رئيس الأساقفة الكاثوليك في بوسطن للعشرات مِن الأشخاص الذين تعرَّضوا للتحرُّش على يد كاهن.
35 طفلاً حصيلة الاعتداءات الجِنسية من قِسٍّ كاثوليكي (جيلبرت جوت) في لويزيانا[7].
وقال أحدُ الصحفيين الفرنسيين: إنَّ البابوات يمارسون علاقاتٍ جنسيةً شاذَّة، وقد أيَّدت مجلة (تيمبو) الإيطالية هذا النبأ، واعتبرتْه أحد الأسباب التي دفعتِ البابا إلى تحريف تعاليم الكنيسة لصالح اليهود؛ خوفًا من التشهير والفضائح[8].
وفى مقالة نشَرَها موقع (إسلام أون لاين.نت) 21-3-2001، بعنوان "الفاتيكان": القساوسة يعتدون على الراهبات، كشَف تقرير صادر من الفاتيكان عن قيام الكثير مِن القساوسة والأساقفة في الكنائس الكاثوليكيَّة بالاعتداء الجِنسي على الراهبات، واغتصابهنَّ وإجبارهنَّ على الإجهاض أو تناول حبوب منْع الحمل.
وفى تقرير آخر نشرتْه صحيفة "لاريبابليكا" الإيطالية الصادرة عن الفاتيكان الأربعاء 21-3-2001: أنَّ هؤلاء القساوسة والأساقفة يستغلُّون سلطاتهم الدينية التي يتمتَّعون بها في العديد من الدول، خاصَّة دول العالَم النامي؛ لممارسة الجِنس مع الراهبات رغمًا عنهنَّ، مشيرًا إلى أنَّه تمَّ الكشف عن العديد من حالات الاعتداء في 23 دولة، منها: الولايات المتحدة، البرازيل، الفليبين، الهند وأيرلندا، وإيطاليا، بل وداخل الكنيسة الكاثوليكية (الفاتيكان) نفسها، بالإضافة إلى العديد من الدول الإفريقية!!
وتم الكشْف عن عدد لا حصرَ له من حالات الاعتداء الجِنسي من جانب القساوسة، الذين يقومون بإجبار هؤلاء الراهبات، إما على تناوُل حبوب منْع الحمل، أو الإجهاض لمنْع الفضيحة، وإحدى الراهبات الأم بكنيسة - لم يتمَّ ذِكْر اسمها - أقرَّتْ بأن القساوسة في الكنيسة التي تعمل بها قاموا بالاعتداء على 29 مِن الراهبات الموجودات في الأسقفية، وعندما أثارتِ الراهبة هذا الأمرَ مع كبير أساقفة الكنسية، تمَّ فصْلُها من وظيفتها، وبعد اكتشاف مثل تلك الحالات، يتمُّ إرسال القساوسة المسؤولين عن تلك الاعتداءات: إما للدِّراسة خارجَ الدولة، أو لكنيسة أخرى لفترة قصيرة، أما الراهبات - اللاتي يخشين العودةَ إلى منازلهنَّ - فيتم إجبارهنَّ على ترْك الكنسية، ويتحولْنَ في أغلب الأحيان إلى عاهرات.
والفاتيكان يُراقِب الموقف، إلا أنَّه لم يتخذ حتى الآن أيَّ ردِّ فعْل مباشر، وفي كنيسة أخرى - طبقًا للتقرير - طالب القساوسة الموجودون بها بتوفير راهباتٍ للخِدْمات الجنسية!!
أما في النمسا فتتعرَّض الكنيسة الكاثوليكية حاليًّا لهزة جديدة، بعدَ موجة الفضائح غير الأخلاقية التي اجتاحتها في السنوات الأربع الماضية؛ إذ تجدَّد الحديث عن الفضائح الداخلية؛ إثْر كشف أجهزة الأمن النمساوية قيامَ مسؤول (قسيس) في سكن كاثوليكي داخلي في بلدة "برامبا خكيرخن" بتخزين وتبادُل موادَّ إباحية مصوَّرة، تستغلُّ الأطفال جنسيًّا عبر شبكة المعلومات الدولية "إنترنت"، وذلك بالتعاون مع أربعة أشخاص آخرين، وتُحقِّق الشرطة مع القسيس؛ للنظر في اتِّهامات موجَّهة إليه باستغلال دوره كمربٍّ للأطفال في السكن للاعتداء على عددٍ منهم جنسيًّا، وشكَّلت تلك الأنباءُ صدمةً لأهالي منطقة "برامبا خكيرخن" الواقعة في مقاطعة النمسا العليا، وقامتِ الشرطة بجمع إفادات 100 طفل من الملتحقين بالسَّكن الداخلي المذكور؛ للوقوف على حجم الاعتداءات الجنسية المرتكبة بحقهم.
وما زالت الكنيسة تُعاني مِن تبعات الكشف في عام 1995م عن قيام أسقف فيينا الأسبق (هيرمان جرور) بالاعتداء جنسيًّا على أطفال في دير "هولابرونش"، ولم تبتَّ الكنيسة في القضية، واكتفت بإعفاء (جرور) من منصبه كأسقف للعاصمة النمساوية.
وفى روما كشف أحدُ كتَّاب السيرة البابوية عن أنَّ معظم قساوسة الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا "الفاتيكان" يُمارِسون العاداتِ الجنسيةَ الشاذة[9].
وذكر "ماركو بوليتي" كاتب السيرة البابوية في أحْدث كتبه "الاعتراف": أنَّه توجد شبكة كبيرة مِن القساوسة، ورجال الدين بالكنيسة الكاثوليكية في روما في مناصب مختلفة، يُمارِسون العاداتِ الجِنسيةَ الشاذَّة، ويعيشون في حالة من الرُّعب؛ خوفًا من كشف أمرهم.
وأشار "بوليتي" الذي يُغطِّي شؤون الفاتيكان في جريدة "لا ريبابليكا": أنَّه وجد صعوبة في العثور على ناشِر لنشر هذا الكتاب الذي باع منه (5) آلاف نُسخة في 3 أسابيع، مشيرًا إلى أنَّه بالرغم من ذلك، فإنَّ الكتاب لقي هجومًا شديدًا من جانب الفاتيكان، وقال "أنتوني مازي" أحد قساوسة الفاتيكان المعروفين، والذي يُدير جماعةً لمكافحة المخدرات: إنَّه يعرف العديدَ من القساوسة الذين يُمارِسون مثلَ هذه العادات الشاذَّة، ومعظمهم مِن الشباب، مشدِّدًا على خطورة هذه الظاهرة الآخِذة في الانتشار.
وقد جاء نشْر هذا الكتاب بعدَ الجِدال الحاد الذي أُثير بشأن مسألة الشذوذ الجنسي في إيطاليا، التي روَّجتْها مهرجانات واحتفالات الشواذِّ في روما، وأدانها البابا.
وقد نشَرتْ "مفكرة الإسلام" فضيحةً جديدة عن قِسٍ بروتستانتي: ينتظر القس البروتستانتي "جارت ستيفن هاوكينس" - 58 عامًا - الحُكم عليه، بعد وضْعه تحت الحراسة لثبوت ارتكابه لـ 26 جريمة غير أخلاقية، وطبقًا لصحيفة "ذي أستراليان"، فإنَّ هاوكينس الأسترالي الجِنسية، متَّهم بارْتكاب 13 جريمة اغتصاب، و11 اعتداءً مخلاًّ بالآداب، وتُهمَتين بالتحريض على الفاحشة، ويقول الادعاء: إنَّ القس المتهم قد ارتكب هذه الجرائمَ في الفترة ما بيْن عامي: 1974 و1984[10].
الكنيسة واغتصاب الأطفال:
نشرت مجلة (التايم الأمريكية) ملفًّا شاملاً عن هذا الموضوع أعدَّتْه الكاتبة جوانا ماكجيري، تقول فيه:
"بعدما كثرتْ وتزايدتِ الاتهامات بالاعتداءات الجِنسيَّة التي يرتكبها الرُّهبانُ الكاثوليك، وبعد التستُّر الرسمي عليها، طالَب الرومان الكاثوليك الغاضبون قادتَهم ورؤساءهم بإصلاح الدِّين النصراني.
فالصَّدمة هي أنَّ حالات كثيرة من هذا القبيل انتشرت كفيروس قاتِل في نظر الرأي العام، فالأمر لم يَعُدْ يقتصر على بوسطن، بل تعدَّاه إلى لوس أنجلس، وسانت لويس، ومينوستا، وفيلادلفيا، وبالما بيتش، وفلوريدا، وواشنطن، وبورتلاند، وماين، وبرايدج بورت، وكونكنتيكت.
والمريع في كلِّ هذه الحالات ليس تفرُّدها بهذه القضية، بل في الشبه المرعِب بينها، فقد تنوَّعت وتعدَّدت الاتِّهامات الموجَّهة للرهبان الكاثوليك بالاعتداء الجِنسي على الأطفال، واتِّهامات للكنيسة بالتستُّر عليها، سواء القضايا التي تورَّط فيها الأبُ دان، أو أوليفر، أو روكو، أو بريت".
وتمَّ اتهام 2000 من القساوسة بالاعتداءات الجِنسية على الأطفال في كلِّ البلاد، وارْتفاع خطير لعدد المكالمات الساخِنة لضحايا هذه الاعتداءات[11]، الأمر ليس كما صوَّره الكاردينال بيرنارد لو في بوسطن بالخطأ الكارثي، ولكنَّه ضربةٌ قاصمة للجهاز المالي والرُّوحي للمؤسَّسة الكنسية أيضًا، وإحباط كبير لكلِّ رجل يلبس (الياقة) الرومانية، وحقيقة دمَّرتْ حياةَ العديد من الناس، وتزعزعتِ الثقة ومصداقية الكنيسة في معالجة المشاكِل الاجتماعية.
ووافقتِ الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا على دفْع مبلغ 110 مليون دولار لأطفال استُغلُّوا جنسيًّا من قِبل رجال دِين على مرِّ عقود؛ إذ أُدِين أكثرُ من 20 رجلَ دين وراهبة بإرْغام أطفال على ممارسة الجِنس.
ووافقتْ أبرشية بوسطن الأمريكية على دفْع ما بين 15 مليون إلى 30 مليون دولار إلى عشرات مِن الأشخاص؛ لتسوية دعاوى بأنَّ قِسًّا استغلهم جنسيًّا حين كانوا أطفالاً[12].
وعُوقِب القِسُّ المفصول حاليًّا جون جيجان بالسجن 10 سنوات؛ بسبب إرغامه طفلاً صغيرًا على ممارسة الجِنس، وقد اتَّهمه 200 ضحية، كما اتَّهموا قساوسةً آخرين في بوسطن باستغلالهم جنسيًّا، ولطَّخت القضية سُمعةَ كاردينال بوسطن برنارد لو، الذي يُقال: إنَّ البابا يُقدِّره.
وقد قالت صحيفة بوسطن جلوب، التي قادتْ تحقيقًا موسعًا في القضية: إن الكاردينال" لُو" علم بأمْر جون جيجان، لكنَّه نقَلَه من أبرشية إلى أخرى، دون أن يُبعِده عن الأطفال.
وسيواجه الأسقفُ بيير بيكان عقوبةَ السجن ثلاث سنوات، إذا ثبتتْ إدانته أمام المحكمة.
وكان قسيس يُدْعى (رينيه بيزى) يعمل تحت بيكان، حُكم عليه بثماني عشرة سَنةً سجنًا في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي؛ لارتكابه 11 عملية اغتصاب وتحرُّش جنسي بأطفال قُصَّر أثناء فترة عمله في أبرشية نورماندي بيْن عامي 1987 و1996.
ويَتمسَّك آباء الضحايا بمحاكمة بيكان؛ لعدم تبليغه عن ممارسات بيزى الشاذَّة، وبدلاً من ذلك قام بإرساله لتلقِّي العلاج النفسي لستة أشهر، ممَّا اعتُبر إساءةً إلى أقارب الضحايا، والرأي العام، بينما يرى محامي بيكان: أنَّ القضية تمس حقَّ الأسقف في التكتُّم على أسرار معاونيه.
ويقول أحدُ آباء الضحايا: إنَّهم لا يرومون من محاكمة بيكان سجنَه، وإنَّما لإجراء تغييرات جذريَّة في نِظام الكنائس في فرنسا، وكان الأساقفة الفرنسيُّون قد وعدوا بعدَ الكشْف عن ممارسات رينيه بيزى بالتبليغ عن أي قسيس يرتكب مثلَ هذا النَّوْع من الجرائم.
وشهدتِ الآونة الأخيرة تورُّطَ العديد من القساوسة الكاثوليك في جرائمَ خطيرة، وقد رفضتْ محكمة الاستئناف في باريس استئنافًا تقدَّم به الأب جيان ماري فينسان، الذي حُكِم عليه العام الماضي بالسجن خمسَ سنوات؛ لتحرُّشه بأحد عشر طفلاً من مرتدي القداس بين عامي 1992 و1997.
كما اتَّهمتْ فتاتان توءمان الأسبوع الماضي قِسيسًا يبلغ من العمر الآن 76 عامًا بالاعتداء عليهما قبل 14 عامًا، وكان سنهما آنذاك 13 عامًا، كما تُوجِّهان اتهامهما لأسقف الأبرشية أيضًا بالتستُّر على الجريمة[13].
الفاتيكان يعترف باغتصاب راهبات من قبل قساوسة:
أكَّد موقع (الجزيرة نت) على هذا الكلام، وأضاف تحت عنوان "الفاتيكان يعترف باغتصاب راهبات من قبل قساوسة":
وكانت الاتِّهامات قد ظهرتْ للمرة الأولى في التقرير الكاثوليكي القومي الأسبوعي في مدينة كانساس في 16 مارس/ آذار، ونقلتْه وكالة أنباء أديستا - وهي وكالة إيطالية دِينية صغيرة - ممَّا أدَّى إلى وصوله لأجهزة الإعلام العامَّة.
وقد أعدَّتْ راهبة وطبيبة تُدْعى (ماورا أودونوهو) التقرير، الذي تحدَّث عن حالات محدَّدة بالأسماء، وحالات تورط أصحابها، وقَدَّمتِ الراهبة تقريرَها إلى رئيس مجمع الفاتيكان للأوامر الدِّينية الكاردينال (مارتينز سومالو) في فبراير/ شباط عام 1995، وقد أمر الكاردينال آنذاك بإنشاء فريقِ عمل من المجمع لدراسة المشكلة مع أودونوهو، والتي كانتْ تعمل منسِّقةَ الإيدز في منظَّمة (كافود)، وهي منظَّمة دِينية تابعة لطائفة الرُّوم الكاثوليك، تتَّخذ من لندن مقرًّا لها.
وأشارتْ أودونوهو إلى أدلَّة واضحة على اتهاماتها، وقالت: إنَّه في إحدى الحالات أجبر قسيس راهبة على الإجهاض؛ ممَّا أدَّى إلى موتها، ثم قام بنفسه بعمل قُدَّاس لها.
وبشأن أفريقيا قال تقريرها: إنَّ الراهبات لا يستطعْنَ هناك رفضَ أوامر القساوسة بهذا الشأن، وأكَّدتْ أنَّ عددًا من القساوسة هناك مارسوا الجِنس مع الراهبات؛ خوفًا من إصابتهم بالإيدز إذا "مارسوه مع العاهِرات"، وتُرغم الراهباتُ على تناول حبوب لمنع الحمل، لكنَّها قالت: إنَّ مؤسسة دينية اكتشفت وجود 20 حالة حمل دفعةً واحدةً بيْن راهباتها العاملات هناك! والأسقف المحلي لإحدى المناطق طَرَد رئيسة دير، عندما اشتكتْ له من أنَّ 29 راهبةً من راهبات الدير حبَالَى، بعد أن أرغمنَ على ممارسة الجِنس مع القساوسة.
ونقل عن الأب (روبرت جي فيتيلو)، الذي يترأس حاليًّا حملة الأساقفة الأمريكيِّين من أجل التنمية البشرية، الذي ألْقى محاضرة حولَ المشكلة نفسها في عام 1994م القول: إنَّه سمع شخصيًّا قصصًا مأساوية عن نِساء متدينات أُجبِرْنَ على ممارسة الجِنس مع قساوسة، أو رِجال دِين أقنعوهم بأنَّ ممارسة الجِنس أمرٌ مفيد للطرفين[14].
والنِّساء اللواتي تعرضْنَ لهذه المأساة لم يجدنَ كثيرًا من التعاطُف عندما اشتكين، وهذا نفس ما حدَث في مصر مِن لجوء سيِّدة مصرية لأرفع المناصِب في الكنيسة، شاكيةً الراهب برسوم، ولم تجد التعاطف أو ردَّ فعْل يمنع عنها هذه المصيبة.
وقال مسؤولون قانونيُّون في فرنسا: إنَّ أوامرَ صدرت إلى أسقف فرنسي للمثول أمامَ القضاء؛ لمحاكمته جرَّاءَ عدم قيامه بالإبلاغ عن قسيس تابع له أُدين في تُهم تتعلَّق باغتصاب وممارسة الجنس مع أطفال دون سِنِّ الخامسة عشرة.
ناهيك عن فضائح الراهب المصري برسوم المتَّهم بممارسة الزِّنا مع 5000 امرأة، واستغلال البنات الراغبات في الزواج جنسيًّا، ووضع يدَه على عوراتهنَّ تحت زعم أنَّه يرقيهنَّ لتعجيل زواجهنَّ، وممارسة الدجل والشعوذة، وسرقة عِدَّة كيلوات من الذهب، وممارسته الرذيلة عاريًا داخل قلايته في الدير.
ولا تصدق أنَّه كان معزولاً، فكيف كان يزني داخل قلايته؟! وكيف أدخل المرأةَ التي اتفق معها على ممارسة الرذيلة إلى قلايته مرتديةً ملابس الرهبان؟! وكيف قضى وطرَه من المرأة المتزوِّجة التي كان يبتزُّها بشريط صوَّرها عارية وهى تمارس الرذيلة معه؟! وكيف اختلف مع رئيس الدير على هذه المرأة: كلٌّ منهم يَدَّعي أنه أحق بها؟![15]
وقدَّم البابا (يوحنا بولص الثاني) اعتذارًا لضحايا التحرُّشات الجنسية للكهنة، وغيرهم من رِجال الدين المسيحي في أوَّل رسالة مباشرة يوجِّهها للعالم عبر الإنترنت.
وكانت تقاريرُ صحفيَّة ذكرتْ أنَّ تحرشات جنسية للكهنة والأساقفة بالراهبات وغيرهنَّ من النساء، تجري في أنحاء مختلفة من العالَم، وهو أمرٌ أقرَّ به الفاتيكان.
وقال البابا في جزء من الوثيقة المؤلَّفة من 120 صفحة: "التحرشات الجنسية من بعض رِجال الدِّين سبَّبتْ معاناةً هائلةً، وضررًا رُوحيًّا للضحايا"، وشدَّد البابا على القول: "آباء المجمع الكنسي يَودُّون الاعتذار، دون تحفُّظ للضحايا عن الألَم وخَيْبة الأمل التي أصابتْهم"، وأشار إلى أنَّ الكنيسة في الأوقيانوس تسعَى لِمَا وصفه بأنه "إجراءات صريحة وعادلة" للردِّ على الشكاوى في هذا الشأن.
وجاء الاعتذار الموجَّه لراهبات في العالَم النامي في وثيقة مسهِبة، أصدرها البابا مستعرضًا الموضوعاتِ التي تناولها مجمع كنسي عُقِد في الفاتيكان عام 1998 للأساقفة مِن منطقة الأوقيانوس، التي تتألَّف من أغلب الجُزر الصُّغْرى في المحيط الهادي، ويضم لها أحيانًا أستراليا ونيوزيلندا.
ونشرت مجلَّة ناشيونال كاثوليك ريبورتر الأسبوعية - مقرّها الولايات المتحدة - سلسلةً من الموضوعات عن تقاريرَ داخلية في الفاتيكان بشأن التحرُّش الجنسي للكهنة والأساقفة بالراهبات، وغيرهنَّ من النساء في مختلف أنحاء العالَم، واعترف الفاتيكانُ بوجود المشكلة.
وقالت التقاريرُ الداخلية: إنَّ بعض الكهنة والمبعوثين أجبروا الراهباتِ على ممارسة الجِنس معهم، وفي بعض الحالات اغتصبوهنَّ، وأجبروهنَّ على إجراء عمليات إجهاض، وأشارتِ التقارير إلى حالات في 23 دولة، بينها: الولايات المتحدة والفلبين، وأيرلندا وبابوا، وغينيا الجديدة.
وورد في صحيفة الكنيسة الأسبوعية "ناشيونال كاثوليك ريبورتر" تقريرًا تحت عنوان: "الفاتيكان يهوِّن من اغتصاب الراهبات".
وبيَّنت أنَّها رصدتْ بعض الحالات التي حملت فيها الراهباتُ من القساوسة، ثم أجبرْنَ على الإجهاض، وأشارتِ الصحيفة في موضوعها إلى خمسة تقارير أعدَّها رجالُ دِين كاثوليك في الفترة من 1994م حتى 2002م، وتعقيب للأب جواكين نافار وفولز المتحدِّث باسم الفاتيكان، يؤكِّد فيه عِلمَ قيادة الكنيسة الكاثوليكية بالمشكلة، ولكن أشار إلى أنَّها تنتشرُ في منطقة جغرافية محدودة، يقصد بها الولاياتِ المتحدةَ الأمريكية وإيطاليا، والهند وأيرلندا والبرازيل، من بين ثلاثة وعشرين دولةً أخرى حدَثَتْ فيهم نفسُ المشكلة، لكن في إطار محدود للغاية.
ونقلتِ الصحيفة عن الأب روبرت جي فيتيلو - الذي يرأس حاليًّا حملةَ الأساقفة الأمريكيِّين من أجل التنمية البشرية - في محاضرة ألْقاها عام 1994م حولَ هذه المشكلة، قال فيها: إنَّه سمع بنفسه قصصًا مأساوية عن أخوات راهبات أُجبرْنَ على ممارسة الفاحشة مع قساوسة أو رهبان، أو رجال دين، أقنعوهنَّ بأنَّ ممارستها مفيدة للطرفين، وتضمن واحدٌ من التقارير الخمسة قولاً للراهبة الطبيبة ماورا أودوني: إنَّ أخواتها المتضرِّرات قدَّمْنَ مناشدتهنَّ الحارَّة إلى الكنيسة الأم في روما، يطلبنَ فيها المساعدة، فلم يجدنَ آذانًا صاغية، واكتفتِ الإدارة المسؤولة عن شؤون الراهبات في الفاتيكان في ردٍّ رسمي أنَّهم يعملون على حلِّ هذه المشكلة، منبهًا إلى أهمية ألاَّ تغطيَ هذه القضية على أعمال جيِّدة أخرى يُقدِّمها الرهبان ورجال الدين[16].
إباحيات الكتاب المقدس: [17]
السُّؤال الوارد هنا: هل في الكتاب المقدَّس ما يحدُّ من هذه الأعمال ويُحرِّمها، ثم فكِّر هداك الله: هل الأنبياء في الكتاب المقدس غير معصومين؟
أليس في الكتاب المقدَّس نصوصٌ تورد فواحشَ الأنبياء من زِنًا ولواط واغتصاب، والفاحشة مع المحارم، أيؤمِن معشر النصارى أنَّ من الأنبياء الزاني، ومنهم القاتل، ومنهم الديوث، ومنهم الكافر، ثم يَطلُعون علينا بعِصمة الباباوات أو القساوسة أو الأساقفة؟!
ما لكم كيف تحكمون؟!
بالله عليكم، واحدة واحدة، خذوا معنا هذه الصورة، يتنصر أحدُ الفتيان ثم يترهَّب، فيروح يقرأ الكتاب المقدَّس في خلواته، ثم يجد التالي:
إباحية الأنبياء:
1- وَشَاخَ الْمَلِكُ دَاوُدُ، تَقَدَّمَ فِي الأَيَّامِ، وَكَانُوا يُغَطُّونَهُ بِالثِّيَابِ فَلَمْ يَدْفَأْ.
2- فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: لِيُفَتِّشُوا لِسَيِّدِنَا الْمَلِكِ عَلَى فَتَاةٍ عَذْرَاءَ، فَلْتَقِفْ أَمَامَ الْمَلِكِ، وَلْتَكُنْ لَهُ حَاضِنَةً، وَلْتَضْطَجِعْ فِي حِضْنِكَ، فَيَدْفَأَ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ.
ملوك الأول 1: 1-2.
فهل تؤمِن حقًّا أنَّ الرب أوْحى أن تنامَ فتاةٌ عذراء في حِضن النبي داود؟ هل يَحِلُّ له دون غيره؟!
أليس هذا ممَّا يُثير شهوةَ الفتية في الصلوات؛ فكيف به في خلواته؟! وخلف الحجرات راهبات، وله مطلق الصلاحيات، أليس القِسُّ ذو الشيبة أحقَّ بمثل هذا الحِضن؟!
والنص ليس بِدعًا من الكلام، ولا سقطات فاسق، أو زلَّة لسان، ولا تتحذلق أنَّ هذا من كلام العبيد، فهل يجرؤ عبدٌ أن يتكلَّم بهذه الخلاعة أمامَ نبي، وملِك محترم؟!
بل هم أهلُ المشورة والرأي، وذوو الحلِّ والعقد في المملكة، فلا يمكن أن يقترحَ شخصٌ ما مثل هذه البذاءات، إلا إذا كان طالبُ المشورة صاحب خلاعة، وعنده الاستعداد لقَبول هذا، وبالطبع وافَق النبي العظيم الموحَى إليه على هذا!!
ولرجل الدِّين في ديره أن يتساءل:
♦ أين محافظةُ الرب على العفَّة والفضيلة بين عباده؟!
♦ هل يدعو الربُّ أن تكون هذه القِصَّة قدوةً لمن هرموا، واشتعلت رؤوسهم شيبًا، فيناموا في أحضان العذارى؟! فإن لم يرضَ، فأين إدانة الربِّ لمثل هذا العمل في الكتاب المقدَّس؟!
♦ ولماذا حكى الربُّ فضائحَ أنبيائه ومصطفيه؟!
♦ وهل حكى هذه الفضائحَ ليقتدي بها أتباعُ الكتاب المقدَّس ولإفساد عبيده؟!
♦ كيف يختار الربُّ بعلمه الأزلي أسافلَ الناس، ويجعلهم أنبياءَ قدوةً للبشر؟!
♦ وإذا كان هؤلاء هم الأنبياء القدوة، فماذا سيكون آباؤكم وأجدادكم، وقساوستكم وأساقفتكم، ورجال الدِّين المقتدون بهم؟! وهل هؤلاء أشرفُ وأكثر إيمانًا وطاعةً لله من أنبيائكم؟!
والإجابة بلا، فسوف يتساوى رجالُ الدين مع الأنبياء في الرذيلة وعدم التقوى، بل من المفترض أن يكونوا أكثرَ رذيلةً وفسقًا من الأنبياء!
أنبياء ولكن عُراة!!
مجرَّد مقتطفات من الكتاب المقدَّس، الذي يزخر بالمزيد من الفُحْش والعُري، والذي يتعلَّق ويُلصق للأسف بالأنبياء الشُّرفاء الأطهار المعصومين.
تعري سيدنا نوح - عليه السلام - واحتساؤه الخمرَ:
ورَدَ بسفر التكوين (9: 20-23) ما يلي:
"وكان نوحٌ أولَ فلاح غرس كرمًا، وشَرِب نوح من الخمر، فسَكِر وتعرَّى في خيمته، فرأى حام أبو كنعان عورةَ أبيه، فأخبر أخويه وهما خارجان، فأخذ سام ويافث ثوبًا، وألْقياه على أكتافهما، ومشيَا إلى الوراء ليسترَا عورةَ أبيهما، وكان وجهاهما إلى الخَلْف "فما أبصرا عورة أبيهما".
تعرِّي النبي شاول:
ورد بسفر صموئيل الأول (19: 24): "فخَلَع هو أيضًا ثيابه، وتنبأ هو أيضًا أمام صموئيل، وانطرح عريانًا ذلك النهارَ كلَّه، وكلَّ الليل؛ ولذلك يقولون: أشاول أيضًا بين الأنبياء".
تعري النبي داود، ورقصه متعريًا أمامَ جميع إمائه وعبيده، واحتقار ميكال ابنة شاول له:
فقد ورد بسفر صموئيل الثاني (6: 16) - (6: 20-23): "ولَمَّا دخل التابوت أورشليم نظرتْ ميكال ابنة داود من الطاقة، ورأتِ الملِك داود يقفز ويرقص أمامَ الرب، فاحتقرتْه في قلْبها حين رأتْه يرقص بهذه الطريقة"، "ورجع داود إلى بيته، فخرجتْ ميكال ابنة شاول للقائِه، وقالت في سخرية: كم كان ملِك إسرائيل وقورًا اليوم، حين تعرَّى أمام جواري رجاله كما يتعرَّى السُّفهاء، فقال لها داود: كان ذلك كله لأجْل الرب الذي فضَّلني على أبيك، وعلى جميع بيته؛ ليقيمني رئيسًا على شعبه بني إسرائيل، وسأرقص أكثرَ من ذلك لأجْل الرب، وأحطُّ قيمتي أكثرَ من ذلك، ربما أبدو وضيعًا في عينيك، أمَّا أمام تلك الجواري فأنا أزداد شرفًا، ولم تلد ميكال ابنة شاول ولدًا إلى يوم وفاتها".
تعري النبي إشعيا بن آموص:
ورد بسِفر إشعياء (20: 2-4): "تكلَّم الرب على لسان إشعيا بن آموص فقال: اذهب انزعِ المسح عن وسطك، واخلع حذاءَك عن قدميك، ففعل ومشى عاريًا حافيًا مدةَ ثلاث سنين، كآية وأعجوبة لمصر وكوش، كذلك يسوق ملِك أشور سبايا مصر، وأسرى كوش صِغارًا وكبارًا، عُراةً حُفاةً، مكشوفةً مؤخِّراتُهم؛ فضيحةً لمصر".
زنا الأنبياء:
بعض الحالات المختصرة، وهي في حقِّ أنبياء الله ورسله من الكتاب المقدس، حتى تكون مرجعًا لكلِّ مَن شاء أن يُراجعها، وهي كما يلي:
1 - النبي لوط - عليه السلام - زَنَى ببناته، والقصَّة واردة كاملة في سفر التكوين 19 عدد30-38.
2 - النبي داود زنَى بزوجة أوريا الحثي، وقتلَه غدرًا وحِيلة، كما في سفر صموائيل الثاني 11 عدد1-27: "وعند المساء قاد داودُ عن سريره، وتمشَّى على سطح القصر، فرأى على السطح امرأةً تستحم، وكانت جميلة جدًّا، فسأل عنها فقيل له: هذه بتشابع بنت أليعام، زوجة أوريا الحثي، فأرسل إليها رسلاً عادوا بها، وكانت اغتسلتْ وتطهَّرت، فدخل عليها ونام معها، ثم رجعتْ إلى بيتها، وحين أحسَّتْ أنها حُبْلى أخبرته بذلك".
3 - أنَّ داود وسليمان وعيسى - عليهم السلام - كلُّهم مِن أولاد ولد الزِّنا،وهو فارص بن يهوذا، كما ورد في قصة يهوذا بن يعقوب - عليه السلام - وكنَّته ثامار، واردة في سفر التكوين 38 عدد 12 - 30.
4 - رأوبين بن يعقوب زَنَى بزوجة أبيه بلهة وسريته، كما ورد في سفر التكوين 35 عدد 22، 49 عدد3 - 4.
5 - يهوذا بن يعقوب زنَى بزوجة ابنه - كما ذكرْنا سابقًا - وسمع يعقوب ما صَدَر عن ابنيه، ولم يُقم عليهما الحدَّ، غير أنَّه دعا على الأكبر وقتَ موته؛ لأجْل هذا الموقف الشنيع، ولم يَلْعن الآخَرَ، بل لم يغضب منه، بل إنَّه دعا له بالبركة التامَّة عند الموت، القصة في سفر التكوين 38 عدد 12 - 30.
6 - أنَّ أمنون بن داود زنَى بأخته ثامار، ورد في صموائيل الثاني 13 عدد 1 - 39.
جاء بسفر صموئيل الثاني (11: 2-5) بعنوان "داود وبتشابع" ما يلي:
زنا المحارم:
الحالة الأولى لزِنا المحارم: ما بيْن لوط النبي وابنتيه، فقد جاءتْ بسفر التكوين (19: 30 – 38): "وخاف لوط أن يسكنَ في صوغر، فصعد الجبل، وأقام بالمغارة هو وابنتاه، فقالتِ الكبرى للصغرى: شاخ أبونا وما في الأرْض رجلٌ يتزوَّجنا على عادة أهل الأرض كلهم، تعالي نَسْقي أبانا خمرًا ونضاجعه، ونقيم من أبينا نسلاً، فسقتَا أباهما خمرًا تلك الليلة، وجاءتِ الكبرى وضاجعتْ أباها وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها، وفي الغد قالتِ الكبرى للصغرى: ضاجعتُ البارحة أبي، فلنسقه خمرًا الليلة أيضًا، وضاجعيه أنت لكي نقيمَ من أبينا نسلاً، فسقتَا أباهما خمرًا تلك الليلة أيضًا، وقامت الصغرى وضاجعتْه وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها، فحملت ابنتَا لوط مِن أبيهما، فحملت الكبرى ابنًا وسمته مؤاب، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم، والصغرى أيضًا ولدت ابنًا وسمتْه بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم".
الحالة الثانية من زنا المحارم: ما بين رأوبين الابن الأكبر البِكر لنبي الله يعقوب، ومحظية أبيه بلهة والمحرَّمة عليه كتحريم أمه، بسفر التكوين (35: 21-22): "ثم رحل يعقوب مِن هناك ونَصَب خيمته على الجانب الآخر من مجدل عدر، وبينما هو ساكن في تلك الأرض ذَهَب رأوبين فضاجَعَ بلهة، محظية أبيه، فسمع بذلك يعقوب".
الحالة الثالثة من زنا المحارم: نجده هنا يذكر قصةَ زنا المحارم ما بين يهوذا الابن الرابع ليعقوب مع زوجة ابنه تامار، بسفر التكوين (38: 13-18): "وقيل لتامار: ها حموك صاعِدٌ إلى تمنة لجزِّ غنمه، فخلعتْ ثياب ترملها، وتغطَّت بالبرقع، واستترت وجلست مدخل عينايم، على طريق تمنة، فعلت ذلك؛ لأنَّها رأت أنَّ شيلة ابن يهوذا كبر ولم تتزوَّج به، فرآها يهوذا فحسبها زانية؛ لأنَّها كانت تغطي وجهها، فمال إليها في الطريق، وقال لها: تعالي أدخل عليك، وكان لا يعلم أنَّها كنَّتُه، فقالت: ماذا تعطيني حتى تدخل عليَّ؟ قال: أرسل لك جديًا من الماشية، قالت: أعطني رهنًا إلى أن ترسله، قال: ما الرهن الذي أعطيك؟ قالت: خاتمك وعمامتك، وعصاك التي بيدك، فأعطاها ودخل عليها فحبلتْ منه".
الحالة الرابعة من زنا المحارم: اغتصاب أمنون بن داود لأخته تامار بنت داود، كما ورد بسفر صموئيل الثاني (13: 10 - 14): "فقال أمنون لتامار: أدْخلي الطعام إلى غُرفتي فآكل مِن يديك، فأخذت تامار الكعكَ وجاءتْ به إلى أمنون أخيها في غُرفته، وقدَّمتْ له ليأكل فأمسكها، وقال: تعالي نامي معي يا أختي، فقالت له: لا تُغضبني يا أخي، هذه فاحشةٌ لا يفعلها أبناءُ إسرائيل، فلا تفعلها أنت، فأنا أين أذهب بعاري؟ وأنت، ألا تكون كواحدٍ من السفهاء في إسرائيل، فكلِّم الملك فهو لا يمنعني عنك، فرفض أن يسمعَ كلامها، فهجم عليها واغتصبها".
الحالة الخامسة من زنا المحارم: أبشالوم بن داود هو أيضًا يمارس الزِّنا الجماعيَّ المحرَّم مع سراري أبيه، كما جاء بسفر صموئيل الثاني (16: 21-22): "فقال له أخيتوفل: ادخل على جواري أبيك اللواتي تركهنَّ للعناية بالقصر، فيسمع بنو إسرائيل جميعهم أنَّك صرتَ مكروهًا من أبيك، فتقوى عزيمةُ جميع الذين معك، فنصبت لأبشالوم خيمة على السطح، ودخل على جواري أبيه، على مشهد من بني إسرائيل، وكانت نصيحة أخيتوفل في تلك الأيَّام كما لو كانتْ من عند الله، هكذا كانت لأبشالوم كما كانت لداود".
الكلام البذيء في الكتاب المقدس:
♦ ورد في سفر حزقيال (16: 6-9) بنسخة New International Versionكلام الرب يُخاطب فيه بلدةَ أورشليم، حيث يُشبِّهها الربُّ بامرأة انتشلها مِن الضياع، وتزوجها، نعم تزوجها الربُّ!! ولكنها خانت الربَّ، وخانت الجميل، وفجَرَتْ، وأصبحت عاهرةً وزانية، ورد ما يلي: "فمررت بك ورأيتك ملطخةً بدمك، فقلت لك وأنت في دمك: عيشي، لا تموتي، وانمي كنبت الحَقْل، فنموتِ وكبرت، وبلغت سن الزواج، فنهد ثدياك، ونبت شعرُك وأنتِ عريانة متعرية،ومررت بك ثانية ورأيتُك ناضجةً للحب، فبسطت طرف ثوبي عليك، وسترت عورتك، وحلفت لك، ودخلت معك في عهد، فصرت لي، فغسلتُك بالماء، ونقيتُك من دمك ثم مسحتُك بالزيت".
♦ ورد في سفر حزقيال (16: 15-17) كلام الرب أيضًا يُعاتب فيه أورشليم زوجتَه، التي خانتْه، ومارستِ الزنا مع تماثيل للذكور، كما يلي: "فاتكلتِ على جمالِك، وعلى اسمك فزنيتِ، وأغدقتِ فواحشَك على كل عابر سبيل، ومنحت جمالك، وأخذتِ مِن ثيابك فزينت لك معابد، وزنيت فيها، وهذا ما لا يجب أن يكون، وأخذت أدوات جمالك مِن ذهبي ومِن فِضَّتي التي أعطيتُها لك، فصنعت لك تماثيل ذكور، وزنيت بها..." جملة فاحشة لو قالها سفيه لعُزِّر، فكيف بالرب؟!
♦ ورد في سفر حزقيال (16: 30-34): كلام الرب مخاطبًا به مدينة أورشليم، ويصفها بالمرأة العاهِرة، التي اندمجت في زِناها وشهوتها: "كم كنتِ ضعيفةَ الإرادة، حتى فعلت هذا كلَّه كامرأة زانية وقحة، بنيت قُبَّتك في رأس كلِّ شارع، وصنعت لك مرتفعًا في كل ساحة، وما كنت تزنين بأجْرة، بل كالمرأة الفاسقة التي تستقبل الغرباءَ عوضَ زوجها، كل الزواني ينلنَ هدايا، أما أنت فأعطيتِ هداياك لجميع عشَّاقك، ورشوتهم للمجيء إليك من كلِّ صوب لمضاجعتك، فكنت في زِناك على خلاف النِّساء، لا يسعى أحدٌ وراءك للزِّنا، وتعطين أُجْرة، ولا أُجْرة تُعطَى لك، فكنت إذًا على خِلاف النساء في الزِّنا".
♦ ورد بسفر حزقيال بالإصحاح رقم 23: كلام الرب يتحدَّث فيه إلى فتاتين داعرتين، اسمهما أهولة وأهوليبية، كرمز لبلدتي السامِرة وأورشليم، ويتحدَّث الربُّ في هذا الإصحاح لتلك الفتاتين بكلامٍ في منتهى الفُحش والبذاءة، لا يمكن أن يصدر حتى مِن عربيد، وليس من إله!!
♦ حيث ورد بسفر حزقيال (23: 1-4) بالإنجليزية لطبعة New International Version ما يلي:
" The word of the Lord came to me: Son of man: there were two women، daughters of the same mother. they became prostitutes in Egypt، engaging in prostitution from their youth. In that land their breasts were fondled and their virgin bosoms caressed، الترجمة كما يلي: "وقال لي الرب: يا ابنَ البشر، كانتِ امرأتان، ابنتَا أمٍّ واحدة، وزنتَا في صباهما في مصر، هناك دغدغوا ثدييهما، وداعبوا نهودَ بكارتهما".
♦ ورد بسفر حزقيال (23: 8) بطبعة New International Version ما يلي:
" She did not give up the prostitution she began in Egypt، when during her youth men slept with her، caressed her virgin bosom and poured out their lust upon her ".
والترجمة العربية لها كما يلي: "وما أقلعت عن فواحش اتَّخذتْها في مصر، حيث ضاجعوها في صِباها، وداعبوا نهودَ بكارتها، وأفرغوا شهوتهم عليها".
♦ ورد بسفر حزقيال (23: 19-20) بطبعة New International Version ما يلي:
" Yet she became more and more promiscuous as she recalled the days of her youth، when she was a prostitute in Egypt. There she lusted after her lovers، whose genitals was like that of donkeys and whose emission like that of horses ".
والترجمة العربية لها كما يلي: "وأصبحت أكثرَ وأكثرَ فُحشًا وهيجانًا، لتتذكر أيَّام صِباها عندما كانتْ عاهرةً في مصر، ودفع بها الشبق إلى عشَّاقها الذين أعضاء ذكورتهم شبيهةٌ بأعضاء الذُّكورة لدى الحمير، والتي تقذف منيًّا كمنيِّ الخيل"، يا للبذاءة!![18]
دياثة الأنبياء:
♦ بسفر صموئيل الثاني (13: 10 - 14): "فقال أمنون لتامار: أدْخلي الطعام إلى غُرفتي فآكل من يديك، فأخذت تامار الكعكَ وجاءتْ به إلى أمنون أخيها في غرفته، وقدَّمت له ليأكلَ، فأمسكها، وقال: تعالي نامي معي يا أختي، فقالت له: لا تُغضبني يا أخي، هذه فاحشةٌ لا يفعلها أبناءُ إسرائيل، فلا تفعلها أنت، فأنا أين أذهب بعاري؟ وأنت، ألاَ تكون كواحدٍ من السفهاء في إسرائيل، فكلِّم الملك فهو لا يمنعني عنك، فرفَض أن يسمع كلامها، فهجم عليها واغتصبها".
رد فِعْل داود النبي أبو تامار، وأبشالوم بن داود شقيق تامار، فقد جاء بسفر صموئيل الثاني (13: 21-22) ما يلي: "وسمع داود الملِك بكل ما جرى، فغضب جدًّا، ولكنه لم يشأ أذيةَ أمنون؛ لأنَّه كان يحبه، أما أبشالوم فلم يكلِّم أمنون بشرٍّ ولا بخير؛ لأنَّه أبغضه لاغتصابه أخته".
♦ بسفر التكوين الإصحاح التاسع عشر: "5 فنادوا لوطًا، وقالوا له: أين الرجلان اللذان دخلاَ إليك الليلة؟ أخرجهما إلينا لنعرفهما.
6- فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءَه.
7- وقال: لا تفعلوا شرًّا يا إخوتي.
8- هوذا لي ابنتان لم تعرفَا رجلاً، أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم.
فمنذ متى أصبحتْ معالجة الفاحشة بفاحشة أخرى؟! ألم يجد لوط غيرَ هذا الحل؟!
ختام الكلام:
معذرة مني لكلِّ مسلم أبيٍّ حزَّتْ في نفسه قذارةُ ما أوردت مِن بذيء الكلام من الكتاب المقدَّس – زعموا - وما هو إلا سِفر مدنس، وما بال أقوام يُنزِّهون رهبانهم، ويقذفون أنبياءهم، وحال مَن يترهب فيجد ذاك قدوته، فلِمَ لا يحذو حذوه؟! أليس أُسوتَه؟!
ففجورهم قائمٌ في كتابهم المقدس، بل على جُدران كنائسهم، وهي شاهدٌ عليهم، مئات الصور الخليعة لرِجال ونساء وغلمان، مما حدَا بالفيلسوف نيتشه لَمَّا ولج الكنيسة وهالتْه صور الخلاعة والعري أنْ كتب مؤلف "مات الرب"، وهو يغمز فيه الكهنةَ والرهبان، أنَّ ما في صدوركم طلع على جدران كنائسكم.
ولتتأمل معي أخي في الله في حالة راهبٍ وفوق رأسه، ومِن أمامه، وعن شِماله ويمينه صُور العرايا، أحجرٌ هو؟! لو كان لتشقَّق؛ حشمةً على الأقل، وما حال راهبة تُمنَع الزواج، ثم تحاط بصُوَر الرِّجال العُراة، وتقرأ عن بنات ونساء وأخوات الأنبياء والأتقياء الواقعين في الفاحِشة، بل تقرأ عن ربِّها وهو يلقي ببذيء الكلام؛ ممَّا يثير شهوةَ الفتيان، أليس مدعاةً للإباحية؟!
ذاك قولهم بأفواههم، وما كتبتْه أيديهم عن عِباد الله الذين اصطفى.
سبحانك ربِّ العِزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وألاَ لعنة الله على الكاذبين، آمين.
ــــــــــــــــــــ
[1] للاطلاع على فضائح الفاتيكان في التلاعب بالقوانين التي يصدرها هو، والتجارة المحرمة والربا والأسلحة والمافيا، راجع: أسرار الفاتيكان: ليودولد ليدل، ترجمة: تحسين حجازي.
[2] نقلاً عن: معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير، ص 69-71.
[3] قصة الحضارة: ول ديورانت (2/ 109).
[4] قصة الحضارة: ول ديورانت (2/ 110).
[5] خمسة آلاف سؤال في النصرانية بلا إجابة (1/ 27).
[6] معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير (ص: 70-71).
[7] مجلة الإصلاح: عدد 94.
[8] مجلة البلاغ الكويتية: عدد 353.
[9] - الاعتراف: ماركو بوليتي. ص10، ص12، ص20، نقلاً عن: إسلام أون لاين.
[10] موقع مفكرة الإسلام.
[11] هذه الأرقام فقط لمن تجرأ على الشكوى، أما من خاف العار أو الصدمة النفسية فكثير؛ كما ستظهر عدة تقارير.
[12] خمسة آلاف سؤال في النصرانية بلا إجابة (1/ 33).
[13] موقع الجزيرة.
[14] وهذه ظاهرة بين الرهبان من القرون الوسطى حولوها لمعتقد، ذكرَها بعضُ العلماء المسلمين.
[15] موقع إسلام أون لاين.
[16] نقلاً عن نشرة حامل الرسالة ص: 3، 2003م.
[17] للمزيد راجع:- قاموس الكتاب المقدس: بطرس عبدالملك وآخرون.
- بين عصمة الأنبياء والازدراء في الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم.
- خمسون ألف خطأ في الكتاب المقدَّس وحوار البابا مع المسلمين: أحمد ديدات.
- المرأة في اليهودية والمسيحية والإسلام: زكي علي السيد أبو غضة.
- الله - جل جلاله - والأنبياء - عليهم السلام - في التوراة والعهد القديم: محمد علي البار.
- رحلة بين أرجاء الكتاب المقدس: مديحة خميس.
- دراسات في الكتاب المقدس: محمود علي حماية.
[18] إباحيات الكتاب المقدس: وليد مسلم (1/ 5 - 10)، بتصرف.
قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)....... اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا علي عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي ربي اغفر فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
الأحد، 9 مايو 2010
الخميس، 6 مايو 2010
كلنا ذوو خطأ
كلنا ذوو خطأ
علي بن عبد الخالق القرني
أضيفت بتاريخ : : 04 - 05 - 2010
الحمد لله الواحد الأحد الكريم الوهاب الرحيم التواب، غافر الذنب، وقابل التَّوب، شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو، يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويغفر للمخطئين المستغفرين، ويقيل عثرات العاثرين، ويمحو بحلمه إساءة المذنبين، ويقبل اعتذار المعتذرين. لا إله إلا هو، إله الأولين والآخرين، وديَّان يوم الدين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يُرجع الأمر كله. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون. أشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، ثم يجمعنا بكم سرمدية أبدية في جنات ونهر تحط بكم فيه. واسأله أن يظلنا وإياكم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم لا تعذب جمعاً التقى فيك ولك اللهم لا تعذب ألسنة تخبر عنك اللهم لا تعذب قلوباً تشتاق إلى لقاك، اللهم لا تعذب أعيناً ترجو لذة النظر إلى وجهك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، اللهم كلنا ذوو خطأ، وما لنا إلا عفوك وحسن الظن بك، وحب من تحب، فأقل عثراتنا، وتجاوز عن خطئنا، وأنت أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، رباه..
يظن النـــــــاس بي خيراً وإنــي *** لشر النـــــــاس إن لم تعف عني
ومالــــــي حيلــــة إلا رجائـــــي *** وعفوك إن عفــوت وحسن ظني
والله لــــو علموا قبيح سريرتي *** لأبى الســـــــلام عليَّ من يلقـاني
ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي *** ولَبُئْتُ بعد كـــــــرامة بهـــــــوان
لكـــن سترت معايبي ومثـــالبي *** وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحــــــامد والمدائح كلها *** بخواطري وجــــــــوانحي ولساني
اللهم اجعلني خيراً مما يظن الظانُّون، واغفر لي مالا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن سهلاً إذا شئت.
أحبّتي في الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله عز وجل في السر والعلانية، فهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ }. راقبوا الله جل وعلا، راقبوا الله جل وعلا؛ فما راقبه عبد وذل وأخطأ إلا آب وعاد وحاله.
رحماك يا رب رحماك..
رب يا ربي ويا رب الورى..
ما ترى في عبد سوء ما ترى..
خلق الله السماوات سبعاً وخلق الأراضين سبعاً وفي مجموع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحاح أن ما بين الأرض وما بين السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق ذلك عرش الرحمن ومن فوقه ربنا سبحانه وبحمده بائن عن خلقه مستو على عرشه { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ}، متى علمت هذا ومتى استشعرت هذا فأنت من المتقين..
إذا ما خلـــــوت الدهر يوماً *** فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن مـــا تخفيــــه عنه يغيــــــب
ها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في بستان من بساتين الأنصار، وأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يراقبه ويرقبه -وهو لا يراه-، وإذا بعمر يقف وقفة محاسبة ووقفة مراقبة مع نفسه، ويقول عمر: "أمير المؤمنين بخ بخ، والله لتتقين الله يا عمر أو ليعذبنك الله، والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله" عمر الذي يأتيه أعرابي قد قرض الجوع بطنه وبه من الفقر ما به، و يقف على رأسه ويقول:
يا عمر الخير جزيت الجنـة
اكـس بنــــــاتي وأمـــــــهن
وكن لنا في ذا الزمان جنة
أقســــــــم بـــالله لـــــتفعلن
قال وإن لم أفعل، يكون ماذا؟ قال:
إذاً أبـــــــا حفص لأمضين
قال: وإذا مضيت، يكون ماذا؟ قال:
والله عـــــــــــنهن لتسألن
يوم تكون الأعطيــات منة
ومـــوقف المسئول بينهن
إما إلى نار وإما إلى جنة
فلم يملك عمر رضي الله عنه وأرضاه إلا أن ذرفت دموعه على لحيته رضي الله عنه وأرضاه، ودخل ولم يجد شيئاً في بيته، فما كان إلا أن خلع ردائه وقال: "خذ هذا ليوم تكون الأعطيات منة، وموقف المسؤول بينهن إما إلى نار وإما جنة". هكذا تكون مراقبة الله عز وجل وهكذا تكون تقوى الله عز وجل.
وعمر الثاني، عمر بن عبد العزيز، وهو يلي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام ويكسب أو يفيء الله على المسلمين فيئاً -وهذا الفيء تفاح-، فأراد أن يقسمه على الرعية، بينما هو يقسم هذا التفاح، إذ امتدت يد صبي من صبيانه طفل صغير أخذ تفاحة ووضعها في فمه، فما كان من عمر إلا أن أمسك بفيه وأوجع فكّيه، واستخرج التفاحة من فمه وردها بين التفاح، والطفل يبكي -ابن عمر يبكي-، ويخرج ويذهب إلى أمه ويذكر لها الحادثة، فترسل غلام من البيت ليشتري لهم تفاحاً ويقسم الفيء على المسلمين وينسى نفسه، فلم يأخذ تفاحة واحدة ويذهب إلى البيت فيشم رائحة التفاح في بيته، فيقول من أين لكم هذا؟ ووالله ما جئتكم بواحدة -بتفاحة واحدة-. فأخبرته الخبر، قالت: جاء ابنك يبكي فأرسلت الغلام وجاء له بهذا التفاح. قال: يا فاطمة، والله لقد انتزعت التفاحة من فمه وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني والله كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من فيْء المسلمين، يأكلها قبل أن يقسم الفيء..
هكذا تكون مراقبة الله جل وعلا، هكذا تكون تقوى الله جل وعلا، وبها النجاة { وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
ما راقب عبد ربه إلا أفلح وفاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع..
ما راقب عبد ربه، فزلّت به قدمه فأخطأ فارتكب فاحشة إلا عاد نادماً حسيراً كسيراً، فيتقبله ربه، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين- بمنّه وكرمه الله عز وجل. رحيم بل هو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه سبحانه وبحمده. له مائة رحمة أنزل لنا في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم، ناطقهم والأعجم، صغيرهم والكبير، حتى إن الدّابة لترفع رجلها لوليدها ليرضع منها، ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة لرفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة عنده سبحانه وبحمده، فيتطاول إبليس ويظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم.
فيا من رحمته وسعت كل شيء، ارحمنا برحمتك..
اسمع له صلى الله عليه وسلم -كما يروى في البخاري-، يوم يأتيه سبي وإذا بامرأة من بين هذا السبي تبحث عن صبي لها فقدته، لا تلوي على شيء كلما وجدت طفلاً قلّبته ونظرت فيه فإذا به ليس طفلها، ثم تجده، تجد ابنها بعد مشقة وعناء فتلصقه ببطنها وترضعه، ورسول الله وصحابته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم يرقبون الموقف، وإذا بها تذرف الدموع على ابنها -وهو على ثديها-، دموع الفرح، فيقول صلى الله عليه وسلم:« أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ » قال الصحابة: لا والله يا رسول الله، فقال: « الله أرحم بعباده من هذه بولدها ».
يا كثيـــــر العفـــو عن مـن كثر الذنب لديه..
جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم لديه..
أنــــا ضيف وجزاء الضيف إحســـان إليه..
{ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ }
أحبتي في الله..
كثيراً ما يضل الإنسان في الطريق وينحرف عن الجادة، بوازع الجهل والهوى أحياناً، واستجابة لإغراء عابث أحياناً أو لشهوة جامحة قوية، الأمر الذي يهبط بمستواه الإنساني ويحول بينه وبين الطهر والتسامي، فتسقط قيمته وينحطّ إلى الدرك الأسفل من الرذيلة والعار.. تتجه قواه كلها إلى إشباع غرائزه وإتيان لذائذه، فيسقط إلى منزلة البهيمة حتى إنك لتجده بأذن لا تسمع، وبعين لا تبصر، وبقلب لا يفقه..
تجده بهيمة في مسلاخ بشر، والإنسان قد تمر به ساعة تنام فيها قواه ويغفو فيها ضميره، وتستيقظ غرائزه، فيسقط صريع الهوى والشهوة والشبهة.. فيا له من سقوط ويا لحقارتها من لذة مؤقتة تورث النار.
تفنو اللذاذة ممن نال صفوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار
وكلنا ذوو خطأ، والمعصوم من عصمه الله جل وعلا..
على كل واحد منا أن يذكر -فلا ينسى- أنه لم يخلق مَلَكَاً، ولم يخلق بشراً معصوماً، وإنما هو إنسان تتنازعه قوى الخير والشر، فتارة يغلب خيره شره، فهو خير من الملائكة.. وتارة يغلب شره خيره، فهو شر من البهائم -كما قال صلى الله عليه وسلم: « وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون » « كلنا ذوو خطأ ». في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، فلابد من الخطأ ولابد من التقصير، وكلنا ذوو خطأ..
من ذا الذي ما ساء قط *** ومــــن له الحسنى فقط
تريد مبرئــاً لا عيب فيه *** وهل نار تفوح بلا دخان
لكن إياك أن تبقى على الخطأ، إياك أن تدوم على المعصية؛ فإن المعصية شؤم، وإن المعصية عذاب، وإن المعصية وحشة، وإن المعصية غضب من الله الواحد الديّان. وقد يحبس عن أمة خير بمعصية من فرد واحد لم يأمروه ولم ينهوه -نسأل الله ألا يحرمنا خير ما عنده من شر ما عندنا-. هاهم بنو إسرائيل -كما في كتاب التوابين لابن قدامة- يلحق بهم قحط على عهد موسى عليه السلام- فاجتمعوا إلى موسى، وقالوا: يا نبي الله ادعُ لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء ليستسقوا -وهم سبعون ألفاً أو يزيدون-، فقال موسى: إلهنا اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُّضَّع، والبهائم الرُتَّع، والشيوخ الرُّكَّع، فما ازدادت السماء إلا تقشّعاً، ذهب السحاب الذي في السماء، وما ازدادت الشمس إلا حرارة، فقال: يا رب استسقيناك فلم تسقِنا، فقال: يا موسى إن فيكم عبداً يبارزني بالمعصية منذ أربعين عاماً، فمُرْهُ أن يخرج من بين أظهركم؛ فبشؤم ذنبه مُنِعْتم القطر من السماء، قال: يا رب عبد ضعيف وصوتي ضعيف، أين يبلغ وهم سبعون ألفاً أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه -سبحانه وبحمده-: منك النداء وعلينا البلاغ، فقام ينادي في سبعين ألف، قام ينادي فيهم قائلاً: يا أيها العبد العاصي الذي بارز الله بالمعصية أربعين عاماً، اخرج من بين أظهرنا؛ فبشؤم ذنبك مُنِعْنَا القطر من السماء، فيوحي الله إلي موسى أنه تلفت هذا العبد يميناً وشمالاً لعله يخرج غيره، فعلم أنه المقصود بذلك، فقال في نفسه: إن خرجت افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن بقيت، هلكت وهلكوا جميعاً بالقحط والجدب. فماذا كان منه؟ ما كان منه إلا أن ادخل رأسه في ثيابه، وقال: يا رب عصيتك أربعين وأمهلتني، واليوم قد أقبلت إليك طائعاً تائباً نادماً، فاقبلني واسترني بين الخلق هؤلاء -يا أكرم الأكرمين-؛ فلم يستتم الكلام حتى علتْ السماء سحابة بيضاء، فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال موسى لربه -سبحانه وتعالى-، قال كليم الله لربه: يا رب سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد، فقال: يا موسى أسقيتكم بالذي منعتكم به، بنفس العبد الذي منعتكم به أسقيتكم به، قال: يا رب أرني هذا العبد الطائع التائب النادم، قال: يا موسى لم أكن لأفضحه وهو يعصيني أفأفضحه وهو يطيعني؟
يــــــا من ألوذ بـــــه فيمـا أؤمله *** وأستعيــــذ بـــه ممــــا أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره *** ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
لا إله إلا الله، ما أرحم الله، ما أحكم الله، هو القائل: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما جزاؤهم؟ { أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }. هو القائل كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: « "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم لو أتيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بترابها مغفرة" » ..
سبحان من يعفو ونهفو دائماً *** ولا يزل مهما هفا العبد عفا
يعطــي الذي يخطي ولا يمنعه *** جلاله عن العطا لذي الخَطَا
يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. هو القائل كما في الحديث القدسي: « "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم" » هو القائل في كتابه:{ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }. ما أكرم الله جل وعلا! ما أكرم الله سبحانه وتعالى! هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، ولن يهلك على الله إلا هالك، فيا مخطئاً وكلنا ذوو خطأ، ويا من سقط في المعصية وكلنا ذاك الرجل، ويا من زلَّتْ قدمه وكلنا ذاك الرجل، صحح أخطاءك، وعالج أمراضك، وغسِّل نفسك مما قد ران عليها، واستأنف الحياة في ثوب التوبة النقي النظيف، واسمع لداعي الله جل وعلا يوم يقول: { وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
توضأ بماء التوبة اليوم نادماً *** به ترأى أبواب الجنان الثماني
كلنا ذوو خطأ، والله يمهل ولا يهمل، ويحب التوابين والمتطهرين. ولذلك فتح باب التوبة أمام المخطئين ليتوبوا ويؤوبوا ويعودوا إلى رشدهم، فيغفر لهم ما اقترفوه من إثم وخطيئة وموبقة وصغيرة وكبيرة؛ فله الحمد أولا وآخر وظاهراً وباطناً.
ها هو كما في "البخاري": رجل من بني إسرائيل أسرف على نفسه كثيراً، وهو موحّد لم يشرك بالله جل وعلا، قتل وزنا وسرق وغش وكذب واحتال وشهد الزور وأساء كل الإساءة، انتهك حرمات الله، تكبّر وتجبّر، وحلّت به سكرات الموت التي لم يُعفَ منها أحد، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع أبناءه في تلك الساعة، ساعة لا ينفع فيها مال، ولا ينفع فيها ولد، ولا ينفع فيها منصب، ولا ينفع فيها جاه، جمع أولاده وقال: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فوالذي نفسي بيده ما عملت خيراً قط، غير أني أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فأضرموا فيَّ ناراً، ثم القوني في النار حتى أصير فحماً، ثم اسحقوني، ثم زروني مع الريح، فمات فنفذوا وصيته، أضرموا له النار، ورموه فيها حتى صار فحماً، ثم سحقوه، ثم ذروه مع الريح، تفرق على ذرى الجبال، وعلى رؤوس الأشجار، وعلى السهول والوِهَاد وعلى الأنهار، لكن الذي بدأه أول مرة يعيده، قال الله له: كن فكان، قال: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ أما علمت أني أستر العيب، وأغفر الذنب، قال: يا رب خفتك وخشيت ذنوبي، قال: أشهدكم يا ملائكتي بأني قد غفرت له وأدخلته الجنة.
فلا إله إلا الله، ما أرحم الله! ما ألطف الله بعباده! ما أحلم الله على عباده! { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } وكلنا ذوو خطأ.
هاهي امرأة بَغِيّ، بارعة الجمال، لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، وتمر على عابد ما عصى الله طرفة عين، يتعبد لله في صومعة من الصوامع فيفتتن بها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فاتقوا الدنيا واتقوا النساء » افتُتن بها فراودها على نفسها، فأبت أن تمكنه إلا بمائة دينار، وهو لا يملك ريالاً ولا ديناراً ولا درهماً، فماذا كان منه؟ كان منه أن ترك صومعته وذهب يكدُّ ويتعب، وجمع المائة الدينار، ثم ذهب إلى هذه البغيّ في بيتها وفي قصرها، طرق عليها الباب ولما طرق عليها الباب خرجت، ويوم خرجت قال لها: ها أنا ذا، قد جمعت المائة دينار وجئت، قالت: ادخل، فدخل إليها في قصرها، فَعَلَتْ على سرير من ذهب وتزينت في كامل زينتها، ويوم تزينت في كامل زينتها قالت: هلمَّ إليّ، فسقط جالساً، قالت: قد كنت تزعم أنك ستجمع وتأتي، فلما مكنتك من نفسي تجلس، قال: ذكرت وقوفي بين يدي الله عز وجل فلم تحملني أعضائي لأقف، فما كان منها هي أيضاً إلا أن ارتعدت وارتعشت وخافت ووجلت، وقالت: لا تخرج من هذا البيت حتى تتزوجني، قال: لكني والله لا أتزوجك، وإنما خذي هذه الدنانير ودعيني أخرج، قالت: لا تخرج حتى توافق على الزواج مني، فماذا كان منه؟ قال: بلدي في المكان الفلاني، وعلّك إن جئت تائبة لعلي أن أتزوجك -وهو يريد الخلاص منها- أما هو فذهب وخرج نادماً على تفكيره في عمل المعصية، نادماً على تركه العبادة ليجمع المائة دينار ليزني بها، كما يفعل بعض شبابنا اليوم -هداهم الله- يوم يجمعون دراهمهم ودنانيرهم ليذهبوا ليعصوا الله في بلاد الكفر والعري، ثم يرجعوا وكأن لم يكن شيئاً، وكأن الله -عز وجل سبحانه وبحمده وله العزة والجلال، كأنه لا يراقبهم إلا في جزيرة العرب، أما هي فأقلّقتها بشاعة الفاحشة وآلمتها مرارة الكبيرة ولسعتها مرارة المعصية، وما كان منها إلا أن رجعت إلى الله، وتابت إلى الله، وذهبت تبحث عمن كان سبباً في توبتها إلى الله جل وعلا، ذهبت إليه في قريته، وسألت عنه، فدُلَّت على بيته، فلما وصلت إلى البيت طرقت الباب فخرج، فتذكّر يوم كادت تزل قدمه، فشهق شهقة عظيمة فمات -كما ذكر ذلك ابن قدامة في كتابه التوابين-. فكان منها أن حزنت حزناً عظيماً، وقالت: لأتزوجنَّ قريباً من أقربائه حباً فيه، فقالوا: له أخ فقير تقي، قالت: أتزوجه حباً في أخيه، فتزوجت هذا العبد الصالح الفقير التقي أخو ذلك الصالح التقي، فجعل الله من نسلها ومن نسله سبعة من الصالحين العابدين الزاهدين، فلا إله إلا الله!
ما أعظم شأن التوبة! وكلنا ذوو خطأ، فهل من توبة؟ وهل من أوبة؟ آن لنا أن نتوب، آن لنا أن نؤوب أيها الأحبة.
قد يدَّعي الإنسان التوبة ثم لا يتوب؟ إن ذلك كقول غاسل الثياب: قد غسلتها ولم يغسلها بعد، فالقول لا ينظف الثياب، وادِّعاء التوبة لا ينظف القلوب، والنفس البشرية كالطفل إن أهملتها ضاعت وضلّت وخسرت وتاهت، وإن هذّبتها وأدَّبتها صلحت واستقامت، بل هي كالبعير إن علفته وغذيته سكن وثبت، وإن تركته صدَّ وندَّ وهرب، والنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات، وتميل إلى الملذات، ووالله لا فلاح لنفس ولا نجاح ولا فوز إلا بالعودة إلى بارئها سبحانه وبحمده القائل: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }
والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمْه ينفطمِ
خـــــالف هـــــواك إذا دعــاك لريبة *** فلا خير في مخــــالفة الهــــوى
حتـــــى متى لا تـــرعوي يا صاحبي *** حتى متى وإلـى متى وإلى متى
ها هو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو محجن الثقفي، ممن أسلم مع ثقيف حين أسلمت، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه تمادى في شرب الخمر، تلك الكبيرة من الكبائر، وما زال يُجلد بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أكثر من ذلك سجنوه وأوثقوه، فلمّا كان يوم القادسية رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل لامرأة سعد بن أبي وقاص -وقد كان مسجونًا في بيت سعد- قائلاً : يا بنت آل حفصة هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخُلِّي عني، وتعيرنني البلقاء -فرس سعد بن أبي وقاص- فأقاتل مع المسلمين، ولله عليّ إن سلَّمَني الله أن أرجع فأضع رجلي في القيد كما كنت، قالت: ما أنا وذاك، فرجع يرسف في قيوده، نفسه مشتاقة للجهاد في سبيل الله، ويرى أن المسلمين يُنال منهم ما ينال، فيقول:
كفى حزنًا أن تُرديَ الخيل بالقنا *** وأتــــرك مشدوداً علــيَ وثاقيا
إذا قمت عن نار الحديد وغُلِّقت *** مصاريع دوني قد تصمُّ المناديا
وقــد كنت ذا مـــال كثير وإخوة *** فقــــد تركوني واحداً لا أخَ ليــا
فلله عهـــــد لا أقـــــيس بعهده *** لأن فرّجـــــتِ ألا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: لقد اخترت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وأعطته فرس سعد -الذي كان في الدار، وأعطته مع ذلك سلاحاً، فخرج كالأسد يركض حتى لحق بالجيش المسلم، فجعل لا يزال يحمل على مشركٍ إلا دقّ صلبه وقتله، حمل على ميسرة القوم، ثم حمل على ميمنة القوم، كان يقصفهم -ليلتئِذٍ- قصفاً عظيماً، حتى تعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، تعجب سعد وهو يرقب المعركة، ويقول: من ذلك الفارس الملثم؟ ولِمَ يتلثم؟ ولِمَ لمْ يظهر إلا في آخر النهار؟ تساؤلات ترد على ذهن سعد ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى هُزم أعداء الله، ورجع أبو محجن وردَّ السلاح، وجعل رجليْه في القيد، وعاد سعد، فقالت امرأته: هنيئاً لكم النصر، كيف قتالكم اليوم؟
فجعل يخبرها، ويقول: لقي جند الله ما لقي، ولقوا ولقوا ويذكر لها حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، فلولا والله أني تركت أبا محجن في القيد لقلت: إنها بعض شمائل أبي محجن، قالت: إنه -والله- لأبي محجن، وذكرت له ما كان من أمره؛ من أمره كذا وكذا، فما كان من سعد إلا أن ذرف الدموع، وقال: حلّوا قيوده وأتوني به، فأتوا به إليه، قال: يا أبا محجن -والله- إني لأرجو الله ألا أجلدك على خمر بعد اليوم أبداً، قال: لا والله ما أشربها بعد اليوم أبداً، قد كنت أشربها فتطهّرني بالحد والجلد، وأما اليوم فإن شربتها فلا يطهرني إلا النار، فلم يشربها بعد ذلك أبداً.
فخالف النفس والشيطان وأعصهما *** وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهم
{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً } فمن تجيب أخي المسلم؟
العز في كنف العزيز، ومن عبد العبيد أذَلَّه الله. هاهو شاب قوي وسيم -وأنا ما أورد هذا القصص إلا لأن فيه عبرة { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } - قوي وسيم حييٌّ عالم في أوْج شهوته وشدة شهوته، لكنها مربوطةٌ شهوته بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، عمره لا يجاوز الثلاثين، هو الربيع بن خثيم، كان في بلده فسّاق وفجَّار يتواصون على إفساد الناس وليسوا في بلد الربيع، هم في بلدي وفي بلدك وفي كل بلد، ثلة تسمّى فرقة الصد عن سبيل الله، يهمّها أن تقود شباب الأمة وشيبها ونساءها إلى النار، تأخذ بحجزها لترميها على وجهها في النار، من أطاعها فليس أمامه إلا النار تواصوا على إفساد الربيع، فجاءوا بهذه الغانية، وقالوا: هذا ألف دينار، قالت: علام؟ قالوا: على قُبْلة واحدة من الربيع، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني، ثم ذهبت وتعرضت له في ساعة خلوة، وأبدت مفاتنها ووقفت أمامه، فلما رآها خرج فيها قائلاً: يا أمة الله كيف بك إذا نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك يوم تقفين بين يديْ الرب العظيم؟ أم كيف بك إن لم تتوبي يوم تُرمَيْن في الجحيم؟ فصرخت وولَّت هاربة تائبة عابدة عائدة إلى الله عز وجل، تقوم من ليلها ما تقوم، وتصوم من أيامها ما تصوم، فلقِّبت بعد ذلك بـعابدة الكوفة، وكان يقول هؤلاء المفسدون: أردنا أن تفسد الربيع فأفسدها الربيع علينا. { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ، { وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } فإياك وداعي الشر، إياك ودعاة الشر، واسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوك إلى أن تضبط نفسك في أي مكان كنت، أو في أي زمان كنت، « اتقِ الله حيثما كنت، واتبع السيئة بالحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن » .
{ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } .
وكلنا ذوو خطأ، لكن الحسنات يذهبن السيئات، فلا تحقر ذنباً، ولا تستصغر معصية، ولا تستصغر كبيرة، ولا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، القائل كما في الأثر (( وعزّتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره )) يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات "، يقول هذا لمن؟ لخير جيل عرفته البشرية، ولخير فرقة عرفتها البشرية، ولخير القرون كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك للصحابة والتابعين.
فيا أيها الحبيب إنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله -سبحانه وبحمده-، إن المؤمن ليرى ذنوبه كأنه قاعد تحت أصل جبل، يخاف أن يقع هذا الجبل عليه، وإن المنافق ليرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فأطاره بيده. فيا أيها المخطئون إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً، وإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على الرجل فتهلكه.
خــــلِّ الذنـــــوب صغيرها *** وكبيــــرها ذاك التُّقَى
واصنع كماشٍ فوق أرض *** الشوك يحـذر ما يرى
لا تـــــــحقرن صغيـــــــرة *** إن الجبال من الحصى
يا أيها المخطئون -وكلنا ذو خطأ- أفيقوا وأقلعوا عن ذنوبكم، واعزموا على ألا تعودوا، واندموا ندماً يورث العين دمعاً، والقلب خشية، وردوا الحقوق إلى أهلها قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وإنما التعامل يكون بالحسنات والسيئات، وعندها يعضُّ الظالم على يديه حتى يأكلها ولا ينفعه ندم، ولا تنفعه حسرة، لو كان الندم هنا لنفعه، ولو كانت الحسرة هنا لنفعه، لو قال: يا رب في الدنيا لقال الله: لبيك وسعديك يا عبدى، أشهدكم أني قد غفرت له.
وتذكر يا من أخطأ -وكلنا ذو خطأ- أننا على الله قادمون، وإليه راجعون، وبين يديه مسؤولون، فمنا من يقدم عليه كالرجل المسافر الغريب القادم على أهله، تراه فرحاً، وتراه مسروراً، يوم يلقى أحبته وأهله وأبناءه وأصحابه وخِلاَّنه، ومنا من يقدم على الله عز وجل قدوم العبد الآبق الشارد عن سيده، تجده ذليلاً حسيراً وَجِلاً خائفاً كسيراً مُهاناً{ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } شتان بين الفريقين، شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }. يا من قسا قلبه، ويا من صدّت نفسه فأمرته بالسوء والفحشاء، هلا زرت المقابر، هلا ذهبت وأحييت هذه السنة التي كادت تموت بيننا، هل ذهبت إلى المقابر فزرتها ودعوت الله عز وجل لهم لترى فيها الآباء والأمهات، لترى فيها الإخوان والأخوات، لترى فيها الأحباب والأصحاب والخلان قد توُسَّدُوا التراب، وارتُهِنوا بالأعمال، ما كأنهم فرحوا مع من فرح، ولا كأنهم ضحكوا مع من ضحك، ولا كأنهم تمتعوا مع من تمتع، قد حِيل بينهم وبين ما يشتهون، ثم اعلم أنك -قريباً- ستكون بينهم، ووالله لن تكون إلا في روضة أو حفرة، القبر روضة من الجنان، أو حفرة من حفر النيران، إن يكُ خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده، وإن يك شراً فما بعدُ أشدّ، ويل لعبد عن سبيل الله صدّ.
ها هو 'دينار العيَّار'، كان مسرفاً على نفسه، وكان له أمٌّ تعظه فلا يتّعظ ، فمر في يوم من الأيام بمقبرة كثيرة العظام قد خرجت العظام من المقبرة، فتذكر مصيره، وتذكر نهايته، وتذكر أنه على الله قادم، أخذ عظْماً نخراً في يده ففتته، ثم فكر في نفسه وقال: ويحك يا نفسي، كأني بك غداً قد صار عظمك رفاتاً، وجسمك تراباً، وما زلت مكبَّة على المعاصي واللذائذ والشهوات، ثم ندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه للسماء قائلاً: إلهي ألقيت إليك مقاليد أمري، فاقبلني واسترني يا أرحم الراحمين، ثم مضى إلى أمه متغير اللون، منكسر القلب، فكان إذا جنَّه الليل أخذ في القيام والبكاء، وأخذ في النحيب وهو يقول: "يا دينار ألك قوة على النار؟ يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟" وظل على ذلك أيامًا يقوم ليله، ويناجي ربه، ويناجي نفسه يؤدبها ويحاسبها، فرفقت به أمه يوم رأت جسمه قد هزل، ويوم رأت صحته بدأت تتدهور، فقالت: ارفق بنفسك قليلاً، فقال: يا أماه دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلاً، يا أماه إن لي موقفاً بين يديْ الجليل، ولا أدري إلى ظل ظليل، أم إلى شر مقيل؟ إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخاً لا عفو معه، قالت: بنياه أكثرت من إتعاب نفسك؟، قال: راحتها أريد، يا أماه ليتك كنت بي عقيماً، إن لابنك في القبر حبساً طويلاً، وإن له من بعد ذلك وقوفاً بين يديْ الرحمن طويلاً. وتمر ليالٍ وهو يقرأ قول الله، ويقوم ليله، بقول الله { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، فيبكي ويضطرب، ثم يخر مغشياً عليه.
فيا مخطئ -وكلنا ذوو خطأ-{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ }، ها هو مالك بن دينار -كما يذكر أهل السِيَر- كان شرطياً من شُرط بني العباس، وكان يشرب الخمر، وكان صادّاً نادّاً عن الله عز وجل، ويشاء الله عز وجل، أن يتزوج بامرأة أحبها حباً عظيماً، لكنه كان لا يترك الخمر، يشربها في الصباح والمساء، ويشاء الله عز وجل أن يرزق بمولودة من هذه المرأة، فما كان منه إلا أن ملكت عليه لبّه هذه الطفلة، ملكت عليه لبه، وملكت عليه قلبه، فكان لا ينتهي عن عمله حتى يأتي إليها ليداعبها ويمازحها، وكان يؤتى بالخمر، فإذا رأته يشرب الخمر ذهبت وكأنها تريد أن تعتنقه، فأسقطت الخمر من يده، وكأنها تقول يا أبت اتقِ الله، ما الخمر لمسلم أبداً، هكذا حالها معه، وفي يوم من الأيام يأتي من عمله ويأتي ليداعبها ويلاعبها ويرميها فتسقط ميتة، فيحزن حزناً عظيماً، ويجِدُ عليها وَجْداً عظيماً، فما كان منه في تلك الليلة -كما يخبر عن نفسه- إلا أن شرب الخمر، ثم شرب حتى الثمالة، قال: ثم نمت في تلك الليلة وبي من الهمِّ ما لا يعلمه إلا الله، قال: فرأيت -فيما يرى النائم- كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس قد خرجوا من القبور حفاة عراة غرلاً بُهماً، يدوخ الناس في عرصات القيامة، وإذ بهذا الثعبان العظيم فاغراً فاه، يقصدني من بين هؤلاء الخلق جميعهم، ويأتي إليَّ يريد أن يبتلعني، قال: وأهرب منه ويطاردني، وأهرب منه ويطاردني، كاد قلبي أن يخرج من بين أضلاعي، وإذا أنا بهذا الشيخ الحسن السَّمْت، الرجل الوقور، قال: فتقدمت إليه فقلت: بالله عليك أنقذني، قال: لا أستطيع، ولكن اذهب إلى من ينقذك، قال: فبقي يطاردني، فما وقفت إلا على شفير جهنم قال: فبقى من ورائي، وجهنم من أمامي. قال: فقلت أرمي بنفسي في جهنم، وإذا بهاتف يهتف، ويقول: ارجع، لست من أهلها، قال: فرجعت لأدوك في عرصات القيامة وهو ورائي يطاردني، ورجعت إلى ذلك الشيخ الوقور، فقلت له: أسألك بالله أن أنقذني أو دلني، قال: فأما إنقاذك فلا، ولكني أدلُّك على ذلك القصر، لعل لك فيه وديعة، قال: فانطلقت إلى القصر، وهو لا يزال يطاردني، قال: وإذا بهذا القصر من زبرجد وياقوت، مكلل باللؤلؤ والجوهر، وإذا بالسُتُر ينادي بفتحها: افتحوا السُتُر، قال: ففتحت الستر عن أطفال مثل فلق القمر، وإذا بكل واحدة وواحد ينظر إلى هذا المنظر المهول، وإذا بابنتي من بينهن تقول: أبتاه، ثم ترمي بنفسها من القصر بيني وبين الثعبان، قال ثم تقول للثعبان بيمناها -هكذا- فينصرف، فتضرب على لحيتي، ثم تضرب على صدري، و تقول: أبتاه { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}، قال بلى قلت: بلى آن بلى آن، ثم قلت ما ذاك الثعبان؟ قالت ذلك عملك السيء كاد يرديك في جهنم. قال وما ذلك الشيخ الوقور؟ قالت: ذلك عملك الحسن ضعّفتَه حتى ما استطاع أن يقاوم عملك السيء. قال ثم تضرب صدري ثانية وتقول أبتاه:{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ } قال: ففزعت من نومي، قال: ثم توضأت، ثم انطلقت إلى المسجد، فذهبت لأداء صلاة الفجر، قال: وإذا بالإمام يقرأ الفاتحة، ثم يبدأ { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فقلت: والله ما كأنه يعني إلا إياي.
فيا أيها الأحبة أعمالكم أعمالكم، أعماركم أعماركم. كلنا ذوو خطأ، كلنا ذوو خطأ.
ها هو عبد من بني إسرائيل أطاع الله أربعين عاماً، ثم انقلبت هذه المضغة وانتكس ورجع على عقبيه، وارتد على عقبيه، فعصى الله أربعين عامًا أخرى فقال: وقد رفع يديه إلى الله، يا رب أطعتك أربعين، وعصيتك أربعين، فهل لي من توبة إن أنا تبت وأُبْت وعدت إليك يا رب؟ قال: فسمعت هاتفاً يهتف ويقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك، فلا إله إلا الله، ما أحلم الله بعباده! ما أرحم الله بعباده! ما ألطف الله بعباده! أسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا برحمته.
ها هم سلفنا -أيها الأحبة- قلوبهم بالخوف وجلة، وأعينهم باكية، يقول قائلهم: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى الصراط مرورنا، والوقوف بين يدي الله مشهدنا، كيف نفرح ؟! { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ.وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }يأتي أحدهم إلى فراشه فيلمسه في الليل، فإذا هو ناعم لين، فيقول مخاطباً فراشه: يا فراشي -والله- إنك لليِّنٌ، ولكن فراش الجنة ألْيَنُ، ثم يقوم ليله كله حتى يصبح { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، يناجي أحدهم ويقول: يا قوم -والله- لا أسكن ولا يهدأ روعي حتى أترك جسر جهنم ورائي، والله لا أهدأ ولا أسكن حتى أترك جسر جهنم ورائي، ويجب أن نكون كذلك.
كانوا إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وكادت تنخلع خوفًا من الله، خافوا الله -جل وعلا-، فأمَّنَهم؛ فهو القائل كما في الحديث القدسي (( وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفيْن، ولا أجمع له أمنيْن؛ إن أمنني في الدنيا خوَّفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة ))، { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ }. كان لسان حال الواحد من سلفنا وهو يناجي ربه في ثلث الليل الآخر، ثلث الآيبين، ثلث التوابين، ثلث المستغفرين، ثلث المخطئين، ثلث النادمين الذي ضيعناه، الذي سهرنا إلى تلك اللحظة، ثم رمينا أنفسنا كالجِيف، ونسأل الله أن يعاملنا برحمته، وإن عاملنا بعدله لعذبنا، ثم لم يظلمنا سبحانه وبحمده. كان لسان حال الواحد منهم:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا *** وقمت أشكو إلــى مولاي ما أجدُ
وقلـــــــت يا عدتـــي في كل نـــائبة *** ويا من عليه كشف الضر أعتمدُ
أشكـــــو إليك ذنوبــــاً أنت تعلمهــا *** مالــي على حملها صبر ولا جَلَدُ
وقد مــــددت يدي بالـــــــذل معترفاً *** إليك يـــــا خير من مدَّت إليــه يد
فــــــلا تردَّنـــــها يــا رب خــــــائبة *** فبحر جــــودك يروي كل مَن يرِدُ
هذه حال سلفنا، فما حالنا يا أيها الأحبة؟ ما حالنا في ليلنا؟ وما حالنا في نهارنا؟ أما ليلنا -إلا ما رحم الله- على الأغنيات وعلى المسلسلات وعلى التمثيليات وعلى الأفلام، وعلى قيل وقال، إلى الثلث الذي ينزل فيه الرب سبحانه نزولاً يليق بجلاله، (( هل من داعٍ فأستجيب له؟ وهل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ )) وفي تلك اللحظة نحن على قسمين -أيضاً-؛ منَّا مَن هو كالجيفة البطَّال، ومنَّا من لا زال مواصلا في غيِّة وظلمه، يدعوه الله إلى التوبة وهو مازال على فسقه وعلى فجوره، أما يخشى أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، { وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
يا راقد الليل مسروراً بأوله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً
كيف كان ليل سلفنا ؟ هاهو أحدهم؛ وهو 'رياح بن عمر القيسي' عليه رحمة الله، أحد التابعين، تزوّج امرأة صالحة، وأراد أن يختبرها، أراد أن يختبرها هل هي من اللاتي تركن إلى زخارف الدنيا؟ هل هي الصائمة القائمة أم هي المشغولة بقيل وقال وبالأزياء والموديلات وما أشبه ذلك من زخارف الدنيا؟ يوم جاء الصباح ما كان منه إلا أن رآها تعجن عجينها، وتعمل عمل البيت تقُومُ ببيتها، فقال: يا دؤابة -واسمها دؤابة-، أتريدين أن أشترى لك أَمَة لتخدمك؟ قالت: يا رياح إني تزوجت [رياحاً]، وما تزوجت جباراً عنيداً، ثم جاء الليل، قام يتناوم، فقامت ربع الليل الأول، وقالت له: يا رياح قم، قال: أقوم، ثم نام مرة أخرى، فقامت الربع الثاني، وقالت: يا رياح قم، فتناوم -أيضاً- مرة أخرى، ثم قامت ربع الليل الثالث، ثم قالت: يا رياح قم، فقال: أقوم ولم يقم، فقالت: يا رياح قد فاز المحسنون، وعسكر المعسكرون، يا ليت شعري من غرَّني بك؟ يا ليت شعري من غرني بك؟ تقول (اتغريت فيك)؛ ووقعت بإنسان لا يقوم الليل -مع أنه يقوم الليل، ولكنه أراد أن يختبرها-. فهل جعلنا لثلث الليل الآخر منا لو ركعتين علّ الله أن يرضى علينا بنظرة رحمة، وبنظرة عطف فيرحمنا في الدنيا والآخرة، فنسعد في الدنيا والآخرة سعادة الأبد.
نسأله الله -سبحانه وبحمده- أن يجعلنا من المرحومين المغفور لهم. أما في النهار فما حالنا ؟ منا -والله أيها الأحبة- مَن يخرج الصباح مِن بيته فيجمع الحرام، يبحث عن الحرام أيًا كان، فيجمع الحرام، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام. فما حال سلفك يا عبد الله؟ إن امرأة من السلف يوم يخرج زوجها في الصباح تقول له: اتقِ الله ولا تطعمنا إلا حلالاً، فإنا نصبر على الجوع، لكنا لا نصبر على النار، فهل قال لنا نساؤنا كذلك ونحن نخرج، يا أيها الأحبة؟ ثم بعد ذلك نرجو النجاح، بعد هذه الأعمال، وبعد هذا الليل المخزي، وبعد هذا النهار المخزي، نرجو النجاة:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجـــــري على اليَبَـــــس
ركوبك النعش ينسيــــك الركوب *** على ما كنت تركب من بعل ومن فرس
يــــوم القيامة لا مال ولا ولـــــد *** وضمَّـــة القبر تنســـــي ليلــــة العُـرْس
أبناؤنا كيف نربّيهم؟ ربيناهم تربية مادية، وهيَّأناهم تهيئة مادية، فجعل الواحد همَّه في سيارة وفي ثوب وفي زخرف من زخارف الدنيا وفي قصر، ونسي قصور الجنة، وأنهار الجنة، ونعيم الجنة، أشغلناه بهذا عن ذاك، ربيناه تربية البهائم، سمَّنَّاه كما تُسمَّن العجول، ثم ماذا يكون؟ هل هذه هي المسئولية التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عنقك: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. » ، « ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشّاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة » هيَّأنا لهم كل مادة، لكنا لم نُرَبِّي أرواحهم، ثم نرجو نجاتهم، فوالله ما مثلنا إلا كقول القائل:
ألقاه في الماء مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
أما أبناء سلفنا فكيف كانوا؟ سأضع لكم نموذجاً، كيف كانوا يربّونهم؟ وكيف كانوا يتعاملون معهم؟ وكيف تربّوا فأصبح الطفل منهم كالرجل منا، بل كالعابد الزاهد منا. هاهو 'خيثمة بن الحارث' -عليه رضوان الله ورحمته- ما كان منه يوم أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للنُفرة إلى غزوة بدر إلا أن جاء إلى ابن له اسمه 'سعد'، ابن صغير، وكان معه من النساء الكثير، ومعه من البنات والأخوات يعولهن هذا الرجل الكبير 'خيثمة بن الحارث' فقال لابنه 'سعد': يا بني تعلم نساءنا، وليس لهن من يحميهن، وأريد أن تبقى معهن وأذهب لأجاهد في سبيل الله جل وعلا، قال: يا أبتاه للنساء رب يحميهن، والله ما تطمع نفسي في هذه الدنيا بشيء دونك، لكنها الجنة يا أبتاه، والله لو كان غير الجنة لآثرتك به، وانطلق يجاهد في سبيل الله، وجلس الأب الكبير مع هؤلاء النساء، وقُتِل شهيدًا -بإذن الله- في سبيل الله هذا الطفل، يوم جاء الخبر أباه في اليوم الثاني قالوا له: لقد قتل نحتسبه شهيداً عند الله -جل وعلا-، فما كان منه إلا أن قال: أوّاه أواه، والله لقد فاز بها دوني، والله لقد كان أعقل مني، لقد رأيته البارحة يسرح ويمرح في أنهار الجنة وثمارها وأزهارها، ويقول: يا أبتاه إلْحَقْ بنا، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
ومع ذلك الظلام الذي نراه الآن فهناك بشائر -ولله الحمد- والباب مفتوح يا أيها الأحبة، ولن يُغلق إلا عند طلوع الشمس من مغربها أو غرغرة الروح في الحلقوم، المبشرات كما قلت كثيرة وكثيرة ولله الحمد، والصور المضيئة كثيرة وكثيرة، والخير في الأمة لا زال ولن يزال بإذن الله إلى قيام الساعة « لا تزال طائفة على الحق منصورة.. » ولولا هذه المبشّرات لضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى علينا.
كانت النماذج يا أيها الأحبة من الماضي، فإليكم النماذج من الحاضر، وهي مبشرات أقولها لكل من آلمَه ما يرى من تدهور حال الأمة المسلمة وذهابها إلى الهاوية. هناك بشائر وسأذكر لكم بعض الأمثلة على ذلك، هاهي عجوز بلغت الثمانين من عمرها في مدينة الرياض. هذه العجوز جلست مع النساء فرأت أنهن لا ينتفعن من أوقاتهن، جلساتهن في قيل وقال، في غيبة ونميمة، في فلانة قصيرة وفلانة طويلة وفلانة عندها كذا، وفلانة ليس عندها كذا، وفلانة طلّقت، وفلانة تزوجت، كلاماً -إن لم يبعدهن عن الله عز وجل- فهو تضييع لأوقاتهن، فاعتزلت النساء وجلست في بيتها تذكر الله -عز وجل- آناء الليل وأطراف النهار، وكان أن وضعت لها سجادة في البيت تقوم من الليل أكثره، وفي ليلة من الليالي قامت -ولها ولد بار بها، لا تملك غير هذا الولد من هذه الدنيا بعد الله جل وعلا- ما كان منها إلا أن قامت لتصلي في ليلة من الليالي، وفي آخر الليل يقول ابنها: وإذا بها تنادي، قال: فتقدمت وذهبت إليها، فإذا هي ساجدة على هيئة السجود، وتقول: يا بني ما يتحرك في الآن سوى لساني، قال إذاً أذهب بك إلى المستشفى، قالت: لا، وإنما أَقْعِدني هنا، قال: لا، والله لأذهبن بك إلى المستشفى -وقد كان حريصاً على برِّها جزاه الله خيراً- فأخذها وذهب بها إلى المستشفى، وتجمّع الأطباء وقام كل منهم يدلي بما لديه من الأسباب، لكن لا ينجي حذر من قدر.
إن الطـــــبيب بطبِّــــــه ودوائه *** لا يستطيع دفـــــــاع نَحْبٍ قد أتى
مــا للطبيب يمــوت بالداء الذي *** قد كــــان يُبرئ مثله فيما مضى
مات المداوِي والمداوَى والذي *** جلب الدواء وباعه ومن اشترى
حلَّلوا وفعلوا وعملوا، ولكن الشفاء بيد الله سبحانه وبحمده، قالت: أسألك بالله إلا رددتني على سجادتي في بيتي، فأخذها وذهب بها إلى البيت، ويوم ذهب إلى البيت وضَّأها ثم أعادها على سجادتها، فقامت تصلي. يقول: وقبل الفجر بوقت ليس بالطويل، وإذ بها تناديني، وتقول: يا بني أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لتلفظ نفسها إلى بارئها سبحانه وبحمده، فما كان من ولدها إلا أن قام فغسَّلها وهي ساجدة، وكفَّنها وهي ساجدة، وحملوها إلى الصلاة عليها وهي ساجدة، وحملوها بنعشها إلى المقبرة وهي ساجدة، وجاءوا بها إلى القبر فزادوا في عرض القبر لتدفن وهي ساجدة، ومن مات على شيء بُعثَ عليه، تبعث بإذن ربها ساجدة.
{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ } أيعجز شبابنا، أتعجز شابّاتنا، أيعجز نساؤنا، أيعجز رجالنا أن يفعلوا كما فعلت هذه المرأة؛ أن يقوموا من ليلهم ولو بعضه؛ ليقفوا بين يدي الله، ليلقوه وقد غفر لهم ما اقترفوا من إثم وخطيئة؟
أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
المبشرات كثيرة جداً كما قلت أيها الأحبة. أورد صاحب كتاب قصص السعداء والأشقياء هذا الحدث وفيه عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع. سائق الإسعاف كان فظاً غليظاً، لا يتذكر إذا ذُكِّر، ولا يتعظ إذا وُعظ، يباشر الحوادث الشنيعة فيحمل أشلاء المصابين، رأس المصاب في يد، ورجل المصاب الآخر في يد أخرى، فلا يهزُّه ذلك المنظر، ولا يؤثر فيه، كان تاركًا للصلاة، مرتكباً للموبقات، ويشاء الله عز وجل -كما يقول هو- أن بُلِّغت ليلة من الليالي عن حادث من الحوادث على مدخل مدينة الرياض، قال: في الساعة الواحدة ليلاً، قال: ركبت السيارة، وانطلقت مسرعاً نحو الحادث، ووصلت إلى موقع الحادث؛ فإذا بي أجد سيارة بيضاء قد ارتطمت بأحد أعمدة الإنارة -أحد أعمدة الكهرباء- قال: وأدت إلى انطفاء الكهرباء في تلك المنطقة، قال: والغريب أني أرى نوراً خافتاً ينبعث من السيارة، قال: فانطلقت متوجهاً إلى باب السيارة، وكان في يدي سيجارة، قال: فإذا بي أري رجلاً كَثَّ اللحية، مستنير الوجه -وجهه كأن فلقه قمر- قد ملأ نور وجهه السيارة، وقد ارتطمت أجزاؤه السفلي بمقود السيارة، قال: فحاولت أن أعيد المقعد إلى الخلف لأنقذه، فقال: أتريد أن تنقذني يا بني؟ قلت: نعم، قال: إذا سمحت أطفئ سيجارتك، واتق الله جل وعلا. قال: فما كان مني إلا أن أطفأتها، ورجعت أحاول إنقاذه، قال: وما استطعت أن أخرجه كما ينبغي، قال أتريد أن تنقذني فعلاً، قال: نعم، قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:« من صنع إليكم معروفاً فكافئوه » ، والله يا بني لا أملك لك مكافأة على إنقاذي إلا نصيحة أوجهها إليك، فهل تقبل ذلك؟ قال: قلت: تفضل، قال: عليك بتقوى الله، عليك بتقوى الله عليك بتقوى الله، وإياك ورفقة السوء. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم مات، قال: فارتجفت مكاني، وأخذته من هناك، وأخذته في السيارة، وسلّمته في قسم الحوادث في الساعة الثالثة ليلاً، قال: ولم أستطع النوم، كلماته لازالت تَرِنُّ في أذني، قال: وقمت إلى صلاة الفجر، وتوضأت وصليت، وأخبرت إمام المسجد الذي بالحي بما حصل، فقال: أحمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، أحمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، وادع الله له؛ وادع الله عز وجل له فخير ما تكافئه به الدعاء، ثم يقول هذا الرجل: فاسأل الله أن يرحمه، وأن يغفر له، وأن يجمعني به في الجنة ".. « لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم » .
أرأيتم أيها الأحبة، رجلاً يلفظ أنفاسه الأخيرة، وعلم أنه مسئول أمام الله أن يأمر وينهي، فماذا كان منه؟ يقول له: أطفئ سيجارتك، ويقول له: اتقِ الله، وبعضنا يرى المنكرات والعظائم أمام عينه فلا تهتز فيه شعرة، ويذهب ويخرس كالشيطان لا يتكلم بكلمة، ألا فاتقوا الله، وقولوا كلمة الحق، لا تخشوا في الله لومة لائم؛ فإن الله ينفع بها، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من حُمر النِّعم.
وها هو حدث آخر حدث في مدينة الرياض، وقد نقلته قبل ذلك في محاضرة كل يغدو ولكن أرى أن المقام مناسب له الآن، رجل عمره ما بين الثلاثين والأربعين، شاب في مقتبل شبابه، لا يرتاح ليلة من الليالي إلا على كأس خمر يشربها، أو امرأة يزني بها، حياته مظلمة، عربدة وفساد وعناد وبُعد عن الله الواحد الدَّيان، تمر به الأيام والليالي، ويشاء الله أن يتزوج بزوجة، وبعد زواجه يزداد طغيانه، ويزداد عصيانه، ويرزقه الله عز وجل بابنة من زوجته لتترعرع وتبلغ الخامسة من عمرها، ترعرعت وبلغت الخامسة من عمرها وهي لا ترى أباها إلا قليلاً، يسهر ليله على معصية الله، ثم يأتي مُنهكاً لينام، ونادرًا ما تراه ابنته، في الليل نائمة وهو سهران على المعاصي، وفي النهار في عمله وهي في البيت، تمر الأيام وتمر الليالي فلا يزداد إلا سوء، وفي ليلة يتفق مع بعض قرناء السوء يجتمعون على شرب الخمور، ويقدِّر الرحمن أن يتأخر عن هؤلاء الرفقة السيئين، ثم يقول هو عن نفسه: ذهبت وفتشت عنهم يمنة ويسرة، نظرت إليهم هنا وهناك -يبحث عنهم- فلم أجدهم، قال: فما كان مني إلا أن ذهبت إلى صديق سوء آخر، فذهبت إليه وأخذت منه فيلماً ماجناً خليعاً جنسياً يستحي إبليس أن ينظر إلى ذلك، فكيف بالبشر؟ قال: ثم أخذته وعدت به في الساعة الثانية ليلاً ، ولا إله إلا الله، ثلث الليل الآخر يتنزل الرب، هل من داعٍ فأستجيب له، ومنا من تهراق دموعه على خدِّه من خشية الله، فذلك هو الفائز، ومِنَّا من يرضع المعاصي في تلك الساعة وخاصة هذه الأيام مع قدوم البث المباشر، في الساعة الثانية ليلاً، الله يقول: (( هل من داعٍ فأستجيب له؟ )) والناس ينظرون إلى ما يغضب الله -جل وعلا-، قال: فدخلت إلى بيتي ونظرت إلى زوجتي وابنتي فوجدتهم نائمتين، قال: ودخلت إلى غرفة ذلك الجهاز -يقصد الفيديو الذي خرب بيوت كثير من المسلمين، وأضاع شباب المسلمين-، قال: فدخلت ووضعت الشريط في ذلك الجهاز، ثم جلست، وبينما أنا جالس وإذا بالباب يفتح، وإذا بها ابنتي -عمرها خمس سنوات- وإذا بها تدخل وتنظر إلىّ بنظرات حادة، بنظرات قوية وتقول: عيب عليك يا والدي، اتقِ الله، عيب عليك يا والدي اتقِ الله، قال: ذهلت ودهشت، وقلت: من علَّمها؟ من أنطقها؟ إنه رب الأرباب سبحانه وبحمده، قال: وأغلقت الجهاز، وخرجت ونظرت إليها، فإذا هي نائمة، قال: فخرجت وأنا أتذكر قولتها: عيب عليك يا والدي، اتق الله، بقيت في الشارع أمشي وآتي، وإذا بمنادٍ ينادي الله أكبر، الله أكبر.. نداء صلاة الفجر الذي حُرِمَه كثير من المسلمين، والذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من عِظَم الأجر فيه لو لم يكن من الإنسان إلا أن يأتي حبواً لتلك الصلاة لجاء حبواً، قال: فذهبت وتوضأت ودخلت في المسجد، وما كنت أصلي أبداً، قال: وكبّرت مع الإمام، قال: ويوم سجدت انفجرت من البكاء، قال وعندما انتهى الإمام من صلاته، قال الرجل الذي بجانبه: ما بك يا أخي؟ قال: قلت له: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي، سبع سنوات ما ركع فيها لله ركعة، بأي وجه يلاقي الله جل وعلا، قال: ثم ذهب الناس، وبقيت أتذكر جرائمي وفضائحي، وذنوبي التي عظُمت وعظمت وعظمت، قال: ونظرت في الساعة، فإذا وقت الدوام يحين، قال: فانطلقت إلى عملي، وكان لي زميل لطالما ذكّرني بالله جل وعلا، ولكنني لم أتذكر، قال: دخلت عليه ونظر إلي وقال: والله إني لأرى بوجهك اليوم شيئاً غير الذي أراه منك كل يوم، قال: لقد كان من أمري البارحة كذا وكذا وكذا وقص عليه قصته، فقال: أحمد الله الذي أرسل إليك ابنتك لتوقظك، وما أرسل إليك ملك الموت ليقبض روحك، ثم قال: إني لم أنَمْ البارحة، وأريد أن تأذن لي لأذهب لأنام، فأذن له فخرج من عنده، وذهب ودخل في مصلى الدائرة التي يعمل فيها، ثم قام يصلى من الساعة العاشرة إلى صلاة الظهر، قال: وجئته وظننت أنه ذهب إلى البيت، قال: فتقدمت إليه، ولما رآني انفجر بالبكاء، فقلت له: لِمَ لَمْ تذهب وتسترح؟ قال: يا أخي سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة، بأي وجه ألاقي ربي، والله إن بي شوقاً عظيماً إلى الصلاة.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « وجعلت قرة عيني في الصلاة » وتواعد هو وإياه على ليلة جديدة وعلى عُمْر جديد؛ ليكون عمره تلك الليلة، وليكون عمره بدايته في ذلك اليوم، وما مضى فعُمْر لا يتشرف به، وذهب إلى بيته يريد أن يرى ابنته التي لم يرَها منذ أن قالت له كلمتها، ويدخل البيت، وإذا بزوجته تصرخ في وجهه أين أنت؟ نتصل عليك فلم نجدك، لقد ماتت ابنتك منذ لحظات ومنذ ساعات، فما كان منه إلا أن انهار، لم يتمالك نفسه إلا وهو يردد كلماتها؛ عيب عليك يا والدي، عيب عليك يا والدي، اتق الله، ثم ماذا كان؟ كان منه أن اتصل بزميل الصلاة زميله وأخبره، فجاء وكفَّنوها وصلوا عليها صلاة العصر، وذهبوا بها إلى المقبرة، ويوم وصل إلى المقبرة قال: خذ ابنتك -يقول زميله- وضَعْها في لحدها، فأخذها ودموعه تقطر على كفنها.
وليس الذي يجرى من العين ماؤها *** ولكنها روح تسيل وتقطر
ما كان منه إلا أن وضعها في القبر، ويوم وضعها في القبر قال كلاماً أبكى جميع من حضر الدفن، قال: يا أيها الناس أنا لا أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور، هذه البنت أخرجتني من الظلمات إلى النور بإذن الله سبحانه وبحمده، فأسأل الله أن يجمعني وإياها في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أرأيتم أيها الأحبة يوم يعود العبد إلى الله فيجد الله -سبحانه وتعالى- توَّاباً رحيماً.
يا أيها المذنبون -وكلنا ذوو خطأ- المولود إذا ولد أُذِّن في أذنه اليمنى، وإذا مات صُلِّيَ عليه، فكأن الحياة ما بين الأذان إلى الصلاة، ولا إله إلا الله! ما أقصرها من حياة! إن للموت أَخْذَة تسبق اللمح بالبصر، إياكم والتسويف؛ فإن سوف جندي من جنود إبليس.
أعماركم تمضــي بسوف وربما *** لا تغنمون سوى عسى ولعلما
فاقضـــوا مشاربكم عجالى إنما *** أعماركــــــم سِفْر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا *** أن تُسْتــــــرد فإنهن عـــــوارِ
اذكروا أن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، وإذا كانت نظرة الخلق إليك تمنعك من المعصية فإن الله أولى بذلك، أَصْلح ما بينك وبين الله، وتقرَّب إليه بطاعته؛ عسى أن تكون ممن يبدل الله سيئاتهم حسنات؛ فإنك عما قريب تُحمل على أكتاف الرجال، ونفسك إن كانت صالحة تقول: قدّموني قدّموني، وإن كانت طالحة تصيح بصرخات تقض منها المضاجع: يا ويلها، أين تذهبون بها؟
أحبتي في الله أسعد ساعة في العمر وأصدق لحظة في الحياة تلك الساعة التي يقف العبد فيها مع نفسه محاسباً، وقفة العتاب، وقفة الملامة، إنها ساعة المخطئين المنيبين إلى رب العالمين، إنها ساعة المنكسرين من خشية إله الأولين والآخرين، إنها ساعة العتاب، إنها ساعة الحساب التي يتذكر فيها العبد ما أصاب، أيام خلت وليالٍ مضت قد قصر فيها في جنب الله، إذا تذكر السيئات وما أصاب من الأوزار رق قلبه، وانكسر فؤاده من خشية الله، تذكر حقوقاً لله ضيعها، وحدوداً لله جاوزها، ومحارم لله انتهكها فانكسر فؤاده من خشية الله، ورقَّ قلبه خوفاً من الله، إنها ساعة الحزن والندامة والأسى على التفريط في جنب الله، لكن سرعان ما يزداد الألم والندم إذا تذكر أنه إلى الله صائر وراجع ومسؤول، وأنه مرتحل من هذه الدنيا ليقف بين يديْ جبار السماء والأرض، ثم يسأل نفسه، كيف ألقاه وحقوقه ضيعت؟ كيف ألقاه ومحارمه انتهكت؟ كيف ألقاه وحدوده تجاوزت؟ كيف ألقاه؟ بأيِّ وجه ألقاه بأيِّ قدم أقف بين يديْه؟ عندها ينكسر قلبه ويرقُّ فؤاده، ولا يجد إلا أن يدمع من خشية الله، ثم لا يملك إلا أن يرفع يديْه، ربَّاه أسأت، ربَّاه ظلمت، ربَّاه أسرفت، ربَّاه ذنوبي، من أرجو لها سواك؟ من يفتح الباب إن أغلقتَه؟ من يعطي العطاء إن منعتَه؟ فيصلح الحال، وتُبدَّل السيئات -بإذن الرب- إلى حسنات؛ فالبدار البدار.
انتبه عبد الله وتيقظ وادخل باب التوبة المفتوح قبل إغلاقه مبادراً منكسراً { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } .
أحبتي في الله العيون تذنب، والآذان تذنب، والقلوب تذنب، والأبصار تذنب، والأرجل تذنب، وكلنا ذوو خطأ وذنب. والله لا يغفر تلك الذنوب إلا التوبة النصوحة، التوبة التوبة لعلكم تفلحون.
الأوبة الأوبة، متى ما أقبلتم على الله فاستغلوا ذلك الإقبال؛ فإن النفس كالحديدة لا تلين بيد الحدَّاد إلا إذا كانت ساخنة، فإذا بردت جمدت وصارت أشدَّ من الحجارة. ألا واستغلوا اندفاع الأنفس إلى الخيرات؛ فإن لكل نفس إقبالاً وإدباراً، ولكل خافق سكوناً
إذا هبّت ريــــاحك فاغتمنها *** فــــــإن لكل خافقـــــة سكوناً
ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فلا تدري السكون متى يكون
إن صاحب الشمال -المَلَك الموكَّل بالسيئات- ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ؛ فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت عليه واحدة فضلاً مِن الله ومِنَّة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، التوبة على عَجَل قبل دنوِّ الأجل، لنندم ونقلع، ونرد المظالم، ولنخالط الصالحين؛ فبخلطة الصالحين نتذكر رب العالمين. { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }.
يا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي..
واستغفري لذنـــوبك الرحمن غفار الذنوب..
إن المنايا كالريــــــاح عليك دائمة الهبوب..
يــــــا من يرى مدّ البعــــــــوض جنــــاحها..
فـــــــي ظلمة الليــــــل البهيم الأليــــــــــن..
ويرى نيـــــــــاط عــــــــروقها في مخــــها..
والمــــــخ فــــــي تلك العظـــــــام النُحَّــــلِ..
رب اغفـــــر لجمـــــــعٍ تـــــاب من ذلاتهـا..
مــــــــا كان منه فـــــــي الزمـــــان الأول..
نسألك اللهم باسمك الأعظم، نسألك اللهم بعزِّك وذلِّنا إلا رحمتنا. نسألك بقوتك وضعفنا، بغناك وفقرنا إليك إلا غفرت لنا. هذه نواصينا الخاطئة الكاذبة بين يديك. عبادك سوانا كثير ولا رب لنا سواك. لا ملجأ ولا منجى إلا إليك، لا مهرب منك إلا إليك. نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، ونسألك سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبه إلا رحمتنا وتقبلتنا. من يغفر الذنوب إلا أنت؟ من يستر العيوب إلا أنت؟
اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بك اللهم أن نُغتالَ من تحتنا، اللهم تقبلنا فيمن تقبلت، اللهم تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوزْ عن سيئ ما عملنا، ربَّاه من يفتح الباب إن أغلقته، من يعطينا العطاء إن منعته. اللهم تقبلنا في التائبين، واغفر ذنوب المذنبين. اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، في حاجة إلى رحمتك، وأنت في غنى عن عذابنا، اللهم جازِنا بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة عفواً وغفراناً. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
تــــمَّ الكلام وربّـــنا محمود *** وله المكارم والعُلا والجُود
وعلى النبي محمد صلواته *** ما نــاح قُمْري وأورق عُود
يقول أحدهم: حبذا لو دعوت الشباب إلى أن يأخذوا في طريقهم قبل أن يأتوا إلى حضور حلقات الذكر إخوانهم الذين ربما انشغلوا وربما غفلوا.
فأقول لهم: يا أيها الأحبة لأن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه يدخل على المصطفى صلى الله عليه وسلم فيؤمن برسالته، ثم يخرج من عنده ويرجع وقد أدخل في دين الله -بإذن الله- ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يأتي يوم القيامة، وهم في ميزان حسناته. فهلا ركزت جهدك على أن تأتي بواحد لتذيقه ما ذُقتَه من حلاوة الإيمان. إن من أعظم الأخوة علينا أن نشارك غيرنا فيما نشترك فيه في حلقات الذكر. إن المؤمنين وهم في الجنة على مقاعدهم إخوانا ًعلى سُرُر متقابلين يتذكرون بعض إخوانهم من أصحاب الكبائر، يتذكرون بعض إخوانهم فيقولون: يا رب كيف ننعم وإخواننا يعذبون؟ كيف ننعم وإخواننا يعذبون؟ فيأذن الله عز وجل بالشفاعة لكل رجل جلس مع آخر ولو لساعة واحدة يذكر فيها الله عز وجل.
« وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتذاكرونه ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير أنَّا اتَّجهنا، وسبحان الله وبحمده، أشهد أن لا إله إلا هو، أحمده وأستغفره وأتوب إليه.
علي بن عبد الخالق القرني
أضيفت بتاريخ : : 04 - 05 - 2010
الحمد لله الواحد الأحد الكريم الوهاب الرحيم التواب، غافر الذنب، وقابل التَّوب، شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو، يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويغفر للمخطئين المستغفرين، ويقيل عثرات العاثرين، ويمحو بحلمه إساءة المذنبين، ويقبل اعتذار المعتذرين. لا إله إلا هو، إله الأولين والآخرين، وديَّان يوم الدين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يُرجع الأمر كله. أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون. أشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، ثم يجمعنا بكم سرمدية أبدية في جنات ونهر تحط بكم فيه. واسأله أن يظلنا وإياكم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم لا تعذب جمعاً التقى فيك ولك اللهم لا تعذب ألسنة تخبر عنك اللهم لا تعذب قلوباً تشتاق إلى لقاك، اللهم لا تعذب أعيناً ترجو لذة النظر إلى وجهك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، اللهم كلنا ذوو خطأ، وما لنا إلا عفوك وحسن الظن بك، وحب من تحب، فأقل عثراتنا، وتجاوز عن خطئنا، وأنت أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، رباه..
يظن النـــــــاس بي خيراً وإنــي *** لشر النـــــــاس إن لم تعف عني
ومالــــــي حيلــــة إلا رجائـــــي *** وعفوك إن عفــوت وحسن ظني
والله لــــو علموا قبيح سريرتي *** لأبى الســـــــلام عليَّ من يلقـاني
ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي *** ولَبُئْتُ بعد كـــــــرامة بهـــــــوان
لكـــن سترت معايبي ومثـــالبي *** وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحــــــامد والمدائح كلها *** بخواطري وجــــــــوانحي ولساني
اللهم اجعلني خيراً مما يظن الظانُّون، واغفر لي مالا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن سهلاً إذا شئت.
أحبّتي في الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله عز وجل في السر والعلانية، فهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ }. راقبوا الله جل وعلا، راقبوا الله جل وعلا؛ فما راقبه عبد وذل وأخطأ إلا آب وعاد وحاله.
رحماك يا رب رحماك..
رب يا ربي ويا رب الورى..
ما ترى في عبد سوء ما ترى..
خلق الله السماوات سبعاً وخلق الأراضين سبعاً وفي مجموع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحاح أن ما بين الأرض وما بين السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق ذلك عرش الرحمن ومن فوقه ربنا سبحانه وبحمده بائن عن خلقه مستو على عرشه { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ}، متى علمت هذا ومتى استشعرت هذا فأنت من المتقين..
إذا ما خلـــــوت الدهر يوماً *** فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن مـــا تخفيــــه عنه يغيــــــب
ها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في بستان من بساتين الأنصار، وأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يراقبه ويرقبه -وهو لا يراه-، وإذا بعمر يقف وقفة محاسبة ووقفة مراقبة مع نفسه، ويقول عمر: "أمير المؤمنين بخ بخ، والله لتتقين الله يا عمر أو ليعذبنك الله، والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله" عمر الذي يأتيه أعرابي قد قرض الجوع بطنه وبه من الفقر ما به، و يقف على رأسه ويقول:
يا عمر الخير جزيت الجنـة
اكـس بنــــــاتي وأمـــــــهن
وكن لنا في ذا الزمان جنة
أقســــــــم بـــالله لـــــتفعلن
قال وإن لم أفعل، يكون ماذا؟ قال:
إذاً أبـــــــا حفص لأمضين
قال: وإذا مضيت، يكون ماذا؟ قال:
والله عـــــــــــنهن لتسألن
يوم تكون الأعطيــات منة
ومـــوقف المسئول بينهن
إما إلى نار وإما إلى جنة
فلم يملك عمر رضي الله عنه وأرضاه إلا أن ذرفت دموعه على لحيته رضي الله عنه وأرضاه، ودخل ولم يجد شيئاً في بيته، فما كان إلا أن خلع ردائه وقال: "خذ هذا ليوم تكون الأعطيات منة، وموقف المسؤول بينهن إما إلى نار وإما جنة". هكذا تكون مراقبة الله عز وجل وهكذا تكون تقوى الله عز وجل.
وعمر الثاني، عمر بن عبد العزيز، وهو يلي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام ويكسب أو يفيء الله على المسلمين فيئاً -وهذا الفيء تفاح-، فأراد أن يقسمه على الرعية، بينما هو يقسم هذا التفاح، إذ امتدت يد صبي من صبيانه طفل صغير أخذ تفاحة ووضعها في فمه، فما كان من عمر إلا أن أمسك بفيه وأوجع فكّيه، واستخرج التفاحة من فمه وردها بين التفاح، والطفل يبكي -ابن عمر يبكي-، ويخرج ويذهب إلى أمه ويذكر لها الحادثة، فترسل غلام من البيت ليشتري لهم تفاحاً ويقسم الفيء على المسلمين وينسى نفسه، فلم يأخذ تفاحة واحدة ويذهب إلى البيت فيشم رائحة التفاح في بيته، فيقول من أين لكم هذا؟ ووالله ما جئتكم بواحدة -بتفاحة واحدة-. فأخبرته الخبر، قالت: جاء ابنك يبكي فأرسلت الغلام وجاء له بهذا التفاح. قال: يا فاطمة، والله لقد انتزعت التفاحة من فمه وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني والله كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من فيْء المسلمين، يأكلها قبل أن يقسم الفيء..
هكذا تكون مراقبة الله جل وعلا، هكذا تكون تقوى الله جل وعلا، وبها النجاة { وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
ما راقب عبد ربه إلا أفلح وفاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع..
ما راقب عبد ربه، فزلّت به قدمه فأخطأ فارتكب فاحشة إلا عاد نادماً حسيراً كسيراً، فيتقبله ربه، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين- بمنّه وكرمه الله عز وجل. رحيم بل هو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه سبحانه وبحمده. له مائة رحمة أنزل لنا في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم، ناطقهم والأعجم، صغيرهم والكبير، حتى إن الدّابة لترفع رجلها لوليدها ليرضع منها، ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة لرفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة عنده سبحانه وبحمده، فيتطاول إبليس ويظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم.
فيا من رحمته وسعت كل شيء، ارحمنا برحمتك..
اسمع له صلى الله عليه وسلم -كما يروى في البخاري-، يوم يأتيه سبي وإذا بامرأة من بين هذا السبي تبحث عن صبي لها فقدته، لا تلوي على شيء كلما وجدت طفلاً قلّبته ونظرت فيه فإذا به ليس طفلها، ثم تجده، تجد ابنها بعد مشقة وعناء فتلصقه ببطنها وترضعه، ورسول الله وصحابته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم يرقبون الموقف، وإذا بها تذرف الدموع على ابنها -وهو على ثديها-، دموع الفرح، فيقول صلى الله عليه وسلم:« أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ » قال الصحابة: لا والله يا رسول الله، فقال: « الله أرحم بعباده من هذه بولدها ».
يا كثيـــــر العفـــو عن مـن كثر الذنب لديه..
جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم لديه..
أنــــا ضيف وجزاء الضيف إحســـان إليه..
{ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ }
أحبتي في الله..
كثيراً ما يضل الإنسان في الطريق وينحرف عن الجادة، بوازع الجهل والهوى أحياناً، واستجابة لإغراء عابث أحياناً أو لشهوة جامحة قوية، الأمر الذي يهبط بمستواه الإنساني ويحول بينه وبين الطهر والتسامي، فتسقط قيمته وينحطّ إلى الدرك الأسفل من الرذيلة والعار.. تتجه قواه كلها إلى إشباع غرائزه وإتيان لذائذه، فيسقط إلى منزلة البهيمة حتى إنك لتجده بأذن لا تسمع، وبعين لا تبصر، وبقلب لا يفقه..
تجده بهيمة في مسلاخ بشر، والإنسان قد تمر به ساعة تنام فيها قواه ويغفو فيها ضميره، وتستيقظ غرائزه، فيسقط صريع الهوى والشهوة والشبهة.. فيا له من سقوط ويا لحقارتها من لذة مؤقتة تورث النار.
تفنو اللذاذة ممن نال صفوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار
وكلنا ذوو خطأ، والمعصوم من عصمه الله جل وعلا..
على كل واحد منا أن يذكر -فلا ينسى- أنه لم يخلق مَلَكَاً، ولم يخلق بشراً معصوماً، وإنما هو إنسان تتنازعه قوى الخير والشر، فتارة يغلب خيره شره، فهو خير من الملائكة.. وتارة يغلب شره خيره، فهو شر من البهائم -كما قال صلى الله عليه وسلم: « وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون » « كلنا ذوو خطأ ». في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، فلابد من الخطأ ولابد من التقصير، وكلنا ذوو خطأ..
من ذا الذي ما ساء قط *** ومــــن له الحسنى فقط
تريد مبرئــاً لا عيب فيه *** وهل نار تفوح بلا دخان
لكن إياك أن تبقى على الخطأ، إياك أن تدوم على المعصية؛ فإن المعصية شؤم، وإن المعصية عذاب، وإن المعصية وحشة، وإن المعصية غضب من الله الواحد الديّان. وقد يحبس عن أمة خير بمعصية من فرد واحد لم يأمروه ولم ينهوه -نسأل الله ألا يحرمنا خير ما عنده من شر ما عندنا-. هاهم بنو إسرائيل -كما في كتاب التوابين لابن قدامة- يلحق بهم قحط على عهد موسى عليه السلام- فاجتمعوا إلى موسى، وقالوا: يا نبي الله ادعُ لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء ليستسقوا -وهم سبعون ألفاً أو يزيدون-، فقال موسى: إلهنا اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُّضَّع، والبهائم الرُتَّع، والشيوخ الرُّكَّع، فما ازدادت السماء إلا تقشّعاً، ذهب السحاب الذي في السماء، وما ازدادت الشمس إلا حرارة، فقال: يا رب استسقيناك فلم تسقِنا، فقال: يا موسى إن فيكم عبداً يبارزني بالمعصية منذ أربعين عاماً، فمُرْهُ أن يخرج من بين أظهركم؛ فبشؤم ذنبه مُنِعْتم القطر من السماء، قال: يا رب عبد ضعيف وصوتي ضعيف، أين يبلغ وهم سبعون ألفاً أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه -سبحانه وبحمده-: منك النداء وعلينا البلاغ، فقام ينادي في سبعين ألف، قام ينادي فيهم قائلاً: يا أيها العبد العاصي الذي بارز الله بالمعصية أربعين عاماً، اخرج من بين أظهرنا؛ فبشؤم ذنبك مُنِعْنَا القطر من السماء، فيوحي الله إلي موسى أنه تلفت هذا العبد يميناً وشمالاً لعله يخرج غيره، فعلم أنه المقصود بذلك، فقال في نفسه: إن خرجت افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن بقيت، هلكت وهلكوا جميعاً بالقحط والجدب. فماذا كان منه؟ ما كان منه إلا أن ادخل رأسه في ثيابه، وقال: يا رب عصيتك أربعين وأمهلتني، واليوم قد أقبلت إليك طائعاً تائباً نادماً، فاقبلني واسترني بين الخلق هؤلاء -يا أكرم الأكرمين-؛ فلم يستتم الكلام حتى علتْ السماء سحابة بيضاء، فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال موسى لربه -سبحانه وتعالى-، قال كليم الله لربه: يا رب سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد، فقال: يا موسى أسقيتكم بالذي منعتكم به، بنفس العبد الذي منعتكم به أسقيتكم به، قال: يا رب أرني هذا العبد الطائع التائب النادم، قال: يا موسى لم أكن لأفضحه وهو يعصيني أفأفضحه وهو يطيعني؟
يــــــا من ألوذ بـــــه فيمـا أؤمله *** وأستعيــــذ بـــه ممــــا أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره *** ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
لا إله إلا الله، ما أرحم الله، ما أحكم الله، هو القائل: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما جزاؤهم؟ { أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }. هو القائل كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: « "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم لو أتيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بترابها مغفرة" » ..
سبحان من يعفو ونهفو دائماً *** ولا يزل مهما هفا العبد عفا
يعطــي الذي يخطي ولا يمنعه *** جلاله عن العطا لذي الخَطَا
يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. هو القائل كما في الحديث القدسي: « "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم" » هو القائل في كتابه:{ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }. ما أكرم الله جل وعلا! ما أكرم الله سبحانه وتعالى! هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، ولن يهلك على الله إلا هالك، فيا مخطئاً وكلنا ذوو خطأ، ويا من سقط في المعصية وكلنا ذاك الرجل، ويا من زلَّتْ قدمه وكلنا ذاك الرجل، صحح أخطاءك، وعالج أمراضك، وغسِّل نفسك مما قد ران عليها، واستأنف الحياة في ثوب التوبة النقي النظيف، واسمع لداعي الله جل وعلا يوم يقول: { وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
توضأ بماء التوبة اليوم نادماً *** به ترأى أبواب الجنان الثماني
كلنا ذوو خطأ، والله يمهل ولا يهمل، ويحب التوابين والمتطهرين. ولذلك فتح باب التوبة أمام المخطئين ليتوبوا ويؤوبوا ويعودوا إلى رشدهم، فيغفر لهم ما اقترفوه من إثم وخطيئة وموبقة وصغيرة وكبيرة؛ فله الحمد أولا وآخر وظاهراً وباطناً.
ها هو كما في "البخاري": رجل من بني إسرائيل أسرف على نفسه كثيراً، وهو موحّد لم يشرك بالله جل وعلا، قتل وزنا وسرق وغش وكذب واحتال وشهد الزور وأساء كل الإساءة، انتهك حرمات الله، تكبّر وتجبّر، وحلّت به سكرات الموت التي لم يُعفَ منها أحد، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع أبناءه في تلك الساعة، ساعة لا ينفع فيها مال، ولا ينفع فيها ولد، ولا ينفع فيها منصب، ولا ينفع فيها جاه، جمع أولاده وقال: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فوالذي نفسي بيده ما عملت خيراً قط، غير أني أشهد أن لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فأضرموا فيَّ ناراً، ثم القوني في النار حتى أصير فحماً، ثم اسحقوني، ثم زروني مع الريح، فمات فنفذوا وصيته، أضرموا له النار، ورموه فيها حتى صار فحماً، ثم سحقوه، ثم ذروه مع الريح، تفرق على ذرى الجبال، وعلى رؤوس الأشجار، وعلى السهول والوِهَاد وعلى الأنهار، لكن الذي بدأه أول مرة يعيده، قال الله له: كن فكان، قال: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ أما علمت أني أستر العيب، وأغفر الذنب، قال: يا رب خفتك وخشيت ذنوبي، قال: أشهدكم يا ملائكتي بأني قد غفرت له وأدخلته الجنة.
فلا إله إلا الله، ما أرحم الله! ما ألطف الله بعباده! ما أحلم الله على عباده! { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } وكلنا ذوو خطأ.
هاهي امرأة بَغِيّ، بارعة الجمال، لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، وتمر على عابد ما عصى الله طرفة عين، يتعبد لله في صومعة من الصوامع فيفتتن بها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فاتقوا الدنيا واتقوا النساء » افتُتن بها فراودها على نفسها، فأبت أن تمكنه إلا بمائة دينار، وهو لا يملك ريالاً ولا ديناراً ولا درهماً، فماذا كان منه؟ كان منه أن ترك صومعته وذهب يكدُّ ويتعب، وجمع المائة الدينار، ثم ذهب إلى هذه البغيّ في بيتها وفي قصرها، طرق عليها الباب ولما طرق عليها الباب خرجت، ويوم خرجت قال لها: ها أنا ذا، قد جمعت المائة دينار وجئت، قالت: ادخل، فدخل إليها في قصرها، فَعَلَتْ على سرير من ذهب وتزينت في كامل زينتها، ويوم تزينت في كامل زينتها قالت: هلمَّ إليّ، فسقط جالساً، قالت: قد كنت تزعم أنك ستجمع وتأتي، فلما مكنتك من نفسي تجلس، قال: ذكرت وقوفي بين يدي الله عز وجل فلم تحملني أعضائي لأقف، فما كان منها هي أيضاً إلا أن ارتعدت وارتعشت وخافت ووجلت، وقالت: لا تخرج من هذا البيت حتى تتزوجني، قال: لكني والله لا أتزوجك، وإنما خذي هذه الدنانير ودعيني أخرج، قالت: لا تخرج حتى توافق على الزواج مني، فماذا كان منه؟ قال: بلدي في المكان الفلاني، وعلّك إن جئت تائبة لعلي أن أتزوجك -وهو يريد الخلاص منها- أما هو فذهب وخرج نادماً على تفكيره في عمل المعصية، نادماً على تركه العبادة ليجمع المائة دينار ليزني بها، كما يفعل بعض شبابنا اليوم -هداهم الله- يوم يجمعون دراهمهم ودنانيرهم ليذهبوا ليعصوا الله في بلاد الكفر والعري، ثم يرجعوا وكأن لم يكن شيئاً، وكأن الله -عز وجل سبحانه وبحمده وله العزة والجلال، كأنه لا يراقبهم إلا في جزيرة العرب، أما هي فأقلّقتها بشاعة الفاحشة وآلمتها مرارة الكبيرة ولسعتها مرارة المعصية، وما كان منها إلا أن رجعت إلى الله، وتابت إلى الله، وذهبت تبحث عمن كان سبباً في توبتها إلى الله جل وعلا، ذهبت إليه في قريته، وسألت عنه، فدُلَّت على بيته، فلما وصلت إلى البيت طرقت الباب فخرج، فتذكّر يوم كادت تزل قدمه، فشهق شهقة عظيمة فمات -كما ذكر ذلك ابن قدامة في كتابه التوابين-. فكان منها أن حزنت حزناً عظيماً، وقالت: لأتزوجنَّ قريباً من أقربائه حباً فيه، فقالوا: له أخ فقير تقي، قالت: أتزوجه حباً في أخيه، فتزوجت هذا العبد الصالح الفقير التقي أخو ذلك الصالح التقي، فجعل الله من نسلها ومن نسله سبعة من الصالحين العابدين الزاهدين، فلا إله إلا الله!
ما أعظم شأن التوبة! وكلنا ذوو خطأ، فهل من توبة؟ وهل من أوبة؟ آن لنا أن نتوب، آن لنا أن نؤوب أيها الأحبة.
قد يدَّعي الإنسان التوبة ثم لا يتوب؟ إن ذلك كقول غاسل الثياب: قد غسلتها ولم يغسلها بعد، فالقول لا ينظف الثياب، وادِّعاء التوبة لا ينظف القلوب، والنفس البشرية كالطفل إن أهملتها ضاعت وضلّت وخسرت وتاهت، وإن هذّبتها وأدَّبتها صلحت واستقامت، بل هي كالبعير إن علفته وغذيته سكن وثبت، وإن تركته صدَّ وندَّ وهرب، والنفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات، وتميل إلى الملذات، ووالله لا فلاح لنفس ولا نجاح ولا فوز إلا بالعودة إلى بارئها سبحانه وبحمده القائل: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }
والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمْه ينفطمِ
خـــــالف هـــــواك إذا دعــاك لريبة *** فلا خير في مخــــالفة الهــــوى
حتـــــى متى لا تـــرعوي يا صاحبي *** حتى متى وإلـى متى وإلى متى
ها هو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو محجن الثقفي، ممن أسلم مع ثقيف حين أسلمت، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه تمادى في شرب الخمر، تلك الكبيرة من الكبائر، وما زال يُجلد بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أكثر من ذلك سجنوه وأوثقوه، فلمّا كان يوم القادسية رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل لامرأة سعد بن أبي وقاص -وقد كان مسجونًا في بيت سعد- قائلاً : يا بنت آل حفصة هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخُلِّي عني، وتعيرنني البلقاء -فرس سعد بن أبي وقاص- فأقاتل مع المسلمين، ولله عليّ إن سلَّمَني الله أن أرجع فأضع رجلي في القيد كما كنت، قالت: ما أنا وذاك، فرجع يرسف في قيوده، نفسه مشتاقة للجهاد في سبيل الله، ويرى أن المسلمين يُنال منهم ما ينال، فيقول:
كفى حزنًا أن تُرديَ الخيل بالقنا *** وأتــــرك مشدوداً علــيَ وثاقيا
إذا قمت عن نار الحديد وغُلِّقت *** مصاريع دوني قد تصمُّ المناديا
وقــد كنت ذا مـــال كثير وإخوة *** فقــــد تركوني واحداً لا أخَ ليــا
فلله عهـــــد لا أقـــــيس بعهده *** لأن فرّجـــــتِ ألا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: لقد اخترت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وأعطته فرس سعد -الذي كان في الدار، وأعطته مع ذلك سلاحاً، فخرج كالأسد يركض حتى لحق بالجيش المسلم، فجعل لا يزال يحمل على مشركٍ إلا دقّ صلبه وقتله، حمل على ميسرة القوم، ثم حمل على ميمنة القوم، كان يقصفهم -ليلتئِذٍ- قصفاً عظيماً، حتى تعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، تعجب سعد وهو يرقب المعركة، ويقول: من ذلك الفارس الملثم؟ ولِمَ يتلثم؟ ولِمَ لمْ يظهر إلا في آخر النهار؟ تساؤلات ترد على ذهن سعد ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى هُزم أعداء الله، ورجع أبو محجن وردَّ السلاح، وجعل رجليْه في القيد، وعاد سعد، فقالت امرأته: هنيئاً لكم النصر، كيف قتالكم اليوم؟
فجعل يخبرها، ويقول: لقي جند الله ما لقي، ولقوا ولقوا ويذكر لها حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، فلولا والله أني تركت أبا محجن في القيد لقلت: إنها بعض شمائل أبي محجن، قالت: إنه -والله- لأبي محجن، وذكرت له ما كان من أمره؛ من أمره كذا وكذا، فما كان من سعد إلا أن ذرف الدموع، وقال: حلّوا قيوده وأتوني به، فأتوا به إليه، قال: يا أبا محجن -والله- إني لأرجو الله ألا أجلدك على خمر بعد اليوم أبداً، قال: لا والله ما أشربها بعد اليوم أبداً، قد كنت أشربها فتطهّرني بالحد والجلد، وأما اليوم فإن شربتها فلا يطهرني إلا النار، فلم يشربها بعد ذلك أبداً.
فخالف النفس والشيطان وأعصهما *** وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهم
{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً } فمن تجيب أخي المسلم؟
العز في كنف العزيز، ومن عبد العبيد أذَلَّه الله. هاهو شاب قوي وسيم -وأنا ما أورد هذا القصص إلا لأن فيه عبرة { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } - قوي وسيم حييٌّ عالم في أوْج شهوته وشدة شهوته، لكنها مربوطةٌ شهوته بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، عمره لا يجاوز الثلاثين، هو الربيع بن خثيم، كان في بلده فسّاق وفجَّار يتواصون على إفساد الناس وليسوا في بلد الربيع، هم في بلدي وفي بلدك وفي كل بلد، ثلة تسمّى فرقة الصد عن سبيل الله، يهمّها أن تقود شباب الأمة وشيبها ونساءها إلى النار، تأخذ بحجزها لترميها على وجهها في النار، من أطاعها فليس أمامه إلا النار تواصوا على إفساد الربيع، فجاءوا بهذه الغانية، وقالوا: هذا ألف دينار، قالت: علام؟ قالوا: على قُبْلة واحدة من الربيع، قالت: ولكم فوق ذلك أن يزني، ثم ذهبت وتعرضت له في ساعة خلوة، وأبدت مفاتنها ووقفت أمامه، فلما رآها خرج فيها قائلاً: يا أمة الله كيف بك إذا نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك يوم يسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك يوم تقفين بين يديْ الرب العظيم؟ أم كيف بك إن لم تتوبي يوم تُرمَيْن في الجحيم؟ فصرخت وولَّت هاربة تائبة عابدة عائدة إلى الله عز وجل، تقوم من ليلها ما تقوم، وتصوم من أيامها ما تصوم، فلقِّبت بعد ذلك بـعابدة الكوفة، وكان يقول هؤلاء المفسدون: أردنا أن تفسد الربيع فأفسدها الربيع علينا. { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ، { وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } فإياك وداعي الشر، إياك ودعاة الشر، واسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوك إلى أن تضبط نفسك في أي مكان كنت، أو في أي زمان كنت، « اتقِ الله حيثما كنت، واتبع السيئة بالحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن » .
{ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } .
وكلنا ذوو خطأ، لكن الحسنات يذهبن السيئات، فلا تحقر ذنباً، ولا تستصغر معصية، ولا تستصغر كبيرة، ولا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، القائل كما في الأثر (( وعزّتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره )) يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات "، يقول هذا لمن؟ لخير جيل عرفته البشرية، ولخير فرقة عرفتها البشرية، ولخير القرون كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك للصحابة والتابعين.
فيا أيها الحبيب إنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله -سبحانه وبحمده-، إن المؤمن ليرى ذنوبه كأنه قاعد تحت أصل جبل، يخاف أن يقع هذا الجبل عليه، وإن المنافق ليرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فأطاره بيده. فيا أيها المخطئون إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً، وإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على الرجل فتهلكه.
خــــلِّ الذنـــــوب صغيرها *** وكبيــــرها ذاك التُّقَى
واصنع كماشٍ فوق أرض *** الشوك يحـذر ما يرى
لا تـــــــحقرن صغيـــــــرة *** إن الجبال من الحصى
يا أيها المخطئون -وكلنا ذو خطأ- أفيقوا وأقلعوا عن ذنوبكم، واعزموا على ألا تعودوا، واندموا ندماً يورث العين دمعاً، والقلب خشية، وردوا الحقوق إلى أهلها قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وإنما التعامل يكون بالحسنات والسيئات، وعندها يعضُّ الظالم على يديه حتى يأكلها ولا ينفعه ندم، ولا تنفعه حسرة، لو كان الندم هنا لنفعه، ولو كانت الحسرة هنا لنفعه، لو قال: يا رب في الدنيا لقال الله: لبيك وسعديك يا عبدى، أشهدكم أني قد غفرت له.
وتذكر يا من أخطأ -وكلنا ذو خطأ- أننا على الله قادمون، وإليه راجعون، وبين يديه مسؤولون، فمنا من يقدم عليه كالرجل المسافر الغريب القادم على أهله، تراه فرحاً، وتراه مسروراً، يوم يلقى أحبته وأهله وأبناءه وأصحابه وخِلاَّنه، ومنا من يقدم على الله عز وجل قدوم العبد الآبق الشارد عن سيده، تجده ذليلاً حسيراً وَجِلاً خائفاً كسيراً مُهاناً{ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } شتان بين الفريقين، شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }. يا من قسا قلبه، ويا من صدّت نفسه فأمرته بالسوء والفحشاء، هلا زرت المقابر، هلا ذهبت وأحييت هذه السنة التي كادت تموت بيننا، هل ذهبت إلى المقابر فزرتها ودعوت الله عز وجل لهم لترى فيها الآباء والأمهات، لترى فيها الإخوان والأخوات، لترى فيها الأحباب والأصحاب والخلان قد توُسَّدُوا التراب، وارتُهِنوا بالأعمال، ما كأنهم فرحوا مع من فرح، ولا كأنهم ضحكوا مع من ضحك، ولا كأنهم تمتعوا مع من تمتع، قد حِيل بينهم وبين ما يشتهون، ثم اعلم أنك -قريباً- ستكون بينهم، ووالله لن تكون إلا في روضة أو حفرة، القبر روضة من الجنان، أو حفرة من حفر النيران، إن يكُ خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده، وإن يك شراً فما بعدُ أشدّ، ويل لعبد عن سبيل الله صدّ.
ها هو 'دينار العيَّار'، كان مسرفاً على نفسه، وكان له أمٌّ تعظه فلا يتّعظ ، فمر في يوم من الأيام بمقبرة كثيرة العظام قد خرجت العظام من المقبرة، فتذكر مصيره، وتذكر نهايته، وتذكر أنه على الله قادم، أخذ عظْماً نخراً في يده ففتته، ثم فكر في نفسه وقال: ويحك يا نفسي، كأني بك غداً قد صار عظمك رفاتاً، وجسمك تراباً، وما زلت مكبَّة على المعاصي واللذائذ والشهوات، ثم ندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه للسماء قائلاً: إلهي ألقيت إليك مقاليد أمري، فاقبلني واسترني يا أرحم الراحمين، ثم مضى إلى أمه متغير اللون، منكسر القلب، فكان إذا جنَّه الليل أخذ في القيام والبكاء، وأخذ في النحيب وهو يقول: "يا دينار ألك قوة على النار؟ يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟" وظل على ذلك أيامًا يقوم ليله، ويناجي ربه، ويناجي نفسه يؤدبها ويحاسبها، فرفقت به أمه يوم رأت جسمه قد هزل، ويوم رأت صحته بدأت تتدهور، فقالت: ارفق بنفسك قليلاً، فقال: يا أماه دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلاً، يا أماه إن لي موقفاً بين يديْ الجليل، ولا أدري إلى ظل ظليل، أم إلى شر مقيل؟ إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخاً لا عفو معه، قالت: بنياه أكثرت من إتعاب نفسك؟، قال: راحتها أريد، يا أماه ليتك كنت بي عقيماً، إن لابنك في القبر حبساً طويلاً، وإن له من بعد ذلك وقوفاً بين يديْ الرحمن طويلاً. وتمر ليالٍ وهو يقرأ قول الله، ويقوم ليله، بقول الله { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، فيبكي ويضطرب، ثم يخر مغشياً عليه.
فيا مخطئ -وكلنا ذوو خطأ-{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ }، ها هو مالك بن دينار -كما يذكر أهل السِيَر- كان شرطياً من شُرط بني العباس، وكان يشرب الخمر، وكان صادّاً نادّاً عن الله عز وجل، ويشاء الله عز وجل، أن يتزوج بامرأة أحبها حباً عظيماً، لكنه كان لا يترك الخمر، يشربها في الصباح والمساء، ويشاء الله عز وجل أن يرزق بمولودة من هذه المرأة، فما كان منه إلا أن ملكت عليه لبّه هذه الطفلة، ملكت عليه لبه، وملكت عليه قلبه، فكان لا ينتهي عن عمله حتى يأتي إليها ليداعبها ويمازحها، وكان يؤتى بالخمر، فإذا رأته يشرب الخمر ذهبت وكأنها تريد أن تعتنقه، فأسقطت الخمر من يده، وكأنها تقول يا أبت اتقِ الله، ما الخمر لمسلم أبداً، هكذا حالها معه، وفي يوم من الأيام يأتي من عمله ويأتي ليداعبها ويلاعبها ويرميها فتسقط ميتة، فيحزن حزناً عظيماً، ويجِدُ عليها وَجْداً عظيماً، فما كان منه في تلك الليلة -كما يخبر عن نفسه- إلا أن شرب الخمر، ثم شرب حتى الثمالة، قال: ثم نمت في تلك الليلة وبي من الهمِّ ما لا يعلمه إلا الله، قال: فرأيت -فيما يرى النائم- كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس قد خرجوا من القبور حفاة عراة غرلاً بُهماً، يدوخ الناس في عرصات القيامة، وإذ بهذا الثعبان العظيم فاغراً فاه، يقصدني من بين هؤلاء الخلق جميعهم، ويأتي إليَّ يريد أن يبتلعني، قال: وأهرب منه ويطاردني، وأهرب منه ويطاردني، كاد قلبي أن يخرج من بين أضلاعي، وإذا أنا بهذا الشيخ الحسن السَّمْت، الرجل الوقور، قال: فتقدمت إليه فقلت: بالله عليك أنقذني، قال: لا أستطيع، ولكن اذهب إلى من ينقذك، قال: فبقي يطاردني، فما وقفت إلا على شفير جهنم قال: فبقى من ورائي، وجهنم من أمامي. قال: فقلت أرمي بنفسي في جهنم، وإذا بهاتف يهتف، ويقول: ارجع، لست من أهلها، قال: فرجعت لأدوك في عرصات القيامة وهو ورائي يطاردني، ورجعت إلى ذلك الشيخ الوقور، فقلت له: أسألك بالله أن أنقذني أو دلني، قال: فأما إنقاذك فلا، ولكني أدلُّك على ذلك القصر، لعل لك فيه وديعة، قال: فانطلقت إلى القصر، وهو لا يزال يطاردني، قال: وإذا بهذا القصر من زبرجد وياقوت، مكلل باللؤلؤ والجوهر، وإذا بالسُتُر ينادي بفتحها: افتحوا السُتُر، قال: ففتحت الستر عن أطفال مثل فلق القمر، وإذا بكل واحدة وواحد ينظر إلى هذا المنظر المهول، وإذا بابنتي من بينهن تقول: أبتاه، ثم ترمي بنفسها من القصر بيني وبين الثعبان، قال ثم تقول للثعبان بيمناها -هكذا- فينصرف، فتضرب على لحيتي، ثم تضرب على صدري، و تقول: أبتاه { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}، قال بلى قلت: بلى آن بلى آن، ثم قلت ما ذاك الثعبان؟ قالت ذلك عملك السيء كاد يرديك في جهنم. قال وما ذلك الشيخ الوقور؟ قالت: ذلك عملك الحسن ضعّفتَه حتى ما استطاع أن يقاوم عملك السيء. قال ثم تضرب صدري ثانية وتقول أبتاه:{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ } قال: ففزعت من نومي، قال: ثم توضأت، ثم انطلقت إلى المسجد، فذهبت لأداء صلاة الفجر، قال: وإذا بالإمام يقرأ الفاتحة، ثم يبدأ { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فقلت: والله ما كأنه يعني إلا إياي.
فيا أيها الأحبة أعمالكم أعمالكم، أعماركم أعماركم. كلنا ذوو خطأ، كلنا ذوو خطأ.
ها هو عبد من بني إسرائيل أطاع الله أربعين عاماً، ثم انقلبت هذه المضغة وانتكس ورجع على عقبيه، وارتد على عقبيه، فعصى الله أربعين عامًا أخرى فقال: وقد رفع يديه إلى الله، يا رب أطعتك أربعين، وعصيتك أربعين، فهل لي من توبة إن أنا تبت وأُبْت وعدت إليك يا رب؟ قال: فسمعت هاتفاً يهتف ويقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك، فلا إله إلا الله، ما أحلم الله بعباده! ما أرحم الله بعباده! ما ألطف الله بعباده! أسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا برحمته.
ها هم سلفنا -أيها الأحبة- قلوبهم بالخوف وجلة، وأعينهم باكية، يقول قائلهم: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى الصراط مرورنا، والوقوف بين يدي الله مشهدنا، كيف نفرح ؟! { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ.وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }يأتي أحدهم إلى فراشه فيلمسه في الليل، فإذا هو ناعم لين، فيقول مخاطباً فراشه: يا فراشي -والله- إنك لليِّنٌ، ولكن فراش الجنة ألْيَنُ، ثم يقوم ليله كله حتى يصبح { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، يناجي أحدهم ويقول: يا قوم -والله- لا أسكن ولا يهدأ روعي حتى أترك جسر جهنم ورائي، والله لا أهدأ ولا أسكن حتى أترك جسر جهنم ورائي، ويجب أن نكون كذلك.
كانوا إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وكادت تنخلع خوفًا من الله، خافوا الله -جل وعلا-، فأمَّنَهم؛ فهو القائل كما في الحديث القدسي (( وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفيْن، ولا أجمع له أمنيْن؛ إن أمنني في الدنيا خوَّفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة ))، { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ }. كان لسان حال الواحد من سلفنا وهو يناجي ربه في ثلث الليل الآخر، ثلث الآيبين، ثلث التوابين، ثلث المستغفرين، ثلث المخطئين، ثلث النادمين الذي ضيعناه، الذي سهرنا إلى تلك اللحظة، ثم رمينا أنفسنا كالجِيف، ونسأل الله أن يعاملنا برحمته، وإن عاملنا بعدله لعذبنا، ثم لم يظلمنا سبحانه وبحمده. كان لسان حال الواحد منهم:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا *** وقمت أشكو إلــى مولاي ما أجدُ
وقلـــــــت يا عدتـــي في كل نـــائبة *** ويا من عليه كشف الضر أعتمدُ
أشكـــــو إليك ذنوبــــاً أنت تعلمهــا *** مالــي على حملها صبر ولا جَلَدُ
وقد مــــددت يدي بالـــــــذل معترفاً *** إليك يـــــا خير من مدَّت إليــه يد
فــــــلا تردَّنـــــها يــا رب خــــــائبة *** فبحر جــــودك يروي كل مَن يرِدُ
هذه حال سلفنا، فما حالنا يا أيها الأحبة؟ ما حالنا في ليلنا؟ وما حالنا في نهارنا؟ أما ليلنا -إلا ما رحم الله- على الأغنيات وعلى المسلسلات وعلى التمثيليات وعلى الأفلام، وعلى قيل وقال، إلى الثلث الذي ينزل فيه الرب سبحانه نزولاً يليق بجلاله، (( هل من داعٍ فأستجيب له؟ وهل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ )) وفي تلك اللحظة نحن على قسمين -أيضاً-؛ منَّا مَن هو كالجيفة البطَّال، ومنَّا من لا زال مواصلا في غيِّة وظلمه، يدعوه الله إلى التوبة وهو مازال على فسقه وعلى فجوره، أما يخشى أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، { وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }
يا راقد الليل مسروراً بأوله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً
كيف كان ليل سلفنا ؟ هاهو أحدهم؛ وهو 'رياح بن عمر القيسي' عليه رحمة الله، أحد التابعين، تزوّج امرأة صالحة، وأراد أن يختبرها، أراد أن يختبرها هل هي من اللاتي تركن إلى زخارف الدنيا؟ هل هي الصائمة القائمة أم هي المشغولة بقيل وقال وبالأزياء والموديلات وما أشبه ذلك من زخارف الدنيا؟ يوم جاء الصباح ما كان منه إلا أن رآها تعجن عجينها، وتعمل عمل البيت تقُومُ ببيتها، فقال: يا دؤابة -واسمها دؤابة-، أتريدين أن أشترى لك أَمَة لتخدمك؟ قالت: يا رياح إني تزوجت [رياحاً]، وما تزوجت جباراً عنيداً، ثم جاء الليل، قام يتناوم، فقامت ربع الليل الأول، وقالت له: يا رياح قم، قال: أقوم، ثم نام مرة أخرى، فقامت الربع الثاني، وقالت: يا رياح قم، فتناوم -أيضاً- مرة أخرى، ثم قامت ربع الليل الثالث، ثم قالت: يا رياح قم، فقال: أقوم ولم يقم، فقالت: يا رياح قد فاز المحسنون، وعسكر المعسكرون، يا ليت شعري من غرَّني بك؟ يا ليت شعري من غرني بك؟ تقول (اتغريت فيك)؛ ووقعت بإنسان لا يقوم الليل -مع أنه يقوم الليل، ولكنه أراد أن يختبرها-. فهل جعلنا لثلث الليل الآخر منا لو ركعتين علّ الله أن يرضى علينا بنظرة رحمة، وبنظرة عطف فيرحمنا في الدنيا والآخرة، فنسعد في الدنيا والآخرة سعادة الأبد.
نسأله الله -سبحانه وبحمده- أن يجعلنا من المرحومين المغفور لهم. أما في النهار فما حالنا ؟ منا -والله أيها الأحبة- مَن يخرج الصباح مِن بيته فيجمع الحرام، يبحث عن الحرام أيًا كان، فيجمع الحرام، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام. فما حال سلفك يا عبد الله؟ إن امرأة من السلف يوم يخرج زوجها في الصباح تقول له: اتقِ الله ولا تطعمنا إلا حلالاً، فإنا نصبر على الجوع، لكنا لا نصبر على النار، فهل قال لنا نساؤنا كذلك ونحن نخرج، يا أيها الأحبة؟ ثم بعد ذلك نرجو النجاح، بعد هذه الأعمال، وبعد هذا الليل المخزي، وبعد هذا النهار المخزي، نرجو النجاة:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجـــــري على اليَبَـــــس
ركوبك النعش ينسيــــك الركوب *** على ما كنت تركب من بعل ومن فرس
يــــوم القيامة لا مال ولا ولـــــد *** وضمَّـــة القبر تنســـــي ليلــــة العُـرْس
أبناؤنا كيف نربّيهم؟ ربيناهم تربية مادية، وهيَّأناهم تهيئة مادية، فجعل الواحد همَّه في سيارة وفي ثوب وفي زخرف من زخارف الدنيا وفي قصر، ونسي قصور الجنة، وأنهار الجنة، ونعيم الجنة، أشغلناه بهذا عن ذاك، ربيناه تربية البهائم، سمَّنَّاه كما تُسمَّن العجول، ثم ماذا يكون؟ هل هذه هي المسئولية التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عنقك: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. » ، « ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشّاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة » هيَّأنا لهم كل مادة، لكنا لم نُرَبِّي أرواحهم، ثم نرجو نجاتهم، فوالله ما مثلنا إلا كقول القائل:
ألقاه في الماء مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
أما أبناء سلفنا فكيف كانوا؟ سأضع لكم نموذجاً، كيف كانوا يربّونهم؟ وكيف كانوا يتعاملون معهم؟ وكيف تربّوا فأصبح الطفل منهم كالرجل منا، بل كالعابد الزاهد منا. هاهو 'خيثمة بن الحارث' -عليه رضوان الله ورحمته- ما كان منه يوم أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للنُفرة إلى غزوة بدر إلا أن جاء إلى ابن له اسمه 'سعد'، ابن صغير، وكان معه من النساء الكثير، ومعه من البنات والأخوات يعولهن هذا الرجل الكبير 'خيثمة بن الحارث' فقال لابنه 'سعد': يا بني تعلم نساءنا، وليس لهن من يحميهن، وأريد أن تبقى معهن وأذهب لأجاهد في سبيل الله جل وعلا، قال: يا أبتاه للنساء رب يحميهن، والله ما تطمع نفسي في هذه الدنيا بشيء دونك، لكنها الجنة يا أبتاه، والله لو كان غير الجنة لآثرتك به، وانطلق يجاهد في سبيل الله، وجلس الأب الكبير مع هؤلاء النساء، وقُتِل شهيدًا -بإذن الله- في سبيل الله هذا الطفل، يوم جاء الخبر أباه في اليوم الثاني قالوا له: لقد قتل نحتسبه شهيداً عند الله -جل وعلا-، فما كان منه إلا أن قال: أوّاه أواه، والله لقد فاز بها دوني، والله لقد كان أعقل مني، لقد رأيته البارحة يسرح ويمرح في أنهار الجنة وثمارها وأزهارها، ويقول: يا أبتاه إلْحَقْ بنا، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
ومع ذلك الظلام الذي نراه الآن فهناك بشائر -ولله الحمد- والباب مفتوح يا أيها الأحبة، ولن يُغلق إلا عند طلوع الشمس من مغربها أو غرغرة الروح في الحلقوم، المبشرات كما قلت كثيرة وكثيرة ولله الحمد، والصور المضيئة كثيرة وكثيرة، والخير في الأمة لا زال ولن يزال بإذن الله إلى قيام الساعة « لا تزال طائفة على الحق منصورة.. » ولولا هذه المبشّرات لضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى علينا.
كانت النماذج يا أيها الأحبة من الماضي، فإليكم النماذج من الحاضر، وهي مبشرات أقولها لكل من آلمَه ما يرى من تدهور حال الأمة المسلمة وذهابها إلى الهاوية. هناك بشائر وسأذكر لكم بعض الأمثلة على ذلك، هاهي عجوز بلغت الثمانين من عمرها في مدينة الرياض. هذه العجوز جلست مع النساء فرأت أنهن لا ينتفعن من أوقاتهن، جلساتهن في قيل وقال، في غيبة ونميمة، في فلانة قصيرة وفلانة طويلة وفلانة عندها كذا، وفلانة ليس عندها كذا، وفلانة طلّقت، وفلانة تزوجت، كلاماً -إن لم يبعدهن عن الله عز وجل- فهو تضييع لأوقاتهن، فاعتزلت النساء وجلست في بيتها تذكر الله -عز وجل- آناء الليل وأطراف النهار، وكان أن وضعت لها سجادة في البيت تقوم من الليل أكثره، وفي ليلة من الليالي قامت -ولها ولد بار بها، لا تملك غير هذا الولد من هذه الدنيا بعد الله جل وعلا- ما كان منها إلا أن قامت لتصلي في ليلة من الليالي، وفي آخر الليل يقول ابنها: وإذا بها تنادي، قال: فتقدمت وذهبت إليها، فإذا هي ساجدة على هيئة السجود، وتقول: يا بني ما يتحرك في الآن سوى لساني، قال إذاً أذهب بك إلى المستشفى، قالت: لا، وإنما أَقْعِدني هنا، قال: لا، والله لأذهبن بك إلى المستشفى -وقد كان حريصاً على برِّها جزاه الله خيراً- فأخذها وذهب بها إلى المستشفى، وتجمّع الأطباء وقام كل منهم يدلي بما لديه من الأسباب، لكن لا ينجي حذر من قدر.
إن الطـــــبيب بطبِّــــــه ودوائه *** لا يستطيع دفـــــــاع نَحْبٍ قد أتى
مــا للطبيب يمــوت بالداء الذي *** قد كــــان يُبرئ مثله فيما مضى
مات المداوِي والمداوَى والذي *** جلب الدواء وباعه ومن اشترى
حلَّلوا وفعلوا وعملوا، ولكن الشفاء بيد الله سبحانه وبحمده، قالت: أسألك بالله إلا رددتني على سجادتي في بيتي، فأخذها وذهب بها إلى البيت، ويوم ذهب إلى البيت وضَّأها ثم أعادها على سجادتها، فقامت تصلي. يقول: وقبل الفجر بوقت ليس بالطويل، وإذ بها تناديني، وتقول: يا بني أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لتلفظ نفسها إلى بارئها سبحانه وبحمده، فما كان من ولدها إلا أن قام فغسَّلها وهي ساجدة، وكفَّنها وهي ساجدة، وحملوها إلى الصلاة عليها وهي ساجدة، وحملوها بنعشها إلى المقبرة وهي ساجدة، وجاءوا بها إلى القبر فزادوا في عرض القبر لتدفن وهي ساجدة، ومن مات على شيء بُعثَ عليه، تبعث بإذن ربها ساجدة.
{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ } أيعجز شبابنا، أتعجز شابّاتنا، أيعجز نساؤنا، أيعجز رجالنا أن يفعلوا كما فعلت هذه المرأة؛ أن يقوموا من ليلهم ولو بعضه؛ ليقفوا بين يدي الله، ليلقوه وقد غفر لهم ما اقترفوا من إثم وخطيئة؟
أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
المبشرات كثيرة جداً كما قلت أيها الأحبة. أورد صاحب كتاب قصص السعداء والأشقياء هذا الحدث وفيه عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع. سائق الإسعاف كان فظاً غليظاً، لا يتذكر إذا ذُكِّر، ولا يتعظ إذا وُعظ، يباشر الحوادث الشنيعة فيحمل أشلاء المصابين، رأس المصاب في يد، ورجل المصاب الآخر في يد أخرى، فلا يهزُّه ذلك المنظر، ولا يؤثر فيه، كان تاركًا للصلاة، مرتكباً للموبقات، ويشاء الله عز وجل -كما يقول هو- أن بُلِّغت ليلة من الليالي عن حادث من الحوادث على مدخل مدينة الرياض، قال: في الساعة الواحدة ليلاً، قال: ركبت السيارة، وانطلقت مسرعاً نحو الحادث، ووصلت إلى موقع الحادث؛ فإذا بي أجد سيارة بيضاء قد ارتطمت بأحد أعمدة الإنارة -أحد أعمدة الكهرباء- قال: وأدت إلى انطفاء الكهرباء في تلك المنطقة، قال: والغريب أني أرى نوراً خافتاً ينبعث من السيارة، قال: فانطلقت متوجهاً إلى باب السيارة، وكان في يدي سيجارة، قال: فإذا بي أري رجلاً كَثَّ اللحية، مستنير الوجه -وجهه كأن فلقه قمر- قد ملأ نور وجهه السيارة، وقد ارتطمت أجزاؤه السفلي بمقود السيارة، قال: فحاولت أن أعيد المقعد إلى الخلف لأنقذه، فقال: أتريد أن تنقذني يا بني؟ قلت: نعم، قال: إذا سمحت أطفئ سيجارتك، واتق الله جل وعلا. قال: فما كان مني إلا أن أطفأتها، ورجعت أحاول إنقاذه، قال: وما استطعت أن أخرجه كما ينبغي، قال أتريد أن تنقذني فعلاً، قال: نعم، قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:« من صنع إليكم معروفاً فكافئوه » ، والله يا بني لا أملك لك مكافأة على إنقاذي إلا نصيحة أوجهها إليك، فهل تقبل ذلك؟ قال: قلت: تفضل، قال: عليك بتقوى الله، عليك بتقوى الله عليك بتقوى الله، وإياك ورفقة السوء. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم مات، قال: فارتجفت مكاني، وأخذته من هناك، وأخذته في السيارة، وسلّمته في قسم الحوادث في الساعة الثالثة ليلاً، قال: ولم أستطع النوم، كلماته لازالت تَرِنُّ في أذني، قال: وقمت إلى صلاة الفجر، وتوضأت وصليت، وأخبرت إمام المسجد الذي بالحي بما حصل، فقال: أحمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، أحمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، وادع الله له؛ وادع الله عز وجل له فخير ما تكافئه به الدعاء، ثم يقول هذا الرجل: فاسأل الله أن يرحمه، وأن يغفر له، وأن يجمعني به في الجنة ".. « لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم » .
أرأيتم أيها الأحبة، رجلاً يلفظ أنفاسه الأخيرة، وعلم أنه مسئول أمام الله أن يأمر وينهي، فماذا كان منه؟ يقول له: أطفئ سيجارتك، ويقول له: اتقِ الله، وبعضنا يرى المنكرات والعظائم أمام عينه فلا تهتز فيه شعرة، ويذهب ويخرس كالشيطان لا يتكلم بكلمة، ألا فاتقوا الله، وقولوا كلمة الحق، لا تخشوا في الله لومة لائم؛ فإن الله ينفع بها، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من حُمر النِّعم.
وها هو حدث آخر حدث في مدينة الرياض، وقد نقلته قبل ذلك في محاضرة كل يغدو ولكن أرى أن المقام مناسب له الآن، رجل عمره ما بين الثلاثين والأربعين، شاب في مقتبل شبابه، لا يرتاح ليلة من الليالي إلا على كأس خمر يشربها، أو امرأة يزني بها، حياته مظلمة، عربدة وفساد وعناد وبُعد عن الله الواحد الدَّيان، تمر به الأيام والليالي، ويشاء الله أن يتزوج بزوجة، وبعد زواجه يزداد طغيانه، ويزداد عصيانه، ويرزقه الله عز وجل بابنة من زوجته لتترعرع وتبلغ الخامسة من عمرها، ترعرعت وبلغت الخامسة من عمرها وهي لا ترى أباها إلا قليلاً، يسهر ليله على معصية الله، ثم يأتي مُنهكاً لينام، ونادرًا ما تراه ابنته، في الليل نائمة وهو سهران على المعاصي، وفي النهار في عمله وهي في البيت، تمر الأيام وتمر الليالي فلا يزداد إلا سوء، وفي ليلة يتفق مع بعض قرناء السوء يجتمعون على شرب الخمور، ويقدِّر الرحمن أن يتأخر عن هؤلاء الرفقة السيئين، ثم يقول هو عن نفسه: ذهبت وفتشت عنهم يمنة ويسرة، نظرت إليهم هنا وهناك -يبحث عنهم- فلم أجدهم، قال: فما كان مني إلا أن ذهبت إلى صديق سوء آخر، فذهبت إليه وأخذت منه فيلماً ماجناً خليعاً جنسياً يستحي إبليس أن ينظر إلى ذلك، فكيف بالبشر؟ قال: ثم أخذته وعدت به في الساعة الثانية ليلاً ، ولا إله إلا الله، ثلث الليل الآخر يتنزل الرب، هل من داعٍ فأستجيب له، ومنا من تهراق دموعه على خدِّه من خشية الله، فذلك هو الفائز، ومِنَّا من يرضع المعاصي في تلك الساعة وخاصة هذه الأيام مع قدوم البث المباشر، في الساعة الثانية ليلاً، الله يقول: (( هل من داعٍ فأستجيب له؟ )) والناس ينظرون إلى ما يغضب الله -جل وعلا-، قال: فدخلت إلى بيتي ونظرت إلى زوجتي وابنتي فوجدتهم نائمتين، قال: ودخلت إلى غرفة ذلك الجهاز -يقصد الفيديو الذي خرب بيوت كثير من المسلمين، وأضاع شباب المسلمين-، قال: فدخلت ووضعت الشريط في ذلك الجهاز، ثم جلست، وبينما أنا جالس وإذا بالباب يفتح، وإذا بها ابنتي -عمرها خمس سنوات- وإذا بها تدخل وتنظر إلىّ بنظرات حادة، بنظرات قوية وتقول: عيب عليك يا والدي، اتقِ الله، عيب عليك يا والدي اتقِ الله، قال: ذهلت ودهشت، وقلت: من علَّمها؟ من أنطقها؟ إنه رب الأرباب سبحانه وبحمده، قال: وأغلقت الجهاز، وخرجت ونظرت إليها، فإذا هي نائمة، قال: فخرجت وأنا أتذكر قولتها: عيب عليك يا والدي، اتق الله، بقيت في الشارع أمشي وآتي، وإذا بمنادٍ ينادي الله أكبر، الله أكبر.. نداء صلاة الفجر الذي حُرِمَه كثير من المسلمين، والذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من عِظَم الأجر فيه لو لم يكن من الإنسان إلا أن يأتي حبواً لتلك الصلاة لجاء حبواً، قال: فذهبت وتوضأت ودخلت في المسجد، وما كنت أصلي أبداً، قال: وكبّرت مع الإمام، قال: ويوم سجدت انفجرت من البكاء، قال وعندما انتهى الإمام من صلاته، قال الرجل الذي بجانبه: ما بك يا أخي؟ قال: قلت له: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي، سبع سنوات ما ركع فيها لله ركعة، بأي وجه يلاقي الله جل وعلا، قال: ثم ذهب الناس، وبقيت أتذكر جرائمي وفضائحي، وذنوبي التي عظُمت وعظمت وعظمت، قال: ونظرت في الساعة، فإذا وقت الدوام يحين، قال: فانطلقت إلى عملي، وكان لي زميل لطالما ذكّرني بالله جل وعلا، ولكنني لم أتذكر، قال: دخلت عليه ونظر إلي وقال: والله إني لأرى بوجهك اليوم شيئاً غير الذي أراه منك كل يوم، قال: لقد كان من أمري البارحة كذا وكذا وكذا وقص عليه قصته، فقال: أحمد الله الذي أرسل إليك ابنتك لتوقظك، وما أرسل إليك ملك الموت ليقبض روحك، ثم قال: إني لم أنَمْ البارحة، وأريد أن تأذن لي لأذهب لأنام، فأذن له فخرج من عنده، وذهب ودخل في مصلى الدائرة التي يعمل فيها، ثم قام يصلى من الساعة العاشرة إلى صلاة الظهر، قال: وجئته وظننت أنه ذهب إلى البيت، قال: فتقدمت إليه، ولما رآني انفجر بالبكاء، فقلت له: لِمَ لَمْ تذهب وتسترح؟ قال: يا أخي سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة، بأي وجه ألاقي ربي، والله إن بي شوقاً عظيماً إلى الصلاة.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « وجعلت قرة عيني في الصلاة » وتواعد هو وإياه على ليلة جديدة وعلى عُمْر جديد؛ ليكون عمره تلك الليلة، وليكون عمره بدايته في ذلك اليوم، وما مضى فعُمْر لا يتشرف به، وذهب إلى بيته يريد أن يرى ابنته التي لم يرَها منذ أن قالت له كلمتها، ويدخل البيت، وإذا بزوجته تصرخ في وجهه أين أنت؟ نتصل عليك فلم نجدك، لقد ماتت ابنتك منذ لحظات ومنذ ساعات، فما كان منه إلا أن انهار، لم يتمالك نفسه إلا وهو يردد كلماتها؛ عيب عليك يا والدي، عيب عليك يا والدي، اتق الله، ثم ماذا كان؟ كان منه أن اتصل بزميل الصلاة زميله وأخبره، فجاء وكفَّنوها وصلوا عليها صلاة العصر، وذهبوا بها إلى المقبرة، ويوم وصل إلى المقبرة قال: خذ ابنتك -يقول زميله- وضَعْها في لحدها، فأخذها ودموعه تقطر على كفنها.
وليس الذي يجرى من العين ماؤها *** ولكنها روح تسيل وتقطر
ما كان منه إلا أن وضعها في القبر، ويوم وضعها في القبر قال كلاماً أبكى جميع من حضر الدفن، قال: يا أيها الناس أنا لا أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور، هذه البنت أخرجتني من الظلمات إلى النور بإذن الله سبحانه وبحمده، فأسأل الله أن يجمعني وإياها في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أرأيتم أيها الأحبة يوم يعود العبد إلى الله فيجد الله -سبحانه وتعالى- توَّاباً رحيماً.
يا أيها المذنبون -وكلنا ذوو خطأ- المولود إذا ولد أُذِّن في أذنه اليمنى، وإذا مات صُلِّيَ عليه، فكأن الحياة ما بين الأذان إلى الصلاة، ولا إله إلا الله! ما أقصرها من حياة! إن للموت أَخْذَة تسبق اللمح بالبصر، إياكم والتسويف؛ فإن سوف جندي من جنود إبليس.
أعماركم تمضــي بسوف وربما *** لا تغنمون سوى عسى ولعلما
فاقضـــوا مشاربكم عجالى إنما *** أعماركــــــم سِفْر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا *** أن تُسْتــــــرد فإنهن عـــــوارِ
اذكروا أن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، وإذا كانت نظرة الخلق إليك تمنعك من المعصية فإن الله أولى بذلك، أَصْلح ما بينك وبين الله، وتقرَّب إليه بطاعته؛ عسى أن تكون ممن يبدل الله سيئاتهم حسنات؛ فإنك عما قريب تُحمل على أكتاف الرجال، ونفسك إن كانت صالحة تقول: قدّموني قدّموني، وإن كانت طالحة تصيح بصرخات تقض منها المضاجع: يا ويلها، أين تذهبون بها؟
أحبتي في الله أسعد ساعة في العمر وأصدق لحظة في الحياة تلك الساعة التي يقف العبد فيها مع نفسه محاسباً، وقفة العتاب، وقفة الملامة، إنها ساعة المخطئين المنيبين إلى رب العالمين، إنها ساعة المنكسرين من خشية إله الأولين والآخرين، إنها ساعة العتاب، إنها ساعة الحساب التي يتذكر فيها العبد ما أصاب، أيام خلت وليالٍ مضت قد قصر فيها في جنب الله، إذا تذكر السيئات وما أصاب من الأوزار رق قلبه، وانكسر فؤاده من خشية الله، تذكر حقوقاً لله ضيعها، وحدوداً لله جاوزها، ومحارم لله انتهكها فانكسر فؤاده من خشية الله، ورقَّ قلبه خوفاً من الله، إنها ساعة الحزن والندامة والأسى على التفريط في جنب الله، لكن سرعان ما يزداد الألم والندم إذا تذكر أنه إلى الله صائر وراجع ومسؤول، وأنه مرتحل من هذه الدنيا ليقف بين يديْ جبار السماء والأرض، ثم يسأل نفسه، كيف ألقاه وحقوقه ضيعت؟ كيف ألقاه ومحارمه انتهكت؟ كيف ألقاه وحدوده تجاوزت؟ كيف ألقاه؟ بأيِّ وجه ألقاه بأيِّ قدم أقف بين يديْه؟ عندها ينكسر قلبه ويرقُّ فؤاده، ولا يجد إلا أن يدمع من خشية الله، ثم لا يملك إلا أن يرفع يديْه، ربَّاه أسأت، ربَّاه ظلمت، ربَّاه أسرفت، ربَّاه ذنوبي، من أرجو لها سواك؟ من يفتح الباب إن أغلقتَه؟ من يعطي العطاء إن منعتَه؟ فيصلح الحال، وتُبدَّل السيئات -بإذن الرب- إلى حسنات؛ فالبدار البدار.
انتبه عبد الله وتيقظ وادخل باب التوبة المفتوح قبل إغلاقه مبادراً منكسراً { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } .
أحبتي في الله العيون تذنب، والآذان تذنب، والقلوب تذنب، والأبصار تذنب، والأرجل تذنب، وكلنا ذوو خطأ وذنب. والله لا يغفر تلك الذنوب إلا التوبة النصوحة، التوبة التوبة لعلكم تفلحون.
الأوبة الأوبة، متى ما أقبلتم على الله فاستغلوا ذلك الإقبال؛ فإن النفس كالحديدة لا تلين بيد الحدَّاد إلا إذا كانت ساخنة، فإذا بردت جمدت وصارت أشدَّ من الحجارة. ألا واستغلوا اندفاع الأنفس إلى الخيرات؛ فإن لكل نفس إقبالاً وإدباراً، ولكل خافق سكوناً
إذا هبّت ريــــاحك فاغتمنها *** فــــــإن لكل خافقـــــة سكوناً
ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فلا تدري السكون متى يكون
إن صاحب الشمال -المَلَك الموكَّل بالسيئات- ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ؛ فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت عليه واحدة فضلاً مِن الله ومِنَّة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، التوبة على عَجَل قبل دنوِّ الأجل، لنندم ونقلع، ونرد المظالم، ولنخالط الصالحين؛ فبخلطة الصالحين نتذكر رب العالمين. { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }.
يا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي..
واستغفري لذنـــوبك الرحمن غفار الذنوب..
إن المنايا كالريــــــاح عليك دائمة الهبوب..
يــــــا من يرى مدّ البعــــــــوض جنــــاحها..
فـــــــي ظلمة الليــــــل البهيم الأليــــــــــن..
ويرى نيـــــــــاط عــــــــروقها في مخــــها..
والمــــــخ فــــــي تلك العظـــــــام النُحَّــــلِ..
رب اغفـــــر لجمـــــــعٍ تـــــاب من ذلاتهـا..
مــــــــا كان منه فـــــــي الزمـــــان الأول..
نسألك اللهم باسمك الأعظم، نسألك اللهم بعزِّك وذلِّنا إلا رحمتنا. نسألك بقوتك وضعفنا، بغناك وفقرنا إليك إلا غفرت لنا. هذه نواصينا الخاطئة الكاذبة بين يديك. عبادك سوانا كثير ولا رب لنا سواك. لا ملجأ ولا منجى إلا إليك، لا مهرب منك إلا إليك. نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، ونسألك سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبه إلا رحمتنا وتقبلتنا. من يغفر الذنوب إلا أنت؟ من يستر العيوب إلا أنت؟
اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بك اللهم أن نُغتالَ من تحتنا، اللهم تقبلنا فيمن تقبلت، اللهم تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوزْ عن سيئ ما عملنا، ربَّاه من يفتح الباب إن أغلقته، من يعطينا العطاء إن منعته. اللهم تقبلنا في التائبين، واغفر ذنوب المذنبين. اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، في حاجة إلى رحمتك، وأنت في غنى عن عذابنا، اللهم جازِنا بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة عفواً وغفراناً. اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
تــــمَّ الكلام وربّـــنا محمود *** وله المكارم والعُلا والجُود
وعلى النبي محمد صلواته *** ما نــاح قُمْري وأورق عُود
يقول أحدهم: حبذا لو دعوت الشباب إلى أن يأخذوا في طريقهم قبل أن يأتوا إلى حضور حلقات الذكر إخوانهم الذين ربما انشغلوا وربما غفلوا.
فأقول لهم: يا أيها الأحبة لأن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه يدخل على المصطفى صلى الله عليه وسلم فيؤمن برسالته، ثم يخرج من عنده ويرجع وقد أدخل في دين الله -بإذن الله- ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يأتي يوم القيامة، وهم في ميزان حسناته. فهلا ركزت جهدك على أن تأتي بواحد لتذيقه ما ذُقتَه من حلاوة الإيمان. إن من أعظم الأخوة علينا أن نشارك غيرنا فيما نشترك فيه في حلقات الذكر. إن المؤمنين وهم في الجنة على مقاعدهم إخوانا ًعلى سُرُر متقابلين يتذكرون بعض إخوانهم من أصحاب الكبائر، يتذكرون بعض إخوانهم فيقولون: يا رب كيف ننعم وإخواننا يعذبون؟ كيف ننعم وإخواننا يعذبون؟ فيأذن الله عز وجل بالشفاعة لكل رجل جلس مع آخر ولو لساعة واحدة يذكر فيها الله عز وجل.
« وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتذاكرونه ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير أنَّا اتَّجهنا، وسبحان الله وبحمده، أشهد أن لا إله إلا هو، أحمده وأستغفره وأتوب إليه.
الأربعاء، 5 مايو 2010
التمرد الطائفي وإلغاء الإسلام !
التمرد الطائفي وإلغاء الإسلام !
حلمي القاعود
أضيفت بتاريخ : : 05 - 05 - 2010
نقلا عن : المصريون
صارت مادة التربية الدينية الإسلامية في مدارس التعليم العام حصان طروادة ، في الحرب الضروس بين التمرد الطائفي الخائن ، وبين جماهير الشعب المصري العربي المسلم التي تمثل الأغلبية الساحقة . ومع أن هذه المادة لا تمثل مادة علمية حقيقية ، ولا يتعاطي معها الطلاب والمعلمون بطريقة جادة ، لأنها لا تضاف إلى المجموع ، ولا يرسب فيها أحد ، أي إنها مادة صورية ، مثلها مثل المادة الثانية من الدستور ، فإنها تمثل هدفا استراتيجيا للخونة الذين يريدون تجريد مصر العربية المسلمة من إسلامها وثقافتها وأخلاقها وتاريخها ومستقبلها .
ظل وزراء التربية والتعليم بعد إقالة الراحل العظيم محمد حلمي مراد في عهد جمال عبد الناصر ، يعملون على حذف هذه المادة وإلغائها استجابة لإرادة التمرد الطائفي المدعوم من الاستعمار الصليبي العالمي بقيادة الولايات المتحدة ، ودولة الغزو والدم اليهودية في فلسطين المحتلة ..
بعد إقالة محمد حلمي مراد ، أخرجت المادة من المواد الأساسية ومجموع درجات الامتحان . وسواء حصل الطالب على درجة دنيا أو عليا فلا قيمة حقيقية للمادة ،ولا تأثير لها بالنسبة له .. ثم ارتفع سقف الإجرام الطائفي المتمرد في عهد الرئيس السادات ، فاقترح عليه من اقترح تدريس ما سمي بالمادة المشتركة للتربية الدينية ، وعرض الرئيس الموضوع في إحدى المناسبات على شاشة التلفزيون ، وكان من بين الحضور فضيلة الإمام الراحل عبد الحليم محمود ورئيس دولة الكنيسة العظمي في مصر . رفض الإمام الراحل الفكرة ، وكتب بيده أسباب الرفض ، ونشرته في حينه مجلة الاعتصام – رد الله غربتها ، وفي مرحلة العنف المتبادل بين الدولة وبعض الجماعات ، قام أحد وزراء التعليم بتفريغ المادة من محتوياتها الأساسية ، واكتفي ببعض الفضائل والقيم الهامشية ، مع تدريس كتاب سخيف لما يسمى مادة الأخلاق .. تم إلغاؤه فيما بعد ..
ثم مورست ضغوط على بعض الوزراء لإلغاء التربية الدينية الإسلامية ، وإحلال الكتاب الذي يتكلم عن الديانات الثلاث مكانها ، فذهب بعضهم إلى النسيان ، وشاهد الناس الإقالة المهينة لبعضهم الآخر ، مع أنهم لم يكونوا من ذوي الاتجاه الإسلامي أو المدافعين عن الإسلام ، كل جريمتهم في نظر من يعنيهم الأمر أنهم تباطأوا في تنفيذ المهمة التي يرفضها الشعب المصري العربي المسلم !
وجاء البدر الهمام ليقوم بالمهمة ، وليجعل من إلغاء الإسلام في المدارس هو الهدف الأسمى والأعلى والأكثر وجوبا لتطوير التعليم المصري الفاشل المنهار .
الرجل لم يفكر في مُدارسة أسباب الفشل والانهيار الحقيقية للتعليم المصري ، ولكنه توقف عند التربية الدينية الإسلامية الصورية ، لأن الخونة الطائفيين يضغطون ويشتكون من أنها تؤسس للتمييز والاضطهاد ! بعد أن روجوا كذبا وزورا أن كتب التربية الدينية الإسلامية تحض على العنف والاضطهاد والتمييز .
بالطبع لم يسأل أحد من الناس كيف يكون الإسلام دينا ربانيا يحض على العنف والاضطهاد والتمييز مع أن تحيته هي السلام عليكم .. وكيف يكون الجهاد وهو الدفاع عن النفس وعدم الاستسلام للغزاة القتلة يكون حضا على العنف ، وكيف يكون رفض الاحتلال ونهب الثروات والانزلاق إلى قاع التبعية والتغريب كراهية للآخر وتحريضا على القتل ؟
الوزير المحترم الذي جاء رافعا سيفه في وجه الإسلام من خلال حذف مادة التربية الدينية ، والزعم بعرضها على المفتي لينقيها من مواضع الحث على العنف والتحريض على القتل ، يبدو أنه لا يعرف شيئا عن الإسلام ، ولم يقرأ شيئا من القرآن .. ولم لا ؟ وهو يحمل جينات وراثية فيما يبدو وصلت إليه ممن أعلن أمام الدنيا أنه سيضرب في سويداء القلب ، ونفذ وعيده ، وأغرق البلاد في دوامة من الدم والعنف كان يحبها ويعشقها مذ كان ضابطا صغيرا في قرية القرشية بالغربية ، وقام بسحل أحد المجرمين في خيل السواري حتى قضى نحبه؟ ثم إن ملفه في خدمة الشرطة يفيض بأخطائه وخطاياه !
الغريب أن مفتي النظام يقبل هذه المهمة العجيبة : تنقية كتب التربية الإسلامية مما يحض على العنف والكراهية ! من قال لكم يا قوم إن في الإسلام نصوصا تحض على العنف والكراهية ؟ هل قرأ المفتي شيئا من ذلك في كتب الإسلام على مدار حياته ؟ وهل في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يحض على ذلك ؟ وهل يمكن لمخلوق أيا كان أن يؤلف كتابا لتلاميذ المدارس ويحضهم فيه على العنف والكراهية ؟
لقد رافقت حملة الوزير لإلغاء الإسلام حملة دعائية موجهة قامت بها قنوات طائفية تخدم التمرد الطائفي ، وكتّاب مأجورون معروفون بميولهم الصهيونية الاستعمارية الصليبية ..
تأمل مثلا برنامجا تستضيف فيه دمية جميلة منسوبا للأزهر يقال إنه أستاذ للعقيدة ، فيخطب في القناة الطائفية ، مؤيدا للكتاب الذي يريده المتمردون الطائفيون مؤلفا من الكتب السماوية الثلاثة ، ويؤيد إلغاء التربية الدينية ، ويدين المسلمين جميعا لأنهم شوهوا صورة الإسلام في الغرب ؟
هذا الشيخ محدود الثقافة والوعي العلمي والسياسي ، وشديد الوعي بالفلوس والكسب من جهات شتى ، يدين الإسلام والمسلمين في قناة طائفية شديدة التعصب واضحة التمرد ، لا تكف عن اتهام الإسلام والمسلمين ، والدفاع عن أصحابها المتمردين الكارهين لكل ما هو إسلامي وعروبي ومصري غير طائفي .. ولا أدري هل وصل الأمر ببعض الأزهريين إلى تسول الظهور على الشاشة الصغيرة نظير هجاء الإسلام والمسلمين ؟ وتقوم الدمية الجميلة بحجب الآراء التي تخالف منهج الأستاذ الأزهري أو تقطع حديث أصحابها ، و تعلن أنها سمعت عن تقارير تقول إن الكتب تحض على العنف والكراهية بعد فشلها في إقناع المتداخلين الرافضين لما يقوله الأزهري البائس ؟!
ثم يأتي بوق صحفي مأجور موال للصهاينة والأميركان ، ليحدثنا عن تطوير التعليم المصري عن طريق حذف الإسلام تماما من التعليم ، وكأن الأمة الإسلامية في مصر مجرد جالية صغيرة يجب أن تخضع لما تخضع له القوة الطائفية غير الإسلامية الضئيلة (؟) التي يمثلها المتمردون الخونة !!
ماذا نقول لأولئك الذين لا يرون تطويرا إلا في فيما يسمونه التعليم الديني ، ولا ينظرون إلى الحالة التعليمية المنهارة بأسرها ؟ بعضهم يرى أن تطوير التعليم الديني هو جعل الهدف المقصود ليس الدعوة لدين معين بل التعريف بمعني الدين ، أي دين،والتعريف بكل الأديان سواء كانت سماوية أو وضعية ( يعني التعريف أيضا بالبهائية والقاديانية وعبادة الشيطان وغيرها ؟!) بحيث عند نهاية مرحلة التعليم الأساسي يكون التلميذ قد حصل علي معلومات عن الأديان السائدة في مجتمعه ، وتكون هذه المعلومات صحيحة ومنضبطة.(؟)
ومعني هذا كما يقولون فإن كتاب مادة الدين ينبغي ألا يكون علي حالته الراهنة، بل يلزم أن يشمل نصوصا رئيسية من: القرآن والإنجيل والتوراة..إلخ، ويجب أن يشتمل علي المعالم الرئيسية في تاريخ حياة الرسل الثلاثة.
هكذا تتوافر لأتباع الأديان المختلفة قاعدة المعلومات التي يمكن علي أساسها أن يتحاوروا ويتفاهموا معا بشكل يتجنب الصدام والصراع قدر الإمكان (؟)
ويقولون كيف نطل الوحدة الوطنية ونحن نعلم أبناءنا أن ديانة أشقائهم في الوطن الذين يستشهدون معهم تحت العلم مطعون فيها، وغير سليمة,، وأن كتابهم خاطئ وفيه تحريف؟ وكيف نطلب من الآخرين أن يحترمونا ويتعاملوا معنا بتقدير ونحن نقول إنهم كفرة أو بعضنا يقول عنهم هذا؟ بل إن بعضنا يتلقي تعليما يقول ذلك؟ لماذا لا نستفيد من كتاب القراءة الرشيدة فنجعل فيه نصوصا من التوراة والإنجيل ، ولماذا لانضع نصوصا أخري من الكتب السماوية في مقررات النحو ، بحيث لا تقتصر علي القرآن وحده؟
وواضح أن هذه المغالطات تتجاهل أن الآف المدارس المصرية لا يوجد بها تلميذ واحد غير مسلم ، وأن غير المسلمين لهم مدارسهم التي تعلمهم أن الإسلام دين كاذب ، ويقولون في نبيه صلى الله عليه وسلم مالا أستطيع ذكره ، ويذكره الخائن الطائفي المجرم في قناته التي تمولها المخابرات الاستعمارية ، ونصوص التوراة والإنجيل ( المترجمة ) الركيكة لا تصلح لدروس النحو أو الصرف ، ثم إن تعليم الدين وقواعده لأبنائنا مسألة ضرورية ، فلسنا ملزمين أن ندعو للنصرانية واليهودية ، ونقدم نصوصا من التوراة والإنجيل تتحدث عن قتل المهزومين واستباحتهم وسبي نسائهم ، وتتناول أنبياء الله بما لا يليق ، ويصفون سيدنا لوط بما لا يصح ويتحدثون عن زناه بابنتيه ، وعن داود وغرامه بالنساء ، وعن .. وعن ، ثم يقدمون صورا إباحية لا تليق بأطفال ولا كبار ؟؟ هل هذا ما يريدون تقديمه لأبنائنا المسلمين ؟
المفارقة أن صحيفة (إسرائيل إنترناشونال نيوز) أشادت بإعلان وزير التعليم المصري ، ودار الإفتاء المصرية عن إدخال تعديلات على المناهج الدراسية بما فيها منهج التربية الدينية الإسلامية لوقف ما وصف بالتحريض على العنف والكراهية داخل المناهج، كما عبَّرت الصحيفة عن سعادتها لقرار حذف جميع آيات الجهاد من جميع المناهج الدراسية في مصر بحجة أن تفسير هذه الآيات يتم بطريقة خاطئة.
وأشارت الصحيفة إلى وجود خطة لوزارة التربية والتعليم لإدخال منهج جديد سبق وأن قوبل بالرفض الشعبي المصري، خاصةً أن الكتاب يفرض على المسلمين وغيرهم حفظ نصوص من الكتب السماوية الأخرى.
ما رأيكم في تطابق الرؤية بين أبواق المأجورين في صحافتنا وإعلامنا ؛ وصحافة الغزاة القتلة اليهود ؟
إن الواجب على أمة مهزومة مثل أمتنا أن تستنهض الهمم من خلال إسلامها وثقافتها الإسلامية وأخلاقها الإسلامية ، لأن الإسلام منصف وعادل ، ولا يحض على السلب والنهب ، ولا يدفع إلى استباحة الآخرين .إننا نفهم اليهودية والنصرانية كما تحدث القرآن العظيم ، ونجل موسى وعيسى عليهما السلام كما صورهما القرآن الكريم .. أما الذين يريدون إلغاء الإسلام لحساب اليهود والنصارى ، فإننا لا نأسف حين نرفض طلبهم الاستعماري الطائفي الرخيص !!
لقد آن الأوان أن تتوقف الأقلام والأصوات المعادية للإسلام والمسلمين عن الدعوة إلى إلغاء الإسلام والتشهير به ، وإذا كان الوزير المحترم الذي عينوه وزيرا للتعليم ، ويفترض أنه زميل أكاديمي ، يعرف أن المقدمات تؤدي إلى نتائج ، فليدع أهل الذكر ، لتأسيس منهج تربية دينية يحاسب عليه الطالب ، ويضاف إلى مجموعه ، ويسعى للتقوّى فيه حتى يتفوق .. لتتخرج أجيال تملك العقيدة وتتعرف على القيم والأخلاق ، فلا يكون هناك مرتشون ولصوص ومنحرفون ، ثم إن القضية هي قضية التعليم كله مرة واحدة ، وليس التربية الدينية وحدها.
وليثق الوزير وغيره أن الشعب المصري لن يفرط في إسلامه وأخلاقه ولو جيّشت أميركا واليهود الغزاة جيوش الدنيا كلها . والله ناصر دينه وجنده .
حلمي القاعود
أضيفت بتاريخ : : 05 - 05 - 2010
نقلا عن : المصريون
صارت مادة التربية الدينية الإسلامية في مدارس التعليم العام حصان طروادة ، في الحرب الضروس بين التمرد الطائفي الخائن ، وبين جماهير الشعب المصري العربي المسلم التي تمثل الأغلبية الساحقة . ومع أن هذه المادة لا تمثل مادة علمية حقيقية ، ولا يتعاطي معها الطلاب والمعلمون بطريقة جادة ، لأنها لا تضاف إلى المجموع ، ولا يرسب فيها أحد ، أي إنها مادة صورية ، مثلها مثل المادة الثانية من الدستور ، فإنها تمثل هدفا استراتيجيا للخونة الذين يريدون تجريد مصر العربية المسلمة من إسلامها وثقافتها وأخلاقها وتاريخها ومستقبلها .
ظل وزراء التربية والتعليم بعد إقالة الراحل العظيم محمد حلمي مراد في عهد جمال عبد الناصر ، يعملون على حذف هذه المادة وإلغائها استجابة لإرادة التمرد الطائفي المدعوم من الاستعمار الصليبي العالمي بقيادة الولايات المتحدة ، ودولة الغزو والدم اليهودية في فلسطين المحتلة ..
بعد إقالة محمد حلمي مراد ، أخرجت المادة من المواد الأساسية ومجموع درجات الامتحان . وسواء حصل الطالب على درجة دنيا أو عليا فلا قيمة حقيقية للمادة ،ولا تأثير لها بالنسبة له .. ثم ارتفع سقف الإجرام الطائفي المتمرد في عهد الرئيس السادات ، فاقترح عليه من اقترح تدريس ما سمي بالمادة المشتركة للتربية الدينية ، وعرض الرئيس الموضوع في إحدى المناسبات على شاشة التلفزيون ، وكان من بين الحضور فضيلة الإمام الراحل عبد الحليم محمود ورئيس دولة الكنيسة العظمي في مصر . رفض الإمام الراحل الفكرة ، وكتب بيده أسباب الرفض ، ونشرته في حينه مجلة الاعتصام – رد الله غربتها ، وفي مرحلة العنف المتبادل بين الدولة وبعض الجماعات ، قام أحد وزراء التعليم بتفريغ المادة من محتوياتها الأساسية ، واكتفي ببعض الفضائل والقيم الهامشية ، مع تدريس كتاب سخيف لما يسمى مادة الأخلاق .. تم إلغاؤه فيما بعد ..
ثم مورست ضغوط على بعض الوزراء لإلغاء التربية الدينية الإسلامية ، وإحلال الكتاب الذي يتكلم عن الديانات الثلاث مكانها ، فذهب بعضهم إلى النسيان ، وشاهد الناس الإقالة المهينة لبعضهم الآخر ، مع أنهم لم يكونوا من ذوي الاتجاه الإسلامي أو المدافعين عن الإسلام ، كل جريمتهم في نظر من يعنيهم الأمر أنهم تباطأوا في تنفيذ المهمة التي يرفضها الشعب المصري العربي المسلم !
وجاء البدر الهمام ليقوم بالمهمة ، وليجعل من إلغاء الإسلام في المدارس هو الهدف الأسمى والأعلى والأكثر وجوبا لتطوير التعليم المصري الفاشل المنهار .
الرجل لم يفكر في مُدارسة أسباب الفشل والانهيار الحقيقية للتعليم المصري ، ولكنه توقف عند التربية الدينية الإسلامية الصورية ، لأن الخونة الطائفيين يضغطون ويشتكون من أنها تؤسس للتمييز والاضطهاد ! بعد أن روجوا كذبا وزورا أن كتب التربية الدينية الإسلامية تحض على العنف والاضطهاد والتمييز .
بالطبع لم يسأل أحد من الناس كيف يكون الإسلام دينا ربانيا يحض على العنف والاضطهاد والتمييز مع أن تحيته هي السلام عليكم .. وكيف يكون الجهاد وهو الدفاع عن النفس وعدم الاستسلام للغزاة القتلة يكون حضا على العنف ، وكيف يكون رفض الاحتلال ونهب الثروات والانزلاق إلى قاع التبعية والتغريب كراهية للآخر وتحريضا على القتل ؟
الوزير المحترم الذي جاء رافعا سيفه في وجه الإسلام من خلال حذف مادة التربية الدينية ، والزعم بعرضها على المفتي لينقيها من مواضع الحث على العنف والتحريض على القتل ، يبدو أنه لا يعرف شيئا عن الإسلام ، ولم يقرأ شيئا من القرآن .. ولم لا ؟ وهو يحمل جينات وراثية فيما يبدو وصلت إليه ممن أعلن أمام الدنيا أنه سيضرب في سويداء القلب ، ونفذ وعيده ، وأغرق البلاد في دوامة من الدم والعنف كان يحبها ويعشقها مذ كان ضابطا صغيرا في قرية القرشية بالغربية ، وقام بسحل أحد المجرمين في خيل السواري حتى قضى نحبه؟ ثم إن ملفه في خدمة الشرطة يفيض بأخطائه وخطاياه !
الغريب أن مفتي النظام يقبل هذه المهمة العجيبة : تنقية كتب التربية الإسلامية مما يحض على العنف والكراهية ! من قال لكم يا قوم إن في الإسلام نصوصا تحض على العنف والكراهية ؟ هل قرأ المفتي شيئا من ذلك في كتب الإسلام على مدار حياته ؟ وهل في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يحض على ذلك ؟ وهل يمكن لمخلوق أيا كان أن يؤلف كتابا لتلاميذ المدارس ويحضهم فيه على العنف والكراهية ؟
لقد رافقت حملة الوزير لإلغاء الإسلام حملة دعائية موجهة قامت بها قنوات طائفية تخدم التمرد الطائفي ، وكتّاب مأجورون معروفون بميولهم الصهيونية الاستعمارية الصليبية ..
تأمل مثلا برنامجا تستضيف فيه دمية جميلة منسوبا للأزهر يقال إنه أستاذ للعقيدة ، فيخطب في القناة الطائفية ، مؤيدا للكتاب الذي يريده المتمردون الطائفيون مؤلفا من الكتب السماوية الثلاثة ، ويؤيد إلغاء التربية الدينية ، ويدين المسلمين جميعا لأنهم شوهوا صورة الإسلام في الغرب ؟
هذا الشيخ محدود الثقافة والوعي العلمي والسياسي ، وشديد الوعي بالفلوس والكسب من جهات شتى ، يدين الإسلام والمسلمين في قناة طائفية شديدة التعصب واضحة التمرد ، لا تكف عن اتهام الإسلام والمسلمين ، والدفاع عن أصحابها المتمردين الكارهين لكل ما هو إسلامي وعروبي ومصري غير طائفي .. ولا أدري هل وصل الأمر ببعض الأزهريين إلى تسول الظهور على الشاشة الصغيرة نظير هجاء الإسلام والمسلمين ؟ وتقوم الدمية الجميلة بحجب الآراء التي تخالف منهج الأستاذ الأزهري أو تقطع حديث أصحابها ، و تعلن أنها سمعت عن تقارير تقول إن الكتب تحض على العنف والكراهية بعد فشلها في إقناع المتداخلين الرافضين لما يقوله الأزهري البائس ؟!
ثم يأتي بوق صحفي مأجور موال للصهاينة والأميركان ، ليحدثنا عن تطوير التعليم المصري عن طريق حذف الإسلام تماما من التعليم ، وكأن الأمة الإسلامية في مصر مجرد جالية صغيرة يجب أن تخضع لما تخضع له القوة الطائفية غير الإسلامية الضئيلة (؟) التي يمثلها المتمردون الخونة !!
ماذا نقول لأولئك الذين لا يرون تطويرا إلا في فيما يسمونه التعليم الديني ، ولا ينظرون إلى الحالة التعليمية المنهارة بأسرها ؟ بعضهم يرى أن تطوير التعليم الديني هو جعل الهدف المقصود ليس الدعوة لدين معين بل التعريف بمعني الدين ، أي دين،والتعريف بكل الأديان سواء كانت سماوية أو وضعية ( يعني التعريف أيضا بالبهائية والقاديانية وعبادة الشيطان وغيرها ؟!) بحيث عند نهاية مرحلة التعليم الأساسي يكون التلميذ قد حصل علي معلومات عن الأديان السائدة في مجتمعه ، وتكون هذه المعلومات صحيحة ومنضبطة.(؟)
ومعني هذا كما يقولون فإن كتاب مادة الدين ينبغي ألا يكون علي حالته الراهنة، بل يلزم أن يشمل نصوصا رئيسية من: القرآن والإنجيل والتوراة..إلخ، ويجب أن يشتمل علي المعالم الرئيسية في تاريخ حياة الرسل الثلاثة.
هكذا تتوافر لأتباع الأديان المختلفة قاعدة المعلومات التي يمكن علي أساسها أن يتحاوروا ويتفاهموا معا بشكل يتجنب الصدام والصراع قدر الإمكان (؟)
ويقولون كيف نطل الوحدة الوطنية ونحن نعلم أبناءنا أن ديانة أشقائهم في الوطن الذين يستشهدون معهم تحت العلم مطعون فيها، وغير سليمة,، وأن كتابهم خاطئ وفيه تحريف؟ وكيف نطلب من الآخرين أن يحترمونا ويتعاملوا معنا بتقدير ونحن نقول إنهم كفرة أو بعضنا يقول عنهم هذا؟ بل إن بعضنا يتلقي تعليما يقول ذلك؟ لماذا لا نستفيد من كتاب القراءة الرشيدة فنجعل فيه نصوصا من التوراة والإنجيل ، ولماذا لانضع نصوصا أخري من الكتب السماوية في مقررات النحو ، بحيث لا تقتصر علي القرآن وحده؟
وواضح أن هذه المغالطات تتجاهل أن الآف المدارس المصرية لا يوجد بها تلميذ واحد غير مسلم ، وأن غير المسلمين لهم مدارسهم التي تعلمهم أن الإسلام دين كاذب ، ويقولون في نبيه صلى الله عليه وسلم مالا أستطيع ذكره ، ويذكره الخائن الطائفي المجرم في قناته التي تمولها المخابرات الاستعمارية ، ونصوص التوراة والإنجيل ( المترجمة ) الركيكة لا تصلح لدروس النحو أو الصرف ، ثم إن تعليم الدين وقواعده لأبنائنا مسألة ضرورية ، فلسنا ملزمين أن ندعو للنصرانية واليهودية ، ونقدم نصوصا من التوراة والإنجيل تتحدث عن قتل المهزومين واستباحتهم وسبي نسائهم ، وتتناول أنبياء الله بما لا يليق ، ويصفون سيدنا لوط بما لا يصح ويتحدثون عن زناه بابنتيه ، وعن داود وغرامه بالنساء ، وعن .. وعن ، ثم يقدمون صورا إباحية لا تليق بأطفال ولا كبار ؟؟ هل هذا ما يريدون تقديمه لأبنائنا المسلمين ؟
المفارقة أن صحيفة (إسرائيل إنترناشونال نيوز) أشادت بإعلان وزير التعليم المصري ، ودار الإفتاء المصرية عن إدخال تعديلات على المناهج الدراسية بما فيها منهج التربية الدينية الإسلامية لوقف ما وصف بالتحريض على العنف والكراهية داخل المناهج، كما عبَّرت الصحيفة عن سعادتها لقرار حذف جميع آيات الجهاد من جميع المناهج الدراسية في مصر بحجة أن تفسير هذه الآيات يتم بطريقة خاطئة.
وأشارت الصحيفة إلى وجود خطة لوزارة التربية والتعليم لإدخال منهج جديد سبق وأن قوبل بالرفض الشعبي المصري، خاصةً أن الكتاب يفرض على المسلمين وغيرهم حفظ نصوص من الكتب السماوية الأخرى.
ما رأيكم في تطابق الرؤية بين أبواق المأجورين في صحافتنا وإعلامنا ؛ وصحافة الغزاة القتلة اليهود ؟
إن الواجب على أمة مهزومة مثل أمتنا أن تستنهض الهمم من خلال إسلامها وثقافتها الإسلامية وأخلاقها الإسلامية ، لأن الإسلام منصف وعادل ، ولا يحض على السلب والنهب ، ولا يدفع إلى استباحة الآخرين .إننا نفهم اليهودية والنصرانية كما تحدث القرآن العظيم ، ونجل موسى وعيسى عليهما السلام كما صورهما القرآن الكريم .. أما الذين يريدون إلغاء الإسلام لحساب اليهود والنصارى ، فإننا لا نأسف حين نرفض طلبهم الاستعماري الطائفي الرخيص !!
لقد آن الأوان أن تتوقف الأقلام والأصوات المعادية للإسلام والمسلمين عن الدعوة إلى إلغاء الإسلام والتشهير به ، وإذا كان الوزير المحترم الذي عينوه وزيرا للتعليم ، ويفترض أنه زميل أكاديمي ، يعرف أن المقدمات تؤدي إلى نتائج ، فليدع أهل الذكر ، لتأسيس منهج تربية دينية يحاسب عليه الطالب ، ويضاف إلى مجموعه ، ويسعى للتقوّى فيه حتى يتفوق .. لتتخرج أجيال تملك العقيدة وتتعرف على القيم والأخلاق ، فلا يكون هناك مرتشون ولصوص ومنحرفون ، ثم إن القضية هي قضية التعليم كله مرة واحدة ، وليس التربية الدينية وحدها.
وليثق الوزير وغيره أن الشعب المصري لن يفرط في إسلامه وأخلاقه ولو جيّشت أميركا واليهود الغزاة جيوش الدنيا كلها . والله ناصر دينه وجنده .
حديث في الأرض وحديث في السماء
حديث في الأرض وحديث في السماء
محمد جلال القصاص
أضيفت بتاريخ : : 03 - 05 - 2010
نقلا عن : خاص بموقع طريق الإسلام
سئما السهر ، والقيل والقال فصعدا إلى سطح وجلسا ينظران إلى السماء ... ودار حوار .
عبد الله : ما أجمل الليل ... ما أجمل صفاء السماء .. النجوم أشكال وأشكال ... اثنان متجاورتان كأني بهما يتناجيان .. أسراً يحكيانه ؟ أم همّاً يبثانه ؟ أم جلسة ذكر وثناء ؟
ومجموعة متلألئة الضياء . أعروس تزف ؟ .. أم بشر نجم بوليد ؟!
وأخرى وحيدة .. بعيدة شريدة .
أطريدة ؟
أم تحب الخلاء .. جلست تنظر أهل الأرض كما أنظر أهل السماء ؟
ويا سماء الله الذي رفعك بلا عمد ، ونثر النجوم فيك بلا عدد ...
عاصم : الظلمة مخيفة . تَسْتُرْ الشرَ ... تجيء بالبلاء .
عبد الله : في الظلمة حديث في الأرض وحديث في السماء .
عاصم : فيم حديث أهل الأرض وفيما حديث أهل السماء ؟
عبد الله : أقدام منتصبة ، وظهور راكعة ، وجباه ساجدة ، وعيون باكية ، وقلوب وجلة خائفة ، تناجي ربها ... تسعى في فكاك رقبتها من النار .. تخاف أن يذهب شرفها .
عاصم : تخاف أن يذهب شرفها ؟!
عبد الله : شرف المؤمن قيام الليل ، وكم من مفرط في شرفه !! .
هذه البيوت يا عاصم لأهل الأرض كالنجوم لأهل السماء . ننظر للنجوم والنجوم تنظر للمتهجدين ، وبين الأحبة حديث غاب عن الكثيرين .
عاصم : من الأحبة وكيف غاب حديثهم عن الكثيريين ؟
عبد الله : الأحبة هم عباد الله . كل من في الكون يسبح بحمد الله " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " ، تفرح الطرقُ بالذاكرين ، وتلعن البهائمُ العاصيين ، ويُلبي الشجرُ مع الملبين ، وسلم الحجرُ على الرسول الأمين .
عاصم : صلى الله عليه وسلم .
عبد الله [ متابعاُ ] : صلى الله عليه وسلم ، وأَحَبَ ( أُحُدْ ) الصحابة أجمعين .
نحن يا عاصم أميون !
عاصم : كيف يا عبد الله ، وقد حصلنا على أعلى الشهادات ؟!
عبد الله : هناك من يَسمعْ ولا يَسمعْ ، ومن يَعقل ولا يَعقل ، ومن يمشي على اثنين وهو دون ذوات الأربع !!
عاصم [ يُبَحلق ]
عبد الله [ يتابع ] : من لم تتجاوز أذنه الكلمات فلم يسمع ، ومن عَقِلَ ولم يعمل فلم يعقل " وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " ، ومن لا هم إلا الطعام والشراب فهو دون ذوات الأربع .
سكن عاصم إلى كلمات عبد الله ، وجلسا سويا يناجيان ربهما ، مستأنسين بتلك الكائنات التي تذكر ربها .. جلسا يناجيان ربهما في هدأت الليل .. حيث تجاب الدعوات ، وتقضى الحاجات ، وتتنزل الرحمات :
اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون وأنت حي قيوم .. أنت أحق من عبد ، وأنت أحق من ذُكِر .. وأنصر من ابتغي .. وأرفأ من مَلَكْ .. أنت الملك لا شريك .. والفرد الذي لا ندّ لك ، تطاع فتشكر ، وتعصى فتغفر ، القلوب لك مفضية ، والسر عندك علانية ، الحلال ما أحللت والحرام ما حرمت ، والدين ما شرعت ، وأنت الله لا شريك لك .
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ...
محمد جلال القصاص
Mgalkassas@hotmail.com
محمد جلال القصاص
أضيفت بتاريخ : : 03 - 05 - 2010
نقلا عن : خاص بموقع طريق الإسلام
سئما السهر ، والقيل والقال فصعدا إلى سطح وجلسا ينظران إلى السماء ... ودار حوار .
عبد الله : ما أجمل الليل ... ما أجمل صفاء السماء .. النجوم أشكال وأشكال ... اثنان متجاورتان كأني بهما يتناجيان .. أسراً يحكيانه ؟ أم همّاً يبثانه ؟ أم جلسة ذكر وثناء ؟
ومجموعة متلألئة الضياء . أعروس تزف ؟ .. أم بشر نجم بوليد ؟!
وأخرى وحيدة .. بعيدة شريدة .
أطريدة ؟
أم تحب الخلاء .. جلست تنظر أهل الأرض كما أنظر أهل السماء ؟
ويا سماء الله الذي رفعك بلا عمد ، ونثر النجوم فيك بلا عدد ...
عاصم : الظلمة مخيفة . تَسْتُرْ الشرَ ... تجيء بالبلاء .
عبد الله : في الظلمة حديث في الأرض وحديث في السماء .
عاصم : فيم حديث أهل الأرض وفيما حديث أهل السماء ؟
عبد الله : أقدام منتصبة ، وظهور راكعة ، وجباه ساجدة ، وعيون باكية ، وقلوب وجلة خائفة ، تناجي ربها ... تسعى في فكاك رقبتها من النار .. تخاف أن يذهب شرفها .
عاصم : تخاف أن يذهب شرفها ؟!
عبد الله : شرف المؤمن قيام الليل ، وكم من مفرط في شرفه !! .
هذه البيوت يا عاصم لأهل الأرض كالنجوم لأهل السماء . ننظر للنجوم والنجوم تنظر للمتهجدين ، وبين الأحبة حديث غاب عن الكثيرين .
عاصم : من الأحبة وكيف غاب حديثهم عن الكثيريين ؟
عبد الله : الأحبة هم عباد الله . كل من في الكون يسبح بحمد الله " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " ، تفرح الطرقُ بالذاكرين ، وتلعن البهائمُ العاصيين ، ويُلبي الشجرُ مع الملبين ، وسلم الحجرُ على الرسول الأمين .
عاصم : صلى الله عليه وسلم .
عبد الله [ متابعاُ ] : صلى الله عليه وسلم ، وأَحَبَ ( أُحُدْ ) الصحابة أجمعين .
نحن يا عاصم أميون !
عاصم : كيف يا عبد الله ، وقد حصلنا على أعلى الشهادات ؟!
عبد الله : هناك من يَسمعْ ولا يَسمعْ ، ومن يَعقل ولا يَعقل ، ومن يمشي على اثنين وهو دون ذوات الأربع !!
عاصم [ يُبَحلق ]
عبد الله [ يتابع ] : من لم تتجاوز أذنه الكلمات فلم يسمع ، ومن عَقِلَ ولم يعمل فلم يعقل " وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " ، ومن لا هم إلا الطعام والشراب فهو دون ذوات الأربع .
سكن عاصم إلى كلمات عبد الله ، وجلسا سويا يناجيان ربهما ، مستأنسين بتلك الكائنات التي تذكر ربها .. جلسا يناجيان ربهما في هدأت الليل .. حيث تجاب الدعوات ، وتقضى الحاجات ، وتتنزل الرحمات :
اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون وأنت حي قيوم .. أنت أحق من عبد ، وأنت أحق من ذُكِر .. وأنصر من ابتغي .. وأرفأ من مَلَكْ .. أنت الملك لا شريك .. والفرد الذي لا ندّ لك ، تطاع فتشكر ، وتعصى فتغفر ، القلوب لك مفضية ، والسر عندك علانية ، الحلال ما أحللت والحرام ما حرمت ، والدين ما شرعت ، وأنت الله لا شريك لك .
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ...
محمد جلال القصاص
Mgalkassas@hotmail.com
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)