جمهورية جنوب السودان الصليبية
إبراهيم بن محمد الحقيل
الحمد لله الملك الحق المبين، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونسأله من فضله العظيم؛ فكم من عيب ستره! وكم من ذنب غفره! وكم من توبة قبلها! وكم من دعوة استجاب لها! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل الغلبة والتمكين لعباده الصالحين، وقضى بالعاقبة للمتقين {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ دعا إلى التوحيد والملة، وأقام للإسلام دولة، وأرساها على القوة والعزة، فخاطب ملوك الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، ويخبرهم بسلامتهم إن أسلموا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واستمسكوا بحبله، وأقيموا شريعته؛ فلا قوة إلا بالله تعالى، ولا نصر ولا عزة لأهل الإسلام إلا في دينه {مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
أيها الناس: لا شيء أضر على المسلمين، ولا أوهن لقوتهم، ولا أذهب لريحهم؛ من تعلقهم بغير الله تعالى، وحبهم للدنيا، فبسببها تدب الفرقة بينهم، ويجد العدو مدخلا عليهم، فيخضد شوكتهم، ويزيل سلطانهم، ويحتل بلدانهم..
وما تعلقت القلوب قط بغير الله تعالى إلا خاب سعيها، واضمحل أمرها، وأديل لعدوها عليها؛ إذ كيف لقلوب حية بالإيمان تتعلق بغير الله تعالى، فترجو سواه وتخاف غيره {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 17].
وما تعلقت القلوب بغير الله تعالى إلا من حبها للدنيا، وغرورها بزينتها، فينعقد الولاء والبراء من أصحاب هذه القلوب على مكاسب الدنيا ومصالحها، ففيها يتنافسون، وعليها يقتتلون، ويبيع أكثرهم دينه وأخلاقه لأجلها، وقد عاتب الله تعالى المؤمنين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؛ فراراً من طول السفر وشدة الحر، وميلاً إلى الظلال والثمار، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].
والتعلق بالدنيا يسبب الاختلاف عليها، والفرقة من أجلها، وطاعة الأعداء في تحصيل لعاعتها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فو الله ما الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ على من كان قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كما أَهْلَكَتْهُمْ» [رواه الشيخان].
ومن قرأ تاريخ سقوط الأندلس علم أن هذه التحذيرات الشرعية من تعلق القلوب بغير الله تعالى، ومن الفتنة بالدنيا، والفرقة من أجلها سبب لسقوط الدول، واضمحلال الأمم.
دولة عظيمة في الأندلس الخضراء فتحها المسلمون في أواخر المئة الأولى، وشيدوها فيما تلاها من القرون حتى كانت من أعظم حضارات التاريخ البشري في علومها ورقيها وتنظيمها وعمرانها، إلى أن دبت الفرقة بين المسلمين فيها، وتنافسوا على الملك والدنيا، واقتتلوا لأجل ذلك، حتى حارب الابن أباه، والأخ أخاه، وقطعت الأرحام، وانفصمت عرى الإيمان، فكان الواحد منهم في سبيل الملك يوالي الصليبيين على أهله وعشيرته، ويتبدل ولاؤهم بتبدل المصالح؛ فسقطت ممالك الأندلس واحدة تلو الأخرى إلى أن بلغ الصليبيون عاصمة الأندلس، وحاضرتها العظيمة "غرناطة"، فاستلموا مفاتيحها من آخر ملوكها أبي عبد الله الصغير، وتذكر كتب التاريخ أنه أخرج منها ذليلا صاغراً، فصعد ربوة تطل على غرناطة وحمرائها، وزفر زفرة ألم وحسرة على ملكه الذي ضاع، وعلى انقراض دولة الإسلام في الأندلس على يديه، ثم بكى، فقالت له أمه: "ابك كالنساء ملكا لم تدافع عنه كالرجال"، ولا زالت هذه الربوة تسمى إلى اليوم "زفرة الرجل العربي"، ومن حقد الصليبيين على المسلمين وتشفيهم فيهم أنهم رسموا آخر ملوكهم في الأندلس بصورة مهينة، والسلسلة تطوق رقبته، وجعلوها شعارا لهم استمر العمل به خمسة قرون بعد سقوط غرناطة..
ومن يومها ودول الإسلام تنتقص أرضاً أرضاً، وتسقط في قبضة الأعداء دولة دولة، حتى تُوج ذلك بالقضاء على دولة بني عثمان، وفتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة فيما عرف باتفاقية "سايكس بيكو" ولا زالت دوله تنتقص وتجزأ، ويزرع فيها من يكيد للأمة المسلمة، ويكون عينا للغرب الصليبي، وراعيا لمصالحه، وساعيا لمزيد تفتيت وتجزئة حتى لا تقوم للمسلمين قائمة، ولن يكون آخر ذلك الإعلان هذا الأسبوع عن قيام "جمهورية جنوب السودان" بعدما بترت ربع أرض السودان المليئة بالثروات، لتسلم للنصارى وهم الأقل، والمسلمون فيها أكثر منهم، كما أن الوثنيين فيها أكثر من النصارى، لكن الدول الراعية لهذا الانفصال هي الدول النصرانية المتغلبة في هذا العصر مع ربيبتها الدولة اليهودية..
ولكن هذه المرة لم يزفر زفرة ألم وحسرة من فرطوا في جنوب السودان من المسلمين كما زفر آخر ملوك الأندلس، ولم يبك أحد ممن كانوا سببا في فصلها عن أرض الإسلام كما بكى العربي في الأندلس، بل سارعوا إلى الاعتراف بها ذليلين مدحورين، ومنهم من تقاطروا عليها لحضور احتفال الفصل المهين، يظهرون بهجتهم وسرورهم، والله تعالى وحده يعلم ما في قلوبهم.. وإلا فمن ذا الذي يحتفل بموت حكم الإسلام في بلد من البلدان؟ لولا تعلق القلوب بالدنيا، والفتنة بها، وتقديم المصالح الشخصية الآنية على المصالح العامة للإسلام والمسلمين، وكم من بلد مسلم يتربص الأعداء بها وفيها من يحرض على الانفصال، وفيها من يكايد الأعداء على أهلها، وفيها من هم مستعدون لبيعها بثمن بخس، بل فيها من هم مستعدون لبيعها بالمجان ما دام في ذلك انتقام ممن يرونهم أعداءهم ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم..
وهكذا قسمت الأندلس حتى ضاعت، وأضحى الإسلام فيها أثراً بعد عين، وتراثاً يحكيه القصاصون، وهكذا أيضا سقطت دولة بني عثمان، وقسمت دول الإسلام، وهكذا أيضا ضاعت دول البلقان، وهكذا فصلت سنغافورة عن ماليزيا، وفصلت كشمير عن باكستان، وهكذا بترت تيمور الشرقية عن إندونيسيا، ثم بتر جنوب السودان، ولن يكون ذلك آخر المطاف، فللأعداء مآرب أخرى في دول الإسلام كلها حتى لا يبقى منها دولة يذكر فيها اسم الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
وتنزل هذه النازلة العظيمة بأهل الإسلام في أعسر وقت وأشده.. في وقت تضطرب فيه أحوال الدول، وتلهى ثورات الشعوب عن هذا الحادث الجلل؛ ولذا لم يكن له من الوقع على القلوب كما لو كانت الأحوال هادئة والأوضاع مستقرة.
والقلوب المؤمنة الحية تتألم لهذه المصيبة التي دهت الإسلام بفصل جنوب السودان، وقبل تسعة قرون من الآن سار التتر من بلادهم فابتلعوا ممالك الإسلام من بخارى إلى قزوين، وقضوا على المسلمين فيها، وكان المؤرخ الكبير عز الدين بن الأثير يرقب ذلك، ويستطلع أخباره، ويعتصر قلبه بالألم ولم يكتب شيئا عنه، حتى فاض سره عن نفسه، وطفح ألمه من قلبه، وبلغت به الحسرة مبلغها على ما أصاب ممالك الإسلام، فكتب في تاريخه يقول رحمه الله تعالى: "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة؛ استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت أمي لم تلدني، وياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.." ثم مضى رحمه الله تعالى يسرد أفعال التتر بالمسلمين ومبدأ خروجهم إلى وقته..
هذا؛ وابن الأثير وهو يكتب ذلك بدمعه وألمه لم يدرك سقوط بغداد في أيدي التتر لأنه مات قبل ذلك بست وعشرين سنة، فماذا كان سيكتب لو أدرك ذلك؟! وماذا كان سيقول لو أدرك انتهاء الإسلام في الأندلس بسقوط غرناطة؟! وماذا سيسطر في تاريخه لو أدرك ممالك الإسلام وهي تنتقص من أهلها وتجزأ وتفتت، فرحم الله ابن الأثير، ورحم الله تعالى كل قلب حي يتألم للإسلام وما أصابه، وأحسن الله عزاء أمة الإسلام في جنوب السودان الذي انتقص منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون..
وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين..
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعرفوا حقيقة أعدائكم؛ فإن الله تعالى أمرنا بذلك فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] ولا يثق فيهم إلا مغرور مخدوع {وَلَا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفَى بِالله وَكِيلًا} [الأحزاب: 48].
أيها المسلمون:
ينطوي هذا الحدث الجلل بفصل جنوب السودان عنها على مخاطر على أمة الإسلام لا تكاد تحصى، فهو لبنة في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أعلنت عنه القوى المستكبرة من داخل الدولة اليهودية.
وحينما كانت جنوب السودان تحكم بالإسلام ستحكم الآن بغيره وسيضيق على الدعوة فيها إن لم تمنع، وستزداد حركة التنصير فيها مع اضطهاد أهلها من المسلمين، ولن يدافع عنهم أحد من البشر، وقد تم تنصير الأندلس بأكملها وهي التي كانت مسلمة ثمانية قرون، وما قادت الكنائس التمرد في الجنوب، ولا دعمته الدول الكبرى إلا لتنفرد به إرساليات التنصير.
وجاء في تقرير لإحدى أكبر الإرساليات التنصيرية في جنوب السودان: أن عدد النصارى في السودان قبل مئة سنة كان عشرة أشخاص فقط، وتجاوز اليوم أربعة ملايين، ولهم طموح وخطط في تنصير الشمال انطلاقاً من الجنوب بعد فصله ليبتلعوا السودان بأكمله.
ومن مخاطر هذا الحدث:
أن نجاح فصل الجنوب سيغري مناطق أخرى بالفصل، وسيدفع أقليات أخرى في بقية دول الإسلام للمطالبة بالانفصال تحت ذريعة تقرير المصير التي يمنحها الغرب لغير المسلمين، ويمنعها عن المسلمين، وسيتخلى المتخاذلون عن بلدان المسلمين تأسيا بما حصل في السودان..
ومن مخاطر هذا الفصل:
تقوية الدولة اليهودية التي خططت لهذا الفصل منذ احتلالها للقدس قبل أربعة عقود، ودعمته ماليا وسياسيا وعسكريا إلى أن تم لها ذلك، ولها أطماع في ثروات جنوب السودان، وفي مياه النيل، وفي السيطرة على منابعه لخنق مصر وتطويعها.. ومخاطر أخرى تعز على الحصر.
ولكن رغم قتامة المشهد، وتأزم الموقف، وضعف الأمة، وشدة ما يحيط بها من مخاطر، وما يحيكه الأعداء لها من مكائد؛ فإن الأمل في الله تعالى عظيم، وإن نصره قريب، وما تكالب الأعداء على الإسلام إلا لقوته وسرعة انتشاره في الشعوب، وما على المسلمين إلا العمل لدين الله تعالى، وتبيلغ رسالته، وكشف مكائد الأعداء للحذر منها {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ} [إبراهيم: 46]، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا . فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطًّارق: 15 - 17].
وصلوا وسلموا على نبيكم...
قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)....... اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا علي عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي ربي اغفر فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
الأحد، 7 أغسطس 2011
الثلاثاء، 2 أغسطس 2011
دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية
دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية
إن من حكمة الله عز وجل أن جعل في كل عصر وزمان بقية من أهل العلم هم ورثة الأنبياء يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون أهل العمى، ويصبرون منهم على الأذى، ولكن أولئك البقية يزيدون تارة فتقوى شوكتهم، وتارة ينقصون فيصبحون غرباء في مجتمعاتهم، وإن من أشد وأحلك الفترات التي زادت فيها هذه الغربة ـ حتى أصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا ـ هي فترة إلغاء آخر خلافة حكمت باسم الإسلام وهي الدولة العثمانية، فقد تسلط الصليبيون ـ وبمساندة اليهود ـ على رقاب المسلمين، حتى تمكن الأعداء من السيطرة على المسلمين ماديًا ومعنويًا.
فقد كانت الفاجعة بسقوط الخلافة عميقة الجرج مدوية الأثر، فبسقوط الدولة العثمانية ألغيت الخلافة، وكذلك ألغي شرع الله من أن يحكم في بلاد المسلمين، وهذه الفواجع التي ألمت بالمسلمين عقب سقوط الدولة العثمانية، كانت دافعًا للبحث عن أسباب الهزيمة، ولعل أبرزها عدم اهتمام الدولة بالأساس العقدي، أضف إلى ذلك أسباب أخرى كثيرة، كان لأهل الذمة دور بارز فيها، بل كانوا بمثابة اللاعب الأكبر في تحريكها.
وقد جاء الباحث الأستاذ (ماجد بن صالح المضيان) ببحثه القيم (دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية) مبينًا وكاشفًا لأثر أهل الذمة على العالم الإسلامي، كسبب رئيس من أسباب الانحطاط الفكري الذي مُنِّي فيه المسلمون في القرن الثالث عشر الهجري، والمتمثل باستبدال القوانين الوضعية بالشريعة الإلهية في أغلب ديار المسلمين؛ غفلة منهم وانبهارًا وتقليدًا للغالب، وقد جاء البحث في أربعة فصول وتمهيد ومقدمة، كالتالي:
التمهيد
وهنا تحدث الكاتب عن مصطلح أهل الذمة في الفقه الإسلامي وبين أنه العهد الذي يعطى للقوم الذين لم يدخلوا في الإسلام عند فتح المسلمين لبلادهم، ولا يسترقون ويؤمَّنون على حياتهم وحريتهم وأموالهم وعباداتهم، كما تحدث فيه عن المسائل الفقهية المتعلقة بالبحث من أحكام أهل الذمة، ومن يدخل في مصطلح أهل الذمة أو لايدخل، ومن الأحكام أمثال توليهم الوظائف العامة أو التنفيذية، وكذلك الوظائف الشرعية، وحكم تمكينهم من الاستقلال بالقضاء فيما بينهم فبين أن قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على عدم جواز تعيين غير مسلم قاضيًا مطلقًا، على عكس قول الأحناف القائل بجواز تعيين الذمي قاضيًا على أهل الذمة، وقد عرض الكاتب لأدلة الجمهور.
الفصل الأول: علاقة أهل الذمة بالدولة العثمانية، وهو مشتمل على مبحثين:
الأول: تسلل أهل الذمة إلى دوائر الدولة العثمانية:
وهنا تحدث الباحث عن المراكز الحساسة التي تقلدها أهل الذمة، مع إبراز الدور الخطير الذي توصل إليه أهل الذمة ومدى التسامح والتساهل الذي عوملوا به، وقد ضرب لنا الكاتب بعض النماذج للمراكز الحساسة التي تقلدها أهل الذمة، نذكر منها هنا نموذجًا لمجال واحد:
(في مجال الصناعة والتجارة)، وهنا تبين لنا أنه كان هناك اعتماد شبه كلي على أهل الذمة في مجالي الصناعة والتجارة، ربما لمهارة اليهود في التجارة ولعدم اكتراث العثمانيين بالصناعة، فسيطر اليهود على تجارة (صفد ودمشق)، كما سيطروا على أسعار النقد وتلاعبوا بها، وقد نتج عن تلك السيطرة كثير من الآثار السلبية أهمها: تشجيع وتمويل المشاغبين من الخارجين على السلطان من أهل الذمة في الصرب وغيرها، والتأثير على أصحاب المناصب والتدخل ـ أي تدخل أهل الذمة ـ في شئون الدولة الخاصة والعامة بالاعتماد على ثرواتهم ورشاويهم، وكان من النماذج الأخرى التي تعرض لها البحث: مجال الترجمة لأهم الوزراء، مجال الاستشارة، مجال الحريم السلطاني ... إلخ.
الثاني: الامتيازات الأجنبية ـ عرض وتحليل:
وهنا أطل علينا الكاتب بعرض لبنود الامتيازات، ومدى قربها وبعدها من أحكام الشرع وما تقتضيه مصلحة الدولة المسملة، فبين لنا الكاتب هنا أن طريق الجهاد والسيف كان هو مسلك الدولة وسياستها مع أعدائها وأعداء الدعوة من الصليبيين والباطنيين، منذ نشأتها وحتى عصر السفراء والمحادثات والامتيازات الأجنبية، والمقصود بهذه الفترة فترة السلطان (سليمان القانوني) واتضح لنا هنا أن الامتيازات من وجهة نظر الكاتب قد مرت بثلاث مراحل: قد بدأت الامتيازات منحة ثم تحولت إلى مطالب وحقوق ممن هم في الخارج لمن هم في الداخل، ثم أصبحت ضغطًا وانهزامًا واستعلاء على الدولة وهذا في عصر انحطاطها وإرهاصات سقوطها، ثم أورد بنود هذه الامتيازات، ثم علق عليها فكان من تعليقه، أنه من الملاحظ منذ عقد هذه الاتفاقية أن الدولة لم تتقدم شبرًا واحدًا بعد هذا البند الأول الذي ينص على إلغاء أي شيء يمت للجهاد بصلة.
وأوضح أنه مما هو ملاحظ في البند الثاني الاجتهادات العصرية والقوانين الوضعية البعيدة عن اجتهادات الفقهاء وعن أفعال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، إلى غير ذلك من بندو سارت على نفس الوتيرة، منها ما أباح لأهل الذمة ممارسة جاهليتهم، وتحكيم قوانينهم الوضعية على أرض الإسلام، ومنها ما يُشتَمُّ من خلاله تعطيل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لا يستطيع المسلم أن ينكر على الذمي شيء مما يجهر به من المنكرات، إلى غير ذلك من بنود كانت بمثابة معاول الهدم في جدار الدولة.
الفصل الثاني: وسائل أهل الذمة في إقصاء الشريعة، وفيه مباحث:
أولًا: فتح جمعيات تحت اسم الثقافة والأدب والعلم:
وفي هذا الموضع يكشف لنا الكاتب الغطاء عن مجال من المجالات النشطة التي ابتدعها نصارى العرب ويهود تركيا، والتي استغلت أبشع استغلال، ألا وهو مجال الجمعيات تحت ستار الأدب والثقافة، وكانت هذه الجمعيات في بدايتها سرية، ثم تحولت نشاطاتها الثقافية المعلنة إلى نشاطات سياسية سرية، ونشر بعضهم دعوات خطيرة وأفكار جريئة عن أنظمة الحكم، متأثرين بالآراء والفلسفات في أوروبا الغربية.
وكان من بين الجمعيات السرية، جمعية حفظ حقوق الملة العربية، والجمعية الشرقية الكاثوليكية، والجمعية الأدبية في طرابلس، وجمعية شمس البر في بيروت، الجمعية السرية العربية ... إلى آخر ذلك من جمعيات ينفطر قلب المؤمن عند التأمل في كثرتها وفي أسماء مؤسسيها، بل وفي أسامئها أيضًا، هذا بالإضافة إلى الجمعيات العلنية في الفترة ذاتها.
كل هذه الجمعيات وغيرها، سعت جاهدة متحدة الفكرة والهدف، وإن اختلفت المناهج والمسميات والأماكن؛ على خلخلة دعائم الدولة ولم تتوانى في استخدام أي سلاح يحقق أهدافها، من صحافة أو مدارس ومعاهد تنشر فيها وعن طريقها أفكارها.
ثانيًا: المدارس الأجنبية ودورها في إقصاء الشريعة:
إن المتصفح للصراع بين الحق والباطل بين الإسلام والكفر، يرى أن الهجمات الشرسة على المسلمين اتخذت سلاحًا أمضى على المسلمين من الحروب، وهو ما عرف بسلاح التنصير، والذي كان من أبرز قنواته المدارس أو التعليم عمومًا، لذلك أولت الدول الأجنبية والقائمون على تلك المدارس من الخارج اهتمامًا خاصًا بهذا الجانب وهذا القطاع، وقد كان هذا التعليم بمحاضنه من معاهد ومدارس وكليات بمثابة مصانع للرجال ومعامل للأفكار المتعددة، فمنها ظهرت الشيوعية، وفيها ولدت العلمانية، وبين أحضانها تربت القومية.
ولذلك تجد جل أو كل من يتولى التدريس في تلك المدارس من الرهبان والقسيسين، أيضًا نرى أن أكثر المدارس الأجنبية كانت متداخلة مع الكنائس أو ملحقة بها؛ للارتباط بين المدارس عند أهل الذمة وغرض التنصير, وقد عجت هذه المدارس التي كانت نسبة المسلمين بها تصل إلى 80% بالأفكار والمناهج التي تقرب من النصرانية يومًا بعد يوم، وهذا ما يجلي لنا مدى غفلة الدولة عن كل ما يحصل في هذه المدارس، ولا نغفل هنا بالطبع أن جهات تمويل هذه المدارس تنوعت بين جهات خارجية كفرنسا، وبين الكنائس، أضف إلى ذلك بعض الأشخاص المنصرين.
وقد أشار الكاتب هنا لبعض مدارس أهل الذمة في العراق كمدرسة اللاتين في بغداد، ومدرسة الآباء الدومينيكان ... إلخ، وفي مصر نجد أن المدارس الأجنبية تنوعت بين نصرانية ويهودية، أما الحديث عن مدارس النصارى فإنه أشهر من أن يذكر أو يتتبع للتدليل على كثرتها وانتشارها، وكذلك أشار الكاتب لمدارس أهل الذمة في الشام.
أما عن الآثار المترتبة على انتشار مدارس أهل الذمة، فقد بين الكاتب هنا أن الهدف من إنشاء المدارس الأجنبية في الدولة العثمانية؛ تنشئة جيل بعيد عن الإسلام متشكك فيه؛ ليسهل القضاء على وحدة المسلمين المتمثلة في الدولة العثمانية، التي كانت حجر عثرة أمام الاستعمار الغربي الصليبي، وقد جاءت آثار هذه المدارس في مقتل فتنوعت بين آثار فكرية وثقافية، ومنها وصم الإسلام بالجمود والتخلف، ومنها بذل الجهد في إقناع الطلاب بأن التقدم الغربي راجع للنصرانية، وأن الإسلام هو السبب في تأخر الشرق من ركب الحضارة، وهذا قليل من كثير، وعلى الجانب الاجتماعي فكانت محاولة تغيير القيم الإسلامية في نفوس المسلمين وتشويق الطلاب للعادات والتقاليد الغربية، والعمل على تفكيك الأسرة المسلمة بإبعاد الطلاب عن أفكارهم وعقائدهم، وترسيخ النظرة المادية البحته لدى الطلاب المسلمين .. إلخ، وكذلك تعددت آثار تلك المدارس وكان لها الدور الرئيس في نشر الأفكار المعاصرة كالقومية، إلى آخر ذلك من آثار ساعدت في خلخلة الدولة العثمانية.
ثالثًا: إدخال المذاهب المعاصرة لإقصاء الشريعة:
وكان من هذه المذاهب الوضعية:
- أولًا: القوميات وتشمل:
- الطورانية، وهنا بين لنا الكاتب أساس الفكرة الطورانية والتي تقوم على أساس التأليف بين الناطقين باللهجات التركية أولًا، ثم تكوين اتحاد حلفي منهم، بينهم وبين الأمم التي أصلها طوراني، ويقوم هذا الأساس على الدعوة إلى: ربط أتراك الدولة العثمانية بسائر أجناسهم خارج الدولة، وتحرير التراث التركي والثقافة واللغة من المؤثرات العربية، والعمل على سيادة العنصر التركي وتفوقه بتتريك سائر الجنسيات في الدولة، وكان القصد من وراء هذه المذاهب هو مسخ الهوية والقومية الأساسية، إذ لم يكن العرق أو القومية هو الذي يفرق بين جماعة وأخرى بل الدين، وكانت الهوية السياسية لكل الرعايا هي (العثمانية)، ولا شك أنه كان وراء كل ذلك يد يهودية تعبث بالعقول والأفكار، فقد خلص الكاتب في نهاية حديثه هنا، إلى أن منشأ القومية التركية فكرة ومنهجًا تأسست على أيد يهودية.
- القومية العربية: وهنا بين الكاتب أن المقصود بالقومية في المصطلح العصري وعند دعاتها: هي قومية العرب على أساس اتحاد اللغة الواحدة والتاريخ الواحد.
تدل على قوم العرب سواء كانت هذه القومية على الأساس الثابت كالإسلام أو كانت على غير الإسلام، بل اللادينية كما هو حاصل، وقد كان من أهم البدائل التي وضعتها العلمانية عن الإسلام كفكر ومبدأ للحياة الفكرة القومية، فهي إحدى النتائج التي أفرزتها الأفكار العلمانية، فقد كان التعصب القومي مظهرًا من مظاهر استبعاد الدين عن الحياة، فلا يكون الإسلام هو الرابطة التي يعقد لها الولاء ويجتمع عليها المسلمون، فالفكرة القومية فكرة علمانية اتخذت منذ البداية طريقًا مغايرًا للإسلام.
- ثانيًا: العلمانية:
وهنا بين المؤلف أن أهم معاول اليهود والنصارى في هدم الخلافة والملة هو: إدخال المذاهب الفكرية العصرية الهدامة على أنها نظريات علمية أثبتت نجاحاتها في أرض الحضارة والتقدم (أوروبا)، وعلى رأس هذه المذاهب ومن أشدها فتكًا "العلمانية" أو "اللادينية"، فهي أخطر وسائل أهل الذمة في إقصاء الشريعة عن ميدان الحياة، وجعل المسلمين لا هم لهم إلا الدنيا، دون التطلع لمستقبل هذا الدين أو حمل هم الإسلام، ومن ثم تحدث عن معنى العلمانية وأصلها وأين نبتت، وكيف دخلت إلى أرض المسلمين، كما تحدث عن دعاتها، وعن ارتباطها بالقوانين التي شرعت في آواخر عصر الدولة العثمانية.
رابعًا: سيطرة أهل الذمة على الصحافة:
وقد أشار الكاتب بداية في هذا المبحث إلى معنى الصحافة وأهميتها، مشيرًا إلى أهم الأدباء الذين تربعوا على عرش الصحافة منذ نشأتها كناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، ثم أعقب ذلك بالحديث عن مشاهير الصحفيين في الدولة العثمانية، وبين هنا أن الباحث في تاريخ الصحافة في العالم الإسلامي يتضح له عن قرب قلة المسلمين الذين اشتغلوا بالصحافة، فهم لا يتجاوزون أصابع اليد بخلاف صحف وكتاب أهل الذمة فإنه البحر الذي لا ساحل له.
لقد سيطر اليهود والنصارى على الصحافة، من خلال تنوع صحفهم، ولقد تعددت أساليبهم في ذلك، أضف إلى ذلك سيطرتهم على ما ينشر في غير صحفهم، تحت تأثير ضغوطهم الاقتصادية، وقد عرض الكاتب لنماذج لما كان ولا زال ينشر في صحافة أهل الذمة.
خامسًا: إحياء الثقافات القديمة ومحاولة ربط الشعوب بالآثار:
في هذا المبحث يطل علينا الكاتب؛ ليكشف لنا مطرق جديد من المطارق التي ساهمت في هدم الخلافة، وشاركت في إقصاء الشريعة تحت مسمى العلوم العصرية والاكتشافات العملية وهو ما يسمى بعلم الآثار، وهنا أشار الكاتب لمفهوم الآثار في نصوص الشرع، وقد خلص من ذلك للتأكيد على أن القرآن لم ينص على شيء اسمه علم أو فن الآثار، ثم أشار إلى نشأة هذا العلم، أما عن دور اليهود والنصارى فلاشك أن دورهم كان كبيرًا في إنشاء مفاهيم جديدة داخل هذا العلم، تخدم أهدافهم، فدور علماء الآثار كان واضحًا في العمل على تفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن دينهم من خلال إحياء الوثنيات القديمة، وكذلك إبعاد مفهوم القرآن الكريم في التعرف على الآثار السابقة، ومن ذلك طمس التوحيد في حياة البشر ومحاولة إقناع الناس أن الدين ثمرة التطور ... إلخ.
الفصل الثالث: الآثار المترتبة على نشاط أهل الذمة، وفيه المباحث التالية:
أولًا: تسهيل عملية الغزو الفكري لأبناء المسلمين:
وفي بداية هذا المبحث تحدث الكاتب عن مفهوم الغزو الفكري والفرق بينه وبين الغزو العسكري، كما بين الأسباب والعوامل التي ساعدت على نجاح هذا الغزو الفكري ونجاحه، والتي كان من بينها، تفوق الغرب المادي والتعليمي على المسليمن، وكذلك تفوقهم العسكري والسياسي على عكس الحال في الدولة العثمانية خاصة في عصر الدولة الثاني.
وهناك من الأسباب الكثير، كما بين الكاتب أن الغزاة قد نفذوا بأفكارهم المسمومة إلى العالم الإسلامي عن طريق منافذ وحقول عديدة من أهمها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة، وقد تحقق لأعداء الإسلام ما أرادوا، ويتجلى ذلك من خلال تلك التبعية الفكرية التي بدأت إعجابًا بالمظاهر المدنية والمبتكرات العلمية، ثم تحولت إلى شيوع روح الانهزام الفكري، وضياع روح الاعتزاز بالشخصية الإسلامية، ثم ختم الكاتب هذا المبحث بالحديث عن مظاهر الغزو الفكري.
ثانيًا: تغريب الثقافة بين أبناء المسلمين وبروز العلمانية:
وهنا بين الكاتب أن الحديث عن التغريب هو حديث عن ثمرة من ثمرات الغزو الفكري التي سبق الكلام عن مظاهره، بل عن سمة من أبشع سمات هذا الغزو وهي قلب مقاييس وأعراف الناس ومفاهيمهم في كل مجالات الحياة، وأبلغها مجال التشريع وإلغاء الشرع الحنيف واستبدال القوانين الوضعية به، وقد بين لنا الكاتب هنا مجالات التغريب والتي كانت: التغريب في التشريع، التغريب في مجال التعليم، التغريب في وسائل الإعلام باختلاف أنواعها، تغريب المرأة المسلمة، التغريب في اللباس والزي، التغريب في مجال الأدب والفن والمجالات الأخرى.
ثالثًا: توسيع النشاط التنصيري في بلاد الإسلام:
أما هنا فقد أطل علينا الكاتب من زاوية هامة؛ فعرفنا بمصطلح التبشير، كما كشف لنا الغطاء عن طبيعة التنصير وأهدافه والتي كان من أهمها تمكين الاستعمار من الرسوخ بأقدامه في البلاد، ثم تحدث عن المؤسسات والإرساليات التبشيرية التي مارست نشاطها في مصر، كالإرساليات الكاثوليكية والأمريكية، ثم أتى الحديث عن وسائل العمل التنصيري في مصر والتي كان من بينها: التعليم، والخدمات الطبية، وكذلك الأعمال الاجتماعية.
رابعًا: إلغاء الخلافة وإلغاء تطبيق الشريعة:
وفي مستهل هذا المبحث ألقى الكاتب نظرة على حياة "مصطفى كمال أتاتورك"، ذلك الرجل الذي جعل منه الإعلام الغربي وكتاب المستشرقين البطل المخلص، وخاصة بعدما جُعل منه رمز التقدم والثورة في كل مجتمع متحرر من العالم الإسلامي، فأعطى لنا الكاتب نبذة عن مولده وسيرته، ثم بين أنه انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي ودخل مع الماسون، وقد أقسم ـ أي أتاتورك ـ على إنشاء حكومة دستورية تكون مهمتها تحرير الشعب من رجال الدين، وتحرر النساء من الحجاب، ولا غرابة في ذلك فهو صنعة يهودية، ثم كشف الكاتب لنا النقاب عن أخطر جرائم أتاتورك والتي تمثلت في: إلغاء الخلافة، إلغاء المدارس الدينية ... إلى آخر ذلك من السبل التي سلكها أتاتورك لمسخ الدين من قلوب المسلمين، وبالجملة نستطيع أن نقول أن الغرب قد وجد في مصطفى كمال ضالته المنشودة، ثم انتقل الكاتب للحديث عن السلطان عبد الحميد، فألقى الضوء على شخصيته، وعلى جوانب من حياته، ومسيرته مع السلطنة.
الفصل الرابع: دور العلماء في مواجهة نشاط أهل الذمة:
وفي هذا الفصل الأخير أتى الحديث عن دور العلماء في مواجهة أهل الذمة، فالمتأمل يعلم أن الواقع الذي كان يعيشه المسلمون إبان سقوط الخلافة وما قبل ذلك كان مظلمًا ـ إلا ما كان من نور التوحيد في جزيرة العرب على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ فالفكر الصوفي كان هو السمة البارزة لعلماء ذلك العصر؛ فعاش المسلمون تلك الفترة في أوهام الخرافة وقل فيهم المذكر والناصح، وأصبح كثير من المعدودين من العلماء ـ إلا من رحم الله ـ دعاة وطنية أو شعارات شخصية، لذلك رأى الكاتب أن يعرض ههنا نماذج من العلماء والدعاة الغرباء في تلك الفترة العصيبة، والذين كانت لهم جهودًا عظيمة في مواجهة الأفكار الرافضة على بلاد المسلمين، وكان من بين هؤلاء المصلحين: أحمد جودت باشا، محمد عاكف، الشيخ مصطفى صبري، محمد رشيد رضا، فقد كان لهم جهد كبير موفور، وسعي بارز مشكور، فقد كانوا رجال علم وعمل، عملوا على خدمة الإسلام والمسلمين، وفي طريق التمكين لدين رب العالمين.
إن من حكمة الله عز وجل أن جعل في كل عصر وزمان بقية من أهل العلم هم ورثة الأنبياء يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون أهل العمى، ويصبرون منهم على الأذى، ولكن أولئك البقية يزيدون تارة فتقوى شوكتهم، وتارة ينقصون فيصبحون غرباء في مجتمعاتهم، وإن من أشد وأحلك الفترات التي زادت فيها هذه الغربة ـ حتى أصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا ـ هي فترة إلغاء آخر خلافة حكمت باسم الإسلام وهي الدولة العثمانية، فقد تسلط الصليبيون ـ وبمساندة اليهود ـ على رقاب المسلمين، حتى تمكن الأعداء من السيطرة على المسلمين ماديًا ومعنويًا.
فقد كانت الفاجعة بسقوط الخلافة عميقة الجرج مدوية الأثر، فبسقوط الدولة العثمانية ألغيت الخلافة، وكذلك ألغي شرع الله من أن يحكم في بلاد المسلمين، وهذه الفواجع التي ألمت بالمسلمين عقب سقوط الدولة العثمانية، كانت دافعًا للبحث عن أسباب الهزيمة، ولعل أبرزها عدم اهتمام الدولة بالأساس العقدي، أضف إلى ذلك أسباب أخرى كثيرة، كان لأهل الذمة دور بارز فيها، بل كانوا بمثابة اللاعب الأكبر في تحريكها.
وقد جاء الباحث الأستاذ (ماجد بن صالح المضيان) ببحثه القيم (دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية) مبينًا وكاشفًا لأثر أهل الذمة على العالم الإسلامي، كسبب رئيس من أسباب الانحطاط الفكري الذي مُنِّي فيه المسلمون في القرن الثالث عشر الهجري، والمتمثل باستبدال القوانين الوضعية بالشريعة الإلهية في أغلب ديار المسلمين؛ غفلة منهم وانبهارًا وتقليدًا للغالب، وقد جاء البحث في أربعة فصول وتمهيد ومقدمة، كالتالي:
التمهيد
وهنا تحدث الكاتب عن مصطلح أهل الذمة في الفقه الإسلامي وبين أنه العهد الذي يعطى للقوم الذين لم يدخلوا في الإسلام عند فتح المسلمين لبلادهم، ولا يسترقون ويؤمَّنون على حياتهم وحريتهم وأموالهم وعباداتهم، كما تحدث فيه عن المسائل الفقهية المتعلقة بالبحث من أحكام أهل الذمة، ومن يدخل في مصطلح أهل الذمة أو لايدخل، ومن الأحكام أمثال توليهم الوظائف العامة أو التنفيذية، وكذلك الوظائف الشرعية، وحكم تمكينهم من الاستقلال بالقضاء فيما بينهم فبين أن قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على عدم جواز تعيين غير مسلم قاضيًا مطلقًا، على عكس قول الأحناف القائل بجواز تعيين الذمي قاضيًا على أهل الذمة، وقد عرض الكاتب لأدلة الجمهور.
الفصل الأول: علاقة أهل الذمة بالدولة العثمانية، وهو مشتمل على مبحثين:
الأول: تسلل أهل الذمة إلى دوائر الدولة العثمانية:
وهنا تحدث الباحث عن المراكز الحساسة التي تقلدها أهل الذمة، مع إبراز الدور الخطير الذي توصل إليه أهل الذمة ومدى التسامح والتساهل الذي عوملوا به، وقد ضرب لنا الكاتب بعض النماذج للمراكز الحساسة التي تقلدها أهل الذمة، نذكر منها هنا نموذجًا لمجال واحد:
(في مجال الصناعة والتجارة)، وهنا تبين لنا أنه كان هناك اعتماد شبه كلي على أهل الذمة في مجالي الصناعة والتجارة، ربما لمهارة اليهود في التجارة ولعدم اكتراث العثمانيين بالصناعة، فسيطر اليهود على تجارة (صفد ودمشق)، كما سيطروا على أسعار النقد وتلاعبوا بها، وقد نتج عن تلك السيطرة كثير من الآثار السلبية أهمها: تشجيع وتمويل المشاغبين من الخارجين على السلطان من أهل الذمة في الصرب وغيرها، والتأثير على أصحاب المناصب والتدخل ـ أي تدخل أهل الذمة ـ في شئون الدولة الخاصة والعامة بالاعتماد على ثرواتهم ورشاويهم، وكان من النماذج الأخرى التي تعرض لها البحث: مجال الترجمة لأهم الوزراء، مجال الاستشارة، مجال الحريم السلطاني ... إلخ.
الثاني: الامتيازات الأجنبية ـ عرض وتحليل:
وهنا أطل علينا الكاتب بعرض لبنود الامتيازات، ومدى قربها وبعدها من أحكام الشرع وما تقتضيه مصلحة الدولة المسملة، فبين لنا الكاتب هنا أن طريق الجهاد والسيف كان هو مسلك الدولة وسياستها مع أعدائها وأعداء الدعوة من الصليبيين والباطنيين، منذ نشأتها وحتى عصر السفراء والمحادثات والامتيازات الأجنبية، والمقصود بهذه الفترة فترة السلطان (سليمان القانوني) واتضح لنا هنا أن الامتيازات من وجهة نظر الكاتب قد مرت بثلاث مراحل: قد بدأت الامتيازات منحة ثم تحولت إلى مطالب وحقوق ممن هم في الخارج لمن هم في الداخل، ثم أصبحت ضغطًا وانهزامًا واستعلاء على الدولة وهذا في عصر انحطاطها وإرهاصات سقوطها، ثم أورد بنود هذه الامتيازات، ثم علق عليها فكان من تعليقه، أنه من الملاحظ منذ عقد هذه الاتفاقية أن الدولة لم تتقدم شبرًا واحدًا بعد هذا البند الأول الذي ينص على إلغاء أي شيء يمت للجهاد بصلة.
وأوضح أنه مما هو ملاحظ في البند الثاني الاجتهادات العصرية والقوانين الوضعية البعيدة عن اجتهادات الفقهاء وعن أفعال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، إلى غير ذلك من بندو سارت على نفس الوتيرة، منها ما أباح لأهل الذمة ممارسة جاهليتهم، وتحكيم قوانينهم الوضعية على أرض الإسلام، ومنها ما يُشتَمُّ من خلاله تعطيل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لا يستطيع المسلم أن ينكر على الذمي شيء مما يجهر به من المنكرات، إلى غير ذلك من بنود كانت بمثابة معاول الهدم في جدار الدولة.
الفصل الثاني: وسائل أهل الذمة في إقصاء الشريعة، وفيه مباحث:
أولًا: فتح جمعيات تحت اسم الثقافة والأدب والعلم:
وفي هذا الموضع يكشف لنا الكاتب الغطاء عن مجال من المجالات النشطة التي ابتدعها نصارى العرب ويهود تركيا، والتي استغلت أبشع استغلال، ألا وهو مجال الجمعيات تحت ستار الأدب والثقافة، وكانت هذه الجمعيات في بدايتها سرية، ثم تحولت نشاطاتها الثقافية المعلنة إلى نشاطات سياسية سرية، ونشر بعضهم دعوات خطيرة وأفكار جريئة عن أنظمة الحكم، متأثرين بالآراء والفلسفات في أوروبا الغربية.
وكان من بين الجمعيات السرية، جمعية حفظ حقوق الملة العربية، والجمعية الشرقية الكاثوليكية، والجمعية الأدبية في طرابلس، وجمعية شمس البر في بيروت، الجمعية السرية العربية ... إلى آخر ذلك من جمعيات ينفطر قلب المؤمن عند التأمل في كثرتها وفي أسماء مؤسسيها، بل وفي أسامئها أيضًا، هذا بالإضافة إلى الجمعيات العلنية في الفترة ذاتها.
كل هذه الجمعيات وغيرها، سعت جاهدة متحدة الفكرة والهدف، وإن اختلفت المناهج والمسميات والأماكن؛ على خلخلة دعائم الدولة ولم تتوانى في استخدام أي سلاح يحقق أهدافها، من صحافة أو مدارس ومعاهد تنشر فيها وعن طريقها أفكارها.
ثانيًا: المدارس الأجنبية ودورها في إقصاء الشريعة:
إن المتصفح للصراع بين الحق والباطل بين الإسلام والكفر، يرى أن الهجمات الشرسة على المسلمين اتخذت سلاحًا أمضى على المسلمين من الحروب، وهو ما عرف بسلاح التنصير، والذي كان من أبرز قنواته المدارس أو التعليم عمومًا، لذلك أولت الدول الأجنبية والقائمون على تلك المدارس من الخارج اهتمامًا خاصًا بهذا الجانب وهذا القطاع، وقد كان هذا التعليم بمحاضنه من معاهد ومدارس وكليات بمثابة مصانع للرجال ومعامل للأفكار المتعددة، فمنها ظهرت الشيوعية، وفيها ولدت العلمانية، وبين أحضانها تربت القومية.
ولذلك تجد جل أو كل من يتولى التدريس في تلك المدارس من الرهبان والقسيسين، أيضًا نرى أن أكثر المدارس الأجنبية كانت متداخلة مع الكنائس أو ملحقة بها؛ للارتباط بين المدارس عند أهل الذمة وغرض التنصير, وقد عجت هذه المدارس التي كانت نسبة المسلمين بها تصل إلى 80% بالأفكار والمناهج التي تقرب من النصرانية يومًا بعد يوم، وهذا ما يجلي لنا مدى غفلة الدولة عن كل ما يحصل في هذه المدارس، ولا نغفل هنا بالطبع أن جهات تمويل هذه المدارس تنوعت بين جهات خارجية كفرنسا، وبين الكنائس، أضف إلى ذلك بعض الأشخاص المنصرين.
وقد أشار الكاتب هنا لبعض مدارس أهل الذمة في العراق كمدرسة اللاتين في بغداد، ومدرسة الآباء الدومينيكان ... إلخ، وفي مصر نجد أن المدارس الأجنبية تنوعت بين نصرانية ويهودية، أما الحديث عن مدارس النصارى فإنه أشهر من أن يذكر أو يتتبع للتدليل على كثرتها وانتشارها، وكذلك أشار الكاتب لمدارس أهل الذمة في الشام.
أما عن الآثار المترتبة على انتشار مدارس أهل الذمة، فقد بين الكاتب هنا أن الهدف من إنشاء المدارس الأجنبية في الدولة العثمانية؛ تنشئة جيل بعيد عن الإسلام متشكك فيه؛ ليسهل القضاء على وحدة المسلمين المتمثلة في الدولة العثمانية، التي كانت حجر عثرة أمام الاستعمار الغربي الصليبي، وقد جاءت آثار هذه المدارس في مقتل فتنوعت بين آثار فكرية وثقافية، ومنها وصم الإسلام بالجمود والتخلف، ومنها بذل الجهد في إقناع الطلاب بأن التقدم الغربي راجع للنصرانية، وأن الإسلام هو السبب في تأخر الشرق من ركب الحضارة، وهذا قليل من كثير، وعلى الجانب الاجتماعي فكانت محاولة تغيير القيم الإسلامية في نفوس المسلمين وتشويق الطلاب للعادات والتقاليد الغربية، والعمل على تفكيك الأسرة المسلمة بإبعاد الطلاب عن أفكارهم وعقائدهم، وترسيخ النظرة المادية البحته لدى الطلاب المسلمين .. إلخ، وكذلك تعددت آثار تلك المدارس وكان لها الدور الرئيس في نشر الأفكار المعاصرة كالقومية، إلى آخر ذلك من آثار ساعدت في خلخلة الدولة العثمانية.
ثالثًا: إدخال المذاهب المعاصرة لإقصاء الشريعة:
وكان من هذه المذاهب الوضعية:
- أولًا: القوميات وتشمل:
- الطورانية، وهنا بين لنا الكاتب أساس الفكرة الطورانية والتي تقوم على أساس التأليف بين الناطقين باللهجات التركية أولًا، ثم تكوين اتحاد حلفي منهم، بينهم وبين الأمم التي أصلها طوراني، ويقوم هذا الأساس على الدعوة إلى: ربط أتراك الدولة العثمانية بسائر أجناسهم خارج الدولة، وتحرير التراث التركي والثقافة واللغة من المؤثرات العربية، والعمل على سيادة العنصر التركي وتفوقه بتتريك سائر الجنسيات في الدولة، وكان القصد من وراء هذه المذاهب هو مسخ الهوية والقومية الأساسية، إذ لم يكن العرق أو القومية هو الذي يفرق بين جماعة وأخرى بل الدين، وكانت الهوية السياسية لكل الرعايا هي (العثمانية)، ولا شك أنه كان وراء كل ذلك يد يهودية تعبث بالعقول والأفكار، فقد خلص الكاتب في نهاية حديثه هنا، إلى أن منشأ القومية التركية فكرة ومنهجًا تأسست على أيد يهودية.
- القومية العربية: وهنا بين الكاتب أن المقصود بالقومية في المصطلح العصري وعند دعاتها: هي قومية العرب على أساس اتحاد اللغة الواحدة والتاريخ الواحد.
تدل على قوم العرب سواء كانت هذه القومية على الأساس الثابت كالإسلام أو كانت على غير الإسلام، بل اللادينية كما هو حاصل، وقد كان من أهم البدائل التي وضعتها العلمانية عن الإسلام كفكر ومبدأ للحياة الفكرة القومية، فهي إحدى النتائج التي أفرزتها الأفكار العلمانية، فقد كان التعصب القومي مظهرًا من مظاهر استبعاد الدين عن الحياة، فلا يكون الإسلام هو الرابطة التي يعقد لها الولاء ويجتمع عليها المسلمون، فالفكرة القومية فكرة علمانية اتخذت منذ البداية طريقًا مغايرًا للإسلام.
- ثانيًا: العلمانية:
وهنا بين المؤلف أن أهم معاول اليهود والنصارى في هدم الخلافة والملة هو: إدخال المذاهب الفكرية العصرية الهدامة على أنها نظريات علمية أثبتت نجاحاتها في أرض الحضارة والتقدم (أوروبا)، وعلى رأس هذه المذاهب ومن أشدها فتكًا "العلمانية" أو "اللادينية"، فهي أخطر وسائل أهل الذمة في إقصاء الشريعة عن ميدان الحياة، وجعل المسلمين لا هم لهم إلا الدنيا، دون التطلع لمستقبل هذا الدين أو حمل هم الإسلام، ومن ثم تحدث عن معنى العلمانية وأصلها وأين نبتت، وكيف دخلت إلى أرض المسلمين، كما تحدث عن دعاتها، وعن ارتباطها بالقوانين التي شرعت في آواخر عصر الدولة العثمانية.
رابعًا: سيطرة أهل الذمة على الصحافة:
وقد أشار الكاتب بداية في هذا المبحث إلى معنى الصحافة وأهميتها، مشيرًا إلى أهم الأدباء الذين تربعوا على عرش الصحافة منذ نشأتها كناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، ثم أعقب ذلك بالحديث عن مشاهير الصحفيين في الدولة العثمانية، وبين هنا أن الباحث في تاريخ الصحافة في العالم الإسلامي يتضح له عن قرب قلة المسلمين الذين اشتغلوا بالصحافة، فهم لا يتجاوزون أصابع اليد بخلاف صحف وكتاب أهل الذمة فإنه البحر الذي لا ساحل له.
لقد سيطر اليهود والنصارى على الصحافة، من خلال تنوع صحفهم، ولقد تعددت أساليبهم في ذلك، أضف إلى ذلك سيطرتهم على ما ينشر في غير صحفهم، تحت تأثير ضغوطهم الاقتصادية، وقد عرض الكاتب لنماذج لما كان ولا زال ينشر في صحافة أهل الذمة.
خامسًا: إحياء الثقافات القديمة ومحاولة ربط الشعوب بالآثار:
في هذا المبحث يطل علينا الكاتب؛ ليكشف لنا مطرق جديد من المطارق التي ساهمت في هدم الخلافة، وشاركت في إقصاء الشريعة تحت مسمى العلوم العصرية والاكتشافات العملية وهو ما يسمى بعلم الآثار، وهنا أشار الكاتب لمفهوم الآثار في نصوص الشرع، وقد خلص من ذلك للتأكيد على أن القرآن لم ينص على شيء اسمه علم أو فن الآثار، ثم أشار إلى نشأة هذا العلم، أما عن دور اليهود والنصارى فلاشك أن دورهم كان كبيرًا في إنشاء مفاهيم جديدة داخل هذا العلم، تخدم أهدافهم، فدور علماء الآثار كان واضحًا في العمل على تفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن دينهم من خلال إحياء الوثنيات القديمة، وكذلك إبعاد مفهوم القرآن الكريم في التعرف على الآثار السابقة، ومن ذلك طمس التوحيد في حياة البشر ومحاولة إقناع الناس أن الدين ثمرة التطور ... إلخ.
الفصل الثالث: الآثار المترتبة على نشاط أهل الذمة، وفيه المباحث التالية:
أولًا: تسهيل عملية الغزو الفكري لأبناء المسلمين:
وفي بداية هذا المبحث تحدث الكاتب عن مفهوم الغزو الفكري والفرق بينه وبين الغزو العسكري، كما بين الأسباب والعوامل التي ساعدت على نجاح هذا الغزو الفكري ونجاحه، والتي كان من بينها، تفوق الغرب المادي والتعليمي على المسليمن، وكذلك تفوقهم العسكري والسياسي على عكس الحال في الدولة العثمانية خاصة في عصر الدولة الثاني.
وهناك من الأسباب الكثير، كما بين الكاتب أن الغزاة قد نفذوا بأفكارهم المسمومة إلى العالم الإسلامي عن طريق منافذ وحقول عديدة من أهمها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة، وقد تحقق لأعداء الإسلام ما أرادوا، ويتجلى ذلك من خلال تلك التبعية الفكرية التي بدأت إعجابًا بالمظاهر المدنية والمبتكرات العلمية، ثم تحولت إلى شيوع روح الانهزام الفكري، وضياع روح الاعتزاز بالشخصية الإسلامية، ثم ختم الكاتب هذا المبحث بالحديث عن مظاهر الغزو الفكري.
ثانيًا: تغريب الثقافة بين أبناء المسلمين وبروز العلمانية:
وهنا بين الكاتب أن الحديث عن التغريب هو حديث عن ثمرة من ثمرات الغزو الفكري التي سبق الكلام عن مظاهره، بل عن سمة من أبشع سمات هذا الغزو وهي قلب مقاييس وأعراف الناس ومفاهيمهم في كل مجالات الحياة، وأبلغها مجال التشريع وإلغاء الشرع الحنيف واستبدال القوانين الوضعية به، وقد بين لنا الكاتب هنا مجالات التغريب والتي كانت: التغريب في التشريع، التغريب في مجال التعليم، التغريب في وسائل الإعلام باختلاف أنواعها، تغريب المرأة المسلمة، التغريب في اللباس والزي، التغريب في مجال الأدب والفن والمجالات الأخرى.
ثالثًا: توسيع النشاط التنصيري في بلاد الإسلام:
أما هنا فقد أطل علينا الكاتب من زاوية هامة؛ فعرفنا بمصطلح التبشير، كما كشف لنا الغطاء عن طبيعة التنصير وأهدافه والتي كان من أهمها تمكين الاستعمار من الرسوخ بأقدامه في البلاد، ثم تحدث عن المؤسسات والإرساليات التبشيرية التي مارست نشاطها في مصر، كالإرساليات الكاثوليكية والأمريكية، ثم أتى الحديث عن وسائل العمل التنصيري في مصر والتي كان من بينها: التعليم، والخدمات الطبية، وكذلك الأعمال الاجتماعية.
رابعًا: إلغاء الخلافة وإلغاء تطبيق الشريعة:
وفي مستهل هذا المبحث ألقى الكاتب نظرة على حياة "مصطفى كمال أتاتورك"، ذلك الرجل الذي جعل منه الإعلام الغربي وكتاب المستشرقين البطل المخلص، وخاصة بعدما جُعل منه رمز التقدم والثورة في كل مجتمع متحرر من العالم الإسلامي، فأعطى لنا الكاتب نبذة عن مولده وسيرته، ثم بين أنه انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي ودخل مع الماسون، وقد أقسم ـ أي أتاتورك ـ على إنشاء حكومة دستورية تكون مهمتها تحرير الشعب من رجال الدين، وتحرر النساء من الحجاب، ولا غرابة في ذلك فهو صنعة يهودية، ثم كشف الكاتب لنا النقاب عن أخطر جرائم أتاتورك والتي تمثلت في: إلغاء الخلافة، إلغاء المدارس الدينية ... إلى آخر ذلك من السبل التي سلكها أتاتورك لمسخ الدين من قلوب المسلمين، وبالجملة نستطيع أن نقول أن الغرب قد وجد في مصطفى كمال ضالته المنشودة، ثم انتقل الكاتب للحديث عن السلطان عبد الحميد، فألقى الضوء على شخصيته، وعلى جوانب من حياته، ومسيرته مع السلطنة.
الفصل الرابع: دور العلماء في مواجهة نشاط أهل الذمة:
وفي هذا الفصل الأخير أتى الحديث عن دور العلماء في مواجهة أهل الذمة، فالمتأمل يعلم أن الواقع الذي كان يعيشه المسلمون إبان سقوط الخلافة وما قبل ذلك كان مظلمًا ـ إلا ما كان من نور التوحيد في جزيرة العرب على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ فالفكر الصوفي كان هو السمة البارزة لعلماء ذلك العصر؛ فعاش المسلمون تلك الفترة في أوهام الخرافة وقل فيهم المذكر والناصح، وأصبح كثير من المعدودين من العلماء ـ إلا من رحم الله ـ دعاة وطنية أو شعارات شخصية، لذلك رأى الكاتب أن يعرض ههنا نماذج من العلماء والدعاة الغرباء في تلك الفترة العصيبة، والذين كانت لهم جهودًا عظيمة في مواجهة الأفكار الرافضة على بلاد المسلمين، وكان من بين هؤلاء المصلحين: أحمد جودت باشا، محمد عاكف، الشيخ مصطفى صبري، محمد رشيد رضا، فقد كان لهم جهد كبير موفور، وسعي بارز مشكور، فقد كانوا رجال علم وعمل، عملوا على خدمة الإسلام والمسلمين، وفي طريق التمكين لدين رب العالمين.
الأحد، 31 يوليو 2011
الإسلام والآخر
محور : الإسلام والآخر
أ. د. زينب عبد العزيز
عضو مجلس الأمناء بالإتحاد
الإسلام والآخر
تمهيد :
لم يعد محور "الإسلام والآخر" بحاجة إلى مزيد من التناول ، فما تمت كتابته فى هذا المجال أكثر من كافٍ لتوضيح موقف الإسلام من غير المسلمين ، وسماحة الإسلام باتت من المسلمات التى تتعدى النقاش والجدل بدليل الواقع المعاش .. فلو إعتبرنا الآخر ، هنا ، هو كافة الديانات والعقائد الأخرى ، لرأينا إن اكبرها عددا هم أتباع المسيحية بكل ما تتضمنه من فرق منشقة وصل عدد كنائسها المستقلة الى 349 كنيسة تقريبا. بل وتكفى الإشارة الى تزايد وجود أتباع المسيحية على الصعيد العالمى لندرك مدى سماحة الإسلام ، الذى أنزله المولى عز وجل فى مطلع القرن السابع الميلادى ، مصوباً ومكملا ، بعد أن تم تحريف الرسالتين السابقتين لعقيدة التوحيد وهما اليهودية والمسيحية.
فالثابت بالأبحاث العلمية والتاريخية واللغوية وبنص القرآن الكريم ، ان اليهود قد حرّفوا رسالة التوحيد بالله التى انزلها سبحانه وتعالى على النبى موسى ، عليه السلام ، وعادوا لعبادة العجل وقتل الأنبياء .. فأرسل رب العالمين النبى عيسى بن مريم ، عليه السلام ، الى الضالين من بنى جلدته من اليهود ليعود بهم الى رسالة التوحيد بالله ، وهو القائل : "لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 15 : 24) . وكان قبل ذلك قد قال نفس التوضيح إلى حوارييه الإثنى عشر حين أوصاهم قائلا : "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل إذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 10 : 5-6) . وهذه الجملة الأخيرة ، بخلاف أنها تحدد رسالة يسوع وحوارييه بأنها تقتصر على عودة الضالين من اليهود الى التوحيد والسراط المستقيم، فهى تكشف أيضا أن عيسى عليه السلام قد حذّرهم من الذهاب الى الأمم والمدن الأخرى ، أى أن رسالته قاصرة على الضالين من قومه. وهو ما يتعارض مع ما تقوم به حاليا المؤسسة الكنسية على الصعيد العالمى من عمليات تبشير وتنصير ، بإصرار غريب ، إذ لم تترك مجالا إلا و توغلت فيه لإستخدامه فى عملياتها التنصيرية ..
وحينما حاد أتباع عيسى عليه السلام عن رسالة التوحيد من بعده ، و أشركوا بالله عز وجل ، وقاموا بتأليه عيسى النبى وجعلوه إبن الله ثم الله نفسه وبات اسمه "الرب يسوع المسيح" وساووه بل ودمجوه برب العزة ، و اختلقوا المسيحية الحالية و بدعة الثالوث، أتى سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، مصوبا وخاتما لرسالة التوحيد ، و كاشفا لما تم فى الرسالتين السابقتين من تحريف وشرك بالله . وهو الثابت فى نصوص اليهودية والمسيحية الى اليوم ، رغم كل ما تم بها من تحريف وتغيير وتبديل ، وهو الثابت فى قرآننا الكريم الذى لم يتغيّر منه حرفا واحدا ، فقد وعد ربنا سبحانه وتعالى بحفظه الى يوم الدين .
تصويب صياغة المحور :
ونظرا لكل ما تعانيه الشعوب الإسلامية من إضطهاد متفاوت الحدة والوضوح ، منذ أن بدأ الإسلام ينتشر وحتى يومنا هذا ، وتم وصمه بالإرهاب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، ونظرا لكل ما تم تقديمه من تنازلات للمؤسسة الكنسية ، خاصة فى السنوات الأخيرة ، فى مختلف الأقطار المسلمة ، سواء جهلا أو عن عمد ، أو حتى خضوعا للضغوط السياسة التى باتت تمارس بجبروت وفى العلن فى كثير من الأحيان، فقد رأيت ضرورة تصويب صياغة المحور ليتمشى مع الواقع المُعاش ، مع كل تقديرى لمن صاغوه، ليصبح العنوان الذى سأتناوله هو: "الآخر والإسلام".. وليس "الإسلام والآخر" ، فالإسلام والمسلمون هم المعتدى عليهم بكل إصرار وصلف ، إعتمادا على تلال من الأكاذيب والتلاعب بالعبارات لصياغة قرارات ظالمة مجحفة .. والإسلام هو المطلوب إقتلاعه أو على الأقل تحريفه وتقليصة إلى مجرد المظاهر العبادية فحسب ، وكلها قرارات معلنة بوضوح لا مواربة فيها ، بل لقد تمت مناشدة العديد من المنظمات الدولية والعالمية لتبنى تنفيذ هذه القرارات بالتدخل السافر فى الشئون الداخلية للبلدان الإسلامية !
حقيقة عبارة "الآخر والاسلام" :
لا يسع المجال ، فى مثل هذا الحيّز المحدود ، بتناول قصة معاداة المؤسسة الكنسية للإسلام منذ بدأ إنتشاره حتى يومنا هذا ، وكيف كانوا يعتبرونه مجرد هرطقة من الهرطقات التى إعترت طريق تحريف المسيحية وتأليه السيد المسيح . وهو ما تناوله يوحنا الدمشقى ، فى القرن الثامن الميلادى ، فى كتابه المعنون "نبع المعرفة" حيث ضمنه قصة مائة وواحد هرطقة ، يمثل الإسلام فيه آخر الهرطقات آنذاك حيث انه يحمل عنوان الهرطقة رقم مائة وواحد !.. كما لا يسع المجال لسرد كم التحالفات التى تمت بين شعوب ومؤسسات مسيحية ، تتناحر فيما بينها ، لكنها تتآلف وتتكاتف لتتمكن من صد إنتشار الإسلام خاصة فى أوروبا ، ومنها الحروب الصليبية وحرب الإسترداد فى إسبانيا و معركة ليبانت فى اليونان سنة 1571 حينما تحالفت الأساطيل البحرية لعدة بلدان مسيحية لصد المد الإسلامى ، وغيرها كثير ..
لكننى سأتوقف عند المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى (1962-1965) ويختصرونه : "مجمع فاتيكان 2 " أو "المجمع الفاتيكانى الثانى". وذلك لأنه يمثل نقطة فارقة فى التاريخ الكنسى برمته ، ويُعد أول مجمع هجومى فى التاريخ حتى على أتباع المسيحية ، إذ أنه خرج خروجا سافرا عن نصوص الكتاب المقدس بغية تنفيذ مآرب سياسية بعينها .. أما كافة المجامع السابقة فكانت بمثابة مجامع تلفيقية ، بمعنى أنها كانت تجتمع لصد ما يعترى طريقها من معارك وإعتراضات داخلية فيما بينها .. أما هذا المجمع الفاتيكانى الثانى فإنه الركيزة الأساسية التى تعتمد عليها كافة المحاولات الحديثة التى إنبثقت لمحاربة الإسلام والمسلمين بشتى الوسائل منذ سنة 1965 . فلأول مرة فى التاريخ تُصدر المؤسسة الكنسية قرارا صريحا واضحا ومعلنا بأنها قررت تنصير العالم ، وبالتالى إقتلاع الإسلام والمسلمين ، موضحة أن هذا القرار مجمعى أى عالمى ولا رجعة فيه ..
مجمع الفاتيكان الثانى :
لقد أصدر هذا المجمع ستة عشرة وثيقة مختلفة الطول والمضمون ، يمكن تلخيص قراراتها الأساسية إجمالا بما يلى :
1- تبرأة اليهود من دم المسيح ، رغم مخالفة ذلك للعقيدة وللنصوص الإنجيلية الشديدة الوضوح.
2 - إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينيات (من القرن الماضى). حتى لا تبقى أية أنظمة بديلة للرأسمالية الإستعمارية. وقد تم ذلك بالتواطؤ بين الفاتيكان والمخابرات المركزية الأمريكية وجورباتشوف كعميل من الداخل .. وما أكثر ما كتب عن تفاصيل اختلاق حزب " تضامن" فى بولندا ، واختلاق "العام المريمى" لتأجيج مناخ دينى مفتعل ، أو كل ما تم صرفه من مبالغ اُهدرت لتنفيذ هذه المخططات ..
3- إقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.
4 - توصيل الإنجيل لكافة البشر.. وهى الصيغة المضغمة التى تم إعلانها آنذاك ، ثم قام البابا السابق يوحنا بولس الثانى سنة 1982 بتوضيحها فى خطاب رسمى معلِنا ضرورة تنصير العالم ، مشيرا إلى أن ذلك قرار لا رجعة فيه ..(لأنه قرار مجمع مسكونى) !
5 - توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما ، وإنشاء لجنة خاصة بذلك ، رغم الخلافات العقائدية الجذرية بينها. وعندما لم يتم ذلك القرار، راح يوحنا بولس الثانى يحثهم قائلا : " إن هذه هى الوسيلة الوحيدة للتصدى للمد الإسلامى " (وارد فى كتاب : الجغرافيا السياسية للفاتيكان )
6 - فرض عملية التبشير على كافة المسيحيين ، الكنسيين منهم و المدنيين ، وهى أول مرة فى التاريخ تقوم فيها الكنيسة بإصدار قرارات مكتوبة ومعلنة متعلقة بالمدنيين الذين لا يندرجون فى الهيكل الكنسى.
7 - استخدام الكنائس المحلية فى عمليات التبشير ، الأمر الذى يضع الأقليات المسيحية فى موقف عدم الأمانة أو الخيانة للبلد الذى يعيشون فيه أى للأغلبية المسلمة ..
8 - فرض بدعة " الحوار" كوسيلة للتبشير و كسب الوقت حتى يتم التنصير بلا مقاومة ..
9 - إنشاء لجنة للحوار برئاسة الكاردينال آرنزى
10 - إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم برئاسة الكاردينال جوزيف طومكو. وقد قام أعضاء اللجنتين بإصدار وثيقة مشتركة فى 20/6/1991 بعنوان : "حوار و بشارة " تتضمن التوجيهات اللازمة لعملية التنصير الدائرة منذ ذلك الوقت فى تصعيد متواصل ..
11 – ومن أهم ما أقره هذا المجمع وأغربه إعتراف الفاتيكان أن الأناجيل ليست منزّلة من عند الله وان من كتبها هم بشر ، إلا ان الإختلافات التى فيها أو بينها ليست متناقضات وإنما هى "من قبيل التعددية فى التعبير" ، ورغمها يفرضونها على أنها منزّلة !
وثيقة "فى زماننا هذا" :
تعد وثيقة "فى زماننا هذا" من أهم وثائق مجمع الفاتيكان الثانى إذ انها تتضمن موقف الفاتيكان من غير المسيحيين .. وهى الوثيقة التى برأ فيها ذلك المجمع اليهود من دم المسيح ، رغم كل ما فى هذا القرار من مخالفة صريحة لعشرات الجمل التى لا تزال فى الأناجيل والتى تتهم اليهود بقتل المسيح ! أما القرار المتعلق بالمسلمين فهو يتكون من سبعة عشر سطرا يقول نصها :
الديانة الإسلامية :
3 – " إن الكنيسة تنظر أيضا بعين الإعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد ، الحىّ القيوم ، الرحمن القدير ، خالق السماء و الأرض ، الذى تحدث إلى البشر. إنهم يحاولون الخضوع بكل قواهم لقرارات الله ، حتى وإن كانت مخفية ، مثلما خضع إبراهيم لله والذى يتخذه الإيمان الإسلامى طواعية مثلا له. وعلى الرغم من أنهم لا يعترفون بيسوع كإله ، فهم يبجلونه كنبى ؛ ويوقرون أمه مريم العذراء، وأحيانا يتوسلون إليها بتضرع. كما أنهم ينتظرون يوم الحساب، الذى سيجازى فيه الله البشر بعد بعثهم ، وهم يقدرون الأخلاق ، ويقدمون عبادةٍ ما لله ، خاصةً بالصلاة ، والزكاة والصوم.
" وإذا ما كان عبر القرون قد اندلع العديد من الخلافات و العداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع يهيب بهم جميعا نسيان الماضى وأن يجتهدوا بإخلاص فى محاولة للفهم المتبادل، وأن يقوموا معا بحماية ونشر العدل الإجتماعى، والقيم الأخلاقية، والسلام و الحرية ، من أجل كافة البشر " (صفحة 29)
ولو تأملنا النص عن قرب وكل ما به من تلاعب بشئ من التحليل لرأينا ما يلى :
* أن كلمة " إسلام " غير واردة بهذا النص.
* أن الكنيسة "تنظر أيضا بعين الإعتبار" إلى المسلمين ، فلا تشير إليهم على أنهم أتباع الرسالة التوحيدية الثالثة ، التى أنزلها المولى تصويبا لما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين وختاما لرسالة التوحيد ، وإنما تنظر إليهم الكنيسة فحسب بعين الإعتبار !
* أن الإله الذى يعبده المسلمون " قد تحدث إلى البشر" ، أى أنه لم يتحدث تحديدا إلى سيدنا محمد مثلما تحدث الى موسى أو عيسى عليهما السلام !
* الإصرار المتعمّد على إستبعاد نسب المسلمين لسيدنا إسماعيل . الأمر الذى ترتبت عليه أحداث سياسية فادحة فى حق الفلسطينيين ..
* أن "الإيمان الإسلامى" يتخذ سيدنا إبراهيم كنموذج ، يتخذه مجرد مثال ولا ينتسب إليه ! فأهم إنعكاس لذلك التعبير ، غير الأمين ، أنه يستبعد إنتساب الفلسطينيين إلى أرضهم ، بما أنهم كمسلمين لا ينتسبون الى سيدنا إبراهيم ، وان الإسلام لا علاقة له بهذه المنطقة ، بعد ان وضعه هؤلاء المحرّفون ، فى هذه الوثيقة ، ضمن الديانات الأسيوية لإستبعاده تماما عن كل المنطقة التى نزل بها الوحى !!
* الإصرار على إستبعاد الإسلام من النص الإنجيلى رغم كل الإشارات التى لا تزال فى الكتاب المقدس بعهديه ، رغم كل ما أصابه من تعديل وتغيير ، بل وكل ما تم فيه من تحريف متعمّد ..
* ان عملية التزوير التاريخية التى تمت فى هذه الوثيقة و وضع الإسلام بين الديانات الكبرى الأسيوية ، التى تولدت بعيدا عن المسيحية ، عبارة عن مغالطة متعددة الأهداف أهمها ان الإسلام لم يأت كاشفا ومصوبا لما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين ، وخاصة إستبعاد المسلمين الفلسطينيين من هذه المنطقة أساسا ، وبالتالى لا يكون لهم اى حق في أرضهم المنتزعة قهرا لتستمر عملية الإحتلال الصهيونى بلا حرج أو بلا سند تاريخى لصالح الفلسطينيين !!
* التأكيد على ضرورة نسيان الماضى وكل ما إقترفته الكنيسة فى حق المسلمين من مجازر وإضطهاد لا يزال مستمرا ، بدليل الإصرار على تنصير العالم .. ولم تقم الكنيسة بالإعتذار للمسلمين مثلما اعتذرت لليهود عن كل ما تجرعوه من إضطهاد عبر القرون ، وإنما تطالبنا بالنسيان .. وهو نفس الموقف الذى تبناه البابا بنديكت 16 حينما تعمد سب الإسلام والمسلمين فى المحاضرة التى القاها فى جامعة راتسبون سنة 2006 ، ولم يعتذر ، وإنما تأسّف لرد فعل المسلمين وغضبهم ..
مجلس الكنائس العالمى :
عندما فشل الغرب المتعصب فى تنصير العالم عشية الألف الثالثة ، قام مجلس الكنائس العالمى ، فى يناير 2001 ، بإسناد مهمة إقتلاع الإسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، مع تسمية ذلك العقد (2001 – 2010) "عقد إقتلاع الشر" . وما هى إلا بضعة أشهر حتى اختلقت الإدارة الأمريكية مسرحية "الحادى عشر من سبتمبر" لتتلفع بشرعية دولية لتنفيذ مشاريعها الإستعمارية التنصيرية وأهمها ما تطلق عليه الشرق الأوسط الجديد أو الكبير..
ومجلس الكنائس العالمى منظمة تضم 349 كنيسة مختلفة ، منتشرة فى 120 بلد و تمثل كافة الإتجاهات المسيحية باختلافاتها العقائدية. إلا أن الكنيسة الكاثوليكية الفاتيكانية ليست عضوا بالمجلس (لأغراض تنظيمية سياسية ..) ، إذ أنها تتعاون معه بفاعلية مكثفة بحكم انها غير مشتركة فيه ..
وقد قام مجلس الكنائس العالمى ، الذى يعمل بجهود مشتركة مع لجنة تنصير العالم ولجان أخرى بالفاتيكان ، بعقد أكبر مؤتمر عالمى للتبشير، من 9 إلى 16 مايو 2005 باليونان ، لتوحيد عمليات تنصير العالم بين مختلف الكنائس ، و خاصة الكنيسة الإنجيلية و العَنْصَرية و الكاثوليكية الرومية. وعلى الرغم من توجيه عمليات التبشير فى ثلاثة مجالات أساسية : بلدان الكتلة الشرقية السابقة ، والدول المسيحية التى تفشى فيها الإلحاد ، والدول الإسلامية وباقى الديانات الأخرى ، فإن التركيز على تغيير القرآن و زعزعة الإسلام يحتل الصدارة فى جدول الأعمال. و تتوالى مؤتمرات التبشير المحلية و العالمية بإصرار ودأب ، مثلما تتوالى المغالطات والأكاذيب و التعامل بوجهين مع المسئولين المسلمين ..
ومن أهم القرارات التى أسفر عنها ذلك المؤتمر الذى يتوسط "عقد إقتلاع الشر"، البنود التالية :
تفادى أية صراعات أو منافسة بين الكنائس المختلفة أثناء عمليات التبشير ؛ الإصرار على أن " رسالة الله" التى تفرضها الكنائس موجهة لكافة البشر ؛ أنه يقع على الكنيسة توجيه الناس إلى التوبة ليدخلوا حياة جديدة بيسوع المسيح ؛ إن الكنيسة بأسرها مطالبة بتوصيل الإنجيل للعالم أجمع ؛ أنه لابد من غرس كنائس المسيح فى الثقافات المحلية لتسهيل تنمية الإيمان المسيحى ؛ دراسة كيفية التغلب على الوجود المتزايد للديانات الأخرى و خاصة الإسلام ، فى كل من أوروبا وأمريكا الشمالية ، لأنه يمثل تحديا حقيقيا لنشاطات المبشرين..
أهم المؤتمرات التبشيرية السابقة :
من أهم ما تمخضت عنه التيارات المتتالية الناجمة عن أزمة الأصولية والحداثة ، التى اعترت المؤسسة الكنسية فى مطلع القرن العشرين و التى كادت تطيح بالكيان الكنسى برمته ، إثارة قضيتين بصورة قاطعة : الإطاحة بمصداقية النصوص الإنجيلية ومحتواها العلمى أو المعرفى ؛ وإثبات صياغاتها المختلفة عبر الزمان أى أنها ليست منزّلة على الإطلاق .. وهو ما يعنى تفنيدها شكلا وموضوعا ! لذلك انطلق ذلك الكيان الكنسى بكل جبروت ليفرض المسيحية على العالم والإصرار على تنصيره ، على أن ذلك هو المخرج الوحيد له بعد أن تهدمت مصداقية نصوصه خاصة بعد معركة الأصولية والحداثة ..
ومن أهم مؤتمرات التنصير التى انعقدت على الصعيد العالمى : مؤتمر : "لوزان 1 " بسويسرا سنة 1974 ، لتدارس كيفية تنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثانى ، وجميعها تشير الى ضرورة تنصير العالم .. مؤتمر "كولورادو" بالولايات المتحدة سنة 1978 ، لتدارس كيفية تطبيق ما تمخض عنه المؤتمر السابق فى مدينة لوزان .. ثم "لوزان 2 " فى مدينة مانيللا بالفيليبين سنة 1989 بمشاركة 3000 قيادى تبشيرى تجمعوا من 170 بلد من جميع انحاء العالم .. وتتوالى المؤتمرات حتى العام القادم ، سنة 2012 ، بإقامة سينودس للتنصير الجديد و تنصير العالم ..
البابا بنديكت السادس عشر :
ومن ناحية أخرى فإن البابا بنديكت 16، الذى كان قد أعلن رسميا تأييده وإنضمامه للنظام العالمى الجديد ، لا يكف عن المحاولات المستميتة من أجل تنصير العالم بشتى الوسائل حتى السياسية منها. فحينما كان فى زيارته للولايات المتحدة ، من 15 إلى 20 إبريل 2008 ، ألقى أحد عشر خطابا تصرّ على الإشارة إلى الإرهاب الإسلامى ، وأخص بالذكر ثلاثة منها : البيان المشترك الذى القاه مع جورج بوش يوم 16 إبريل ، وخطابه يوم 17 أمام ممثلى الأديان المختلفة ، ثم الخطاب الذى ألقاه يوم 18 فى هيئة الأمم المتحدة ، حيث طالب هذه الهيئة الدولية ، غير المحايدة ، بالتدخل من أجل حماية الأقليات المسيحية فى العالم موضحا : "إذا كانت الدول غير قادرة على ضمان مثل هذه الحماية فإن المجتمع الدولى يجب عليه أن يتدخل بالوسائل القانونية الواردة فى ميثاق هيئة الأمم المتحدة وفى نصوص أخرى من القانون الدولى" ! مكررا هذه العبارة اكثر من مرة .
ولم تتوقف محاولاته عند ذلك الحد وإنما أعلن ، يوم الإثنين 28 يونيو 2010 ، عن إنشاء لجنة بابوية جديدة لتنصير البلدان ذات الجذور المسيحية بعنوان "المجلس البابوى للتبشير الجديد " ، بعد أن كان قد أعلن أن اسمها "المجلس البابوى لتبشير أوروبا" ، لكنه غيّر الإسم تفاديا للإنتقادات ، موضحا ان ذلك المجلس يهدف الى : "نشر التبشير الجديد فى البلدان التى تم تنصيرها سابقا ، وبها كنائس قديمة ، لكنها تباعدت وتعيش علمنة متزايدة بحيث ان إختفاء معنى وجود الله بات يمثل تحديا لا بد من مواجهته بشتى الوسائل لإعادة نشر الحقيقة الخالدة لإنجيل المسيح" .. وفى يومى 24 و 25 مارس 2011 إبتدع وسيلة للدمج بين الحوار والتبشير "دون أن يبدو على أنه عملية تبشير" ، على حد قوله ، وذلك بعمل منتدى للحوار بين المؤمنين وغير المؤمنين فى فناء كاتدرائية نوتر دام فى باريس ، وهى الإحتفالية التى شارك فيها كل من اليونسكو والمعهد العلمى القومى الفرنسى وجامعة السوربون ، ومنها جلسات بدعوات خاصة لكبار المسئولين وطلبة الدكتوراة. وهو ما يكشف عن مدى نفوذ بابا الفاتيكان و مؤسساته فى المجتمعات الغربية وخاصة فرنسا ، مدعية العلمانية ، لكنها تتضامن معه بأهم مؤسساتها فى محاولة إقتلاع الإسلام ..
وبنديكت 16 هو القائل بأنه يتعين على المسلمين القيام بما قامت به المؤسسة الفاتيكانية من تعديل وتبديل فى النصوص ، بناء على ما فرضه عليها عصر التنوير ، وأنه يتعين علي المسلمين حذف كل ما يحمله القرآن من إتهامات إلهية لمن حادوا عن رسالة التوحيد وعمل تفسير جديد للقرآن يتمشى مع مطالب الغرب ومؤسسته الصليبية ! والكاردينال توران ، رئيس لجنة الحوار ، هو القائل بأنه لا يمكن التحاور مع المسلمين طالما يصرون على أن القرآن كلام الله ؟!.
وقد أعلن بنديكت عن إقامة الصلاة الجماعية بين أتباع كافة الديانات والعقائد فى بلدة آسيز، فى إيطاليا ، فى أكتوبر 2011 ، اى بعد ثلاثة أشهر ، إحياء لذكرى مرور عشرون عاما على هذه البدعة المقصود منها التعوّد على كسر الحواجز بين الديانات والعقائد المختلفة تسهيلا لعملية التنصير ، كما أعلن عن إقامة سينودس خاص بالتنصير الجديد فى اكتوبر 2012 ، وقد بدأت لجان الأساقفة الإعداد له.
تنازلات المسلمين :
يؤلمنى بل ويخجلنى أن أقوم بالإشارة إلى عدة نماذج مما قدمه بعض المسلمين من تنازلات فى حق دينهم ، رضوخا أو مرضاة للمؤسسة الكنسية ، جهلا أو عن عمد ، إلا ان ما وصلت إليه الأوضاع حاليا بحاجة إلى وقفة صارمة دفاعا عن الدين ..
فالأزهر، الذى يمثل فى مصر وفى العالم الإسلامى ، أكبر و أعرق رمز للإسلام ، فرّط فى حق الإسلام وفى حق نبيه عليه الصلاة والسلام ، بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والسقوط ؛ وقبوله "تعديل" المناهج الدينية وتغيير الآيات فى المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها ؛ وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى ؛ و"تعديل" الخطاب الدينى والمساس بثوابته ؛ وإغلاق المساجد بين الصلوات ؛ وتضييق نطاق بناء المساجد ؛ و تحويل ما لم تُقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى ، بل وهدم ما تم بنائه قبل إستخراج تصاريح البناء ؛ - وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل : هل يمكن لنفس هؤلاء المسؤلين والوزراء القيام بمثل هذا التصرف حيال الكنائس التى فاق عددها نسبة أتباعها مقارنة بقلة عدد المساجد بالنسبة للمسلمين ؟! فما اكثر ما تم بناؤه من كنائس بلا تراخيص ، بل ما أكثر الأراضى التى اُخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد ، وما أكثر الكنائس التى تضخّم حجمها فى مكانها الى درجة الإنبعاج الفظ معماريا أو تلك المنازل التى تحوّلت الى كنائس بوضع قباب تعلوها الصلبان على اسطحها !..
ولقد خرج العاملون بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون فى مسألة الحجاب فى فرنسا ؛ وبتسليم وفاء قسطنطين بدلا من حمايتها ؛ كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم فى مهزلة مسرحية كنيسة الإسكندرية بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان ؛ والصمت أيضا حينما أهانت السلطات القمعية الأمريكية المصحف الشريف فى جوانتنامو وغيرها ؛ وخاصة ذلك الصمت الغريب حينما تم إعلان عيد ميلاد "ربنا يسوع" عطلة رسمية فى الدولة ، الدولة ذات الأغلبية المسلمة ، وكان من الأكرم لهم أن يوضحوا ما بهذا الإجراء من مساس بعقيدة المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة فى مصر وكيف أن مثل هذه الإجراءات تخرج عن حدود التسامح لتسهم او لتمهد الطريق لعمليات التنصير الدائرة !
والأدهى من هذا وذاك ، وغيره جد كثير بكل أسف ، هو التوقيع ، فى 18 إبريل 2005 ، على إتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المبشرون بالتبشير فى مصر دون أن يتعرض لهم أى عائق ..
كما أشير خاصة إلى تلك الوثيقة التى بدأ بالتوقيع عليها ، جهلا أو عن عمد ، 138 من كبار العلماء والفقهاء المسلمين فى اكتوبر 2007 ، ثم تزايد عدد الموقعين ، وهى بعنوان "تعالوا الى كلمة سواء" ، التى يقر فيها الموقعون أننا ، مسلمون ومسيحيون ، نعبد نفس الإله !! وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل كل من قاموا بالتوقيع علي ذلك الخطاب المهين : هل نسيتم أن صفة الإله فى الإسلام ليست الوحدانية فقط وإنما هو "أحدٌ صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد " ؟!. بينما الإله عند النصارى هو : " ربنا يسوع المسيح، إبن الله ، الذى تجسد بشرا ليخلص الإنسانية ، وصُلب ودُفن ونزل الجحيم وبُعث وصعد إلى السماء ليجلس عن يمين الآب ، الذى هو نفسه ، بما أن الآب والإبن والروح القدس إله واحد " ؟!
وفى نفس هذه السلسلة الممجوجة من التنازلات ، صدرت الأوامر الخاصة بتجفيف الإسلام من المنبع ، إلى كل البلدان الإسلامية .. كما صدرت إلى مجمع الملك فهد بتقليل طباعة المصاحف سنويا ، وبذلك سيأتى اليوم الذى لا نجد فى متناول اليد سوى "الفرقان الحق" – تلك البدعة المهينة التى ابتدعتها الأيادى العابثة فى الإدارة الأمريكية وتقوم بتوزيعها على بلدان العالم الإسلامى والعربى على أنه القرآن المنقح !.. ولا أقول شيئا عن الفضائيات والبرامج التى تسب الإسلام ونبيه الكريم ولا نرد أو نشرح الحقائق بل ولا يُسمح بذلك إلا على إستحياء أو على مضض ذرا للرماد فى الأعين !..
فكيف بعد كل هذه التنازلات نتحاور مع هؤلاء القوم ونستجيب لمطالبهم بدلا من وقف مهزلة التنازلات ، وبدلا من المطالبة بوقف هستيريا تنصير العالم ، وبدلا من تجميد العلاقات مع ذلك الغرب الصليبى المتعصب إلى أن يتم تصويب وتغيير كل هذه المهازل ؟! وتكفى الإشارة هنا إلى فساد ذلك الحوار ، وإلى أن لجنة الحوار الفاتيكانية قد فرضت فى أول جلسة لها مع لجنة الأزهر وأخذت توقيعها على أنه "لا نقاش فى العقيدة" ، فما جدوى الحوار إذن والخلاف بيننا فى العقيدة ؟!.
الخاتمة :
إن موقف الآخر من الإسلام والمسلمين ، و الهجمة الشرسة علي الإسلام باتت من الوضوح والصراحة المعلنة بحيث ان الرد عليها لا بد وان يكون حاسما قاطعا لا تهاون فيه . ولقد استعرضتُ فى عجالة أهم المحاور التى تثبت ان عملية تنصير العالم وإقتلاع الإسلام هى قرار لا رجعة فيه بالنسبة للمؤسسة الكنسية ، وأن كل الوثائق لديهم تُصاغ بهدف تنفيذ ما قرروه سنة 1965 لتنصير العالم .. لذلك أناشد الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين ، وكافة المؤسسات والهيئات الإسلامية ، ان تتكاتف للدفاع عن الإسلام وإتخاذ التدابير اللازمة لرفض ذلك القرار الخاص باقتلاع الإسلام والمسلمين الصادر عن مجمع الفاتيكان الثانى فى وثيقة "فى زماننا هذا"، تلك الوثيقة التى بُنيت عليها أهم قضيتين منفصلتين متكاملتين : تنصير العالم ، من جهة ؛ وإقتلاع الجذور التاريخية الدينية لشعب فلسطين ، من جهة أخرى ..
ففى القضية الأولى : لا بد من التصدى بكافة الوسائل لعملية تنصير العالم وإقتلاع الإسلام ، التى تقوم بها المؤسسة الفاتيكانية لفرض ديانة تم نسجها عبر المجامع على مر القرون ، أى أنها أبعد ما تكون عن التنزيل الإلهى . وعلى أؤلك المحرّفون فهم أن الإسلام قد أنزله المولى عز وجل بعد أن حاد اليهود والنصارى عن رسالة التوحيد بالله، ولا يحق لهم إقتلاعه بحجة حماية كل ما قاموا به من تحريف وتزوير وحماية لكيانهم !
وفى القضية الثانية : تم فيها إستبعاد الإسلام من مكان الرسالات التوحيدية والزج به بين الديانات الأسيوية ، بهدف إستبعاد المسلمين وخاصة الفلسطينيين من أرضهم لتقديم ارض بلا شعب لشعب بلا أرض – كما يقولون .. فكل ما أثبتته الأبحاث العلمية والحفائر التى قام بها الصهاينة فى سيناء وفى أرض فلسطين أكدت أن اليهود لا أثر لهم أو لوجودهم بهذه الأرض ، وتكفى الإشارة إلى أبحاث كتبها عدد من أمناء الأساتذة اليهود مثل كتاب "كشف النقاب عن الكتاب المقدس" لكل من إسرائيل فنكلشتاين (I. Finkelstein) و نيل سيلبرمان (N. Silberman) وكلاهما بالجامعة العبرية ، أو كتاب "كيف تم إختراع الشعب اليهودى" للعالم شلومو ساند (Sh. Sand)، وكثير غيرها ، لندرك أن القضية الفلسطينية قضية سياسية بحتة وليست دينية ، فاليهود ، حتى بأقوال الكتاب المقدس بعهديه ، لا حق لهم فى أرض فلسطين التى اقترفوا فيها كافة أنواع العدوان والمجازر المحرّمة دوليا لإقتلاع شعبها .. لأن وعد هبة الأرض فى النصوص كان مشروطا بالإستقامة ، واليهود ، بأقوال الكتاب المقدس لم يستقيمو وحادوا عن التوحيد بالرجوع الى عبادة العجل وإلى قتل الأنبياء .. وهو ما ينص عليه أيضا القرآن الكريم .
كما يجب إلغاء ذلك الخطاب المعنون "تعالوا إلى كلمة سواء" ، وسحبه من التعامل مع المؤسسة الكنسية بأسرع وقت ، فنحن كمسلمين لا نعبد السيد المسيح ، الذى تم تأليهه فى مجمع نيقية سنة 325 م ، ولا نعبد الثالوث الذى تم إختلاقه سنة 381 فى مجمع القسطنطينية ، وإنما نحن نعبد الله ، الذى ليس كمثله شئ ..
وفى نهاية هذا البحث أتوجه بسؤال يتعلق بعملية التنصير ، تنصير العالم ، وباقتلاع شعب فلسطين ، أتوجه به إلى البابا بنديكت 16 ، الذى يقود عملية تنصير العالم بهيستيرية جنونية وبتعصب أكمه :
ما هو مصير اليهود فى عملية تنصير العالم ؟ .. بل ما هو مصير هؤلاء الصهاينة الذين منحتهم أرضا ليست من حقهم يقينا ، بينما يعانى الشعب الفلسطينى من عملية قتل عرقى مكبلة الأصداء ، على مرأى ومسمع من العالم أجمع : هل ستقومون بتنصير اليهود أيضا أم أنهم ، لسبب ما فى بطن يعقوب ، معافون من الخلاص المسيحى ؟!
كما أرجو من الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين ومن كافة الهيئات الإسلامية أن تتضامن وتتكاتف لمطالبة البابا بنديكت السادس عشر ، رئيس الفاتيكان ورئيس الكرسى الرسولى ، بتقديم الإعتذار العلنى الصريح والواضح لكافة المسلمين عن كل ما يلى :
* الإعتذار عن خطأه فى سب الإسلام وسب سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، عمدا متعمدا ، فى الخطاب الذى القاه فى جامعة راتيسبون ، فقد تعمد ذلك بإختيار إستشهاد مغرض ، والإستشهاد لا يقفذ فى النص الذى يكتبه المؤلف وإنما المؤلف هو الذى يختار الإستشهاد لتدعيم رأيه أو لتفنيد الإستشهاد ..
* الإعتذار عن كل ما قامت به المؤسسة الكنسية ضد المسلمين ، على مر التاريخ ، منذ إنتشار الإسلام وحتى يومنا هذا ، مثلما إعتذرت لليهود رسميا عن كل ما كالته لهم من إضطهاد على مر التاريخ ..
* الإعتذار عن عملية تنصير العالم التى يقودها بإصرار لإقتلاع الإسلام ، والعمل على وقفها ، فكل ما تسببت فيه من أضرار لكافة الشعوب ، بما فيها أتباع المسيحية الذين فُرض عليهم وعلى كنائسهم المحلية المساهمة فيها ، يتطلب وقف مخازى القمع والإجبار لفرض التنصير ، حتى وإن كان بزعم المساعدة أو تحت ستارها المتهتك !..
* الإعتذار عن الجزء المتعلق بالمسلمين فى وثيقة "فى زماننا هذا" التى ساهم فى صياغتها ، فى مجمع الفاتيكان الثانى ، وكان يحمل لقب وإسم الكاردينال راتزنجر ، رئيس لجنة محاكم التفتيش ، التى تغير اسمها لتصبح لجنة عقيدة الإيمان ، وتصويب كل ما جاء بها من فريات ومغالطات تاريخية ودينية فى حق الإسلام والمسلمين ..
* الإعتذار للفلسطينيين عن التسبب فى إقتلاعهم من أرضهم بتحريف الحقائق التاريخية والنصوص ، وعن كل ما تكبدوه من عدوان وتطهير عرقى ونهب لحقوقهم ولثرواتهم ، بل ومحاصرة لا تزال تعتصر كيانهم وبنياتهم ، والعمل على إعادتها لهم كاملة وعلى عودة اللاجئين الفلسطينيين ، فاليهود يقيناً لا حق لهم فى هذه الأرض التى تم إنتزاعها لأغراض سياسية.
وما لم يتم الإعتذار رسميا عن كل ما تقدم فيجب على المسلمين وقف التعامل مع هذه المؤسسة الصليبية الرعناء إلى أن تستقيم وتعى معنى الحق ، والعدل ، والحرية ، والسلام ، و إلى أن تدرك أن كل هذه القيم من حق كافة البشر لكى يعيشوا فى أمن ووفاق ..
أ. د. زينب عبد العزيز
عضو مجلس الأمناء بالإتحاد
الإسلام والآخر
تمهيد :
لم يعد محور "الإسلام والآخر" بحاجة إلى مزيد من التناول ، فما تمت كتابته فى هذا المجال أكثر من كافٍ لتوضيح موقف الإسلام من غير المسلمين ، وسماحة الإسلام باتت من المسلمات التى تتعدى النقاش والجدل بدليل الواقع المعاش .. فلو إعتبرنا الآخر ، هنا ، هو كافة الديانات والعقائد الأخرى ، لرأينا إن اكبرها عددا هم أتباع المسيحية بكل ما تتضمنه من فرق منشقة وصل عدد كنائسها المستقلة الى 349 كنيسة تقريبا. بل وتكفى الإشارة الى تزايد وجود أتباع المسيحية على الصعيد العالمى لندرك مدى سماحة الإسلام ، الذى أنزله المولى عز وجل فى مطلع القرن السابع الميلادى ، مصوباً ومكملا ، بعد أن تم تحريف الرسالتين السابقتين لعقيدة التوحيد وهما اليهودية والمسيحية.
فالثابت بالأبحاث العلمية والتاريخية واللغوية وبنص القرآن الكريم ، ان اليهود قد حرّفوا رسالة التوحيد بالله التى انزلها سبحانه وتعالى على النبى موسى ، عليه السلام ، وعادوا لعبادة العجل وقتل الأنبياء .. فأرسل رب العالمين النبى عيسى بن مريم ، عليه السلام ، الى الضالين من بنى جلدته من اليهود ليعود بهم الى رسالة التوحيد بالله ، وهو القائل : "لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 15 : 24) . وكان قبل ذلك قد قال نفس التوضيح إلى حوارييه الإثنى عشر حين أوصاهم قائلا : "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل إذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 10 : 5-6) . وهذه الجملة الأخيرة ، بخلاف أنها تحدد رسالة يسوع وحوارييه بأنها تقتصر على عودة الضالين من اليهود الى التوحيد والسراط المستقيم، فهى تكشف أيضا أن عيسى عليه السلام قد حذّرهم من الذهاب الى الأمم والمدن الأخرى ، أى أن رسالته قاصرة على الضالين من قومه. وهو ما يتعارض مع ما تقوم به حاليا المؤسسة الكنسية على الصعيد العالمى من عمليات تبشير وتنصير ، بإصرار غريب ، إذ لم تترك مجالا إلا و توغلت فيه لإستخدامه فى عملياتها التنصيرية ..
وحينما حاد أتباع عيسى عليه السلام عن رسالة التوحيد من بعده ، و أشركوا بالله عز وجل ، وقاموا بتأليه عيسى النبى وجعلوه إبن الله ثم الله نفسه وبات اسمه "الرب يسوع المسيح" وساووه بل ودمجوه برب العزة ، و اختلقوا المسيحية الحالية و بدعة الثالوث، أتى سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، مصوبا وخاتما لرسالة التوحيد ، و كاشفا لما تم فى الرسالتين السابقتين من تحريف وشرك بالله . وهو الثابت فى نصوص اليهودية والمسيحية الى اليوم ، رغم كل ما تم بها من تحريف وتغيير وتبديل ، وهو الثابت فى قرآننا الكريم الذى لم يتغيّر منه حرفا واحدا ، فقد وعد ربنا سبحانه وتعالى بحفظه الى يوم الدين .
تصويب صياغة المحور :
ونظرا لكل ما تعانيه الشعوب الإسلامية من إضطهاد متفاوت الحدة والوضوح ، منذ أن بدأ الإسلام ينتشر وحتى يومنا هذا ، وتم وصمه بالإرهاب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، ونظرا لكل ما تم تقديمه من تنازلات للمؤسسة الكنسية ، خاصة فى السنوات الأخيرة ، فى مختلف الأقطار المسلمة ، سواء جهلا أو عن عمد ، أو حتى خضوعا للضغوط السياسة التى باتت تمارس بجبروت وفى العلن فى كثير من الأحيان، فقد رأيت ضرورة تصويب صياغة المحور ليتمشى مع الواقع المُعاش ، مع كل تقديرى لمن صاغوه، ليصبح العنوان الذى سأتناوله هو: "الآخر والإسلام".. وليس "الإسلام والآخر" ، فالإسلام والمسلمون هم المعتدى عليهم بكل إصرار وصلف ، إعتمادا على تلال من الأكاذيب والتلاعب بالعبارات لصياغة قرارات ظالمة مجحفة .. والإسلام هو المطلوب إقتلاعه أو على الأقل تحريفه وتقليصة إلى مجرد المظاهر العبادية فحسب ، وكلها قرارات معلنة بوضوح لا مواربة فيها ، بل لقد تمت مناشدة العديد من المنظمات الدولية والعالمية لتبنى تنفيذ هذه القرارات بالتدخل السافر فى الشئون الداخلية للبلدان الإسلامية !
حقيقة عبارة "الآخر والاسلام" :
لا يسع المجال ، فى مثل هذا الحيّز المحدود ، بتناول قصة معاداة المؤسسة الكنسية للإسلام منذ بدأ إنتشاره حتى يومنا هذا ، وكيف كانوا يعتبرونه مجرد هرطقة من الهرطقات التى إعترت طريق تحريف المسيحية وتأليه السيد المسيح . وهو ما تناوله يوحنا الدمشقى ، فى القرن الثامن الميلادى ، فى كتابه المعنون "نبع المعرفة" حيث ضمنه قصة مائة وواحد هرطقة ، يمثل الإسلام فيه آخر الهرطقات آنذاك حيث انه يحمل عنوان الهرطقة رقم مائة وواحد !.. كما لا يسع المجال لسرد كم التحالفات التى تمت بين شعوب ومؤسسات مسيحية ، تتناحر فيما بينها ، لكنها تتآلف وتتكاتف لتتمكن من صد إنتشار الإسلام خاصة فى أوروبا ، ومنها الحروب الصليبية وحرب الإسترداد فى إسبانيا و معركة ليبانت فى اليونان سنة 1571 حينما تحالفت الأساطيل البحرية لعدة بلدان مسيحية لصد المد الإسلامى ، وغيرها كثير ..
لكننى سأتوقف عند المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى (1962-1965) ويختصرونه : "مجمع فاتيكان 2 " أو "المجمع الفاتيكانى الثانى". وذلك لأنه يمثل نقطة فارقة فى التاريخ الكنسى برمته ، ويُعد أول مجمع هجومى فى التاريخ حتى على أتباع المسيحية ، إذ أنه خرج خروجا سافرا عن نصوص الكتاب المقدس بغية تنفيذ مآرب سياسية بعينها .. أما كافة المجامع السابقة فكانت بمثابة مجامع تلفيقية ، بمعنى أنها كانت تجتمع لصد ما يعترى طريقها من معارك وإعتراضات داخلية فيما بينها .. أما هذا المجمع الفاتيكانى الثانى فإنه الركيزة الأساسية التى تعتمد عليها كافة المحاولات الحديثة التى إنبثقت لمحاربة الإسلام والمسلمين بشتى الوسائل منذ سنة 1965 . فلأول مرة فى التاريخ تُصدر المؤسسة الكنسية قرارا صريحا واضحا ومعلنا بأنها قررت تنصير العالم ، وبالتالى إقتلاع الإسلام والمسلمين ، موضحة أن هذا القرار مجمعى أى عالمى ولا رجعة فيه ..
مجمع الفاتيكان الثانى :
لقد أصدر هذا المجمع ستة عشرة وثيقة مختلفة الطول والمضمون ، يمكن تلخيص قراراتها الأساسية إجمالا بما يلى :
1- تبرأة اليهود من دم المسيح ، رغم مخالفة ذلك للعقيدة وللنصوص الإنجيلية الشديدة الوضوح.
2 - إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينيات (من القرن الماضى). حتى لا تبقى أية أنظمة بديلة للرأسمالية الإستعمارية. وقد تم ذلك بالتواطؤ بين الفاتيكان والمخابرات المركزية الأمريكية وجورباتشوف كعميل من الداخل .. وما أكثر ما كتب عن تفاصيل اختلاق حزب " تضامن" فى بولندا ، واختلاق "العام المريمى" لتأجيج مناخ دينى مفتعل ، أو كل ما تم صرفه من مبالغ اُهدرت لتنفيذ هذه المخططات ..
3- إقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.
4 - توصيل الإنجيل لكافة البشر.. وهى الصيغة المضغمة التى تم إعلانها آنذاك ، ثم قام البابا السابق يوحنا بولس الثانى سنة 1982 بتوضيحها فى خطاب رسمى معلِنا ضرورة تنصير العالم ، مشيرا إلى أن ذلك قرار لا رجعة فيه ..(لأنه قرار مجمع مسكونى) !
5 - توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما ، وإنشاء لجنة خاصة بذلك ، رغم الخلافات العقائدية الجذرية بينها. وعندما لم يتم ذلك القرار، راح يوحنا بولس الثانى يحثهم قائلا : " إن هذه هى الوسيلة الوحيدة للتصدى للمد الإسلامى " (وارد فى كتاب : الجغرافيا السياسية للفاتيكان )
6 - فرض عملية التبشير على كافة المسيحيين ، الكنسيين منهم و المدنيين ، وهى أول مرة فى التاريخ تقوم فيها الكنيسة بإصدار قرارات مكتوبة ومعلنة متعلقة بالمدنيين الذين لا يندرجون فى الهيكل الكنسى.
7 - استخدام الكنائس المحلية فى عمليات التبشير ، الأمر الذى يضع الأقليات المسيحية فى موقف عدم الأمانة أو الخيانة للبلد الذى يعيشون فيه أى للأغلبية المسلمة ..
8 - فرض بدعة " الحوار" كوسيلة للتبشير و كسب الوقت حتى يتم التنصير بلا مقاومة ..
9 - إنشاء لجنة للحوار برئاسة الكاردينال آرنزى
10 - إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم برئاسة الكاردينال جوزيف طومكو. وقد قام أعضاء اللجنتين بإصدار وثيقة مشتركة فى 20/6/1991 بعنوان : "حوار و بشارة " تتضمن التوجيهات اللازمة لعملية التنصير الدائرة منذ ذلك الوقت فى تصعيد متواصل ..
11 – ومن أهم ما أقره هذا المجمع وأغربه إعتراف الفاتيكان أن الأناجيل ليست منزّلة من عند الله وان من كتبها هم بشر ، إلا ان الإختلافات التى فيها أو بينها ليست متناقضات وإنما هى "من قبيل التعددية فى التعبير" ، ورغمها يفرضونها على أنها منزّلة !
وثيقة "فى زماننا هذا" :
تعد وثيقة "فى زماننا هذا" من أهم وثائق مجمع الفاتيكان الثانى إذ انها تتضمن موقف الفاتيكان من غير المسيحيين .. وهى الوثيقة التى برأ فيها ذلك المجمع اليهود من دم المسيح ، رغم كل ما فى هذا القرار من مخالفة صريحة لعشرات الجمل التى لا تزال فى الأناجيل والتى تتهم اليهود بقتل المسيح ! أما القرار المتعلق بالمسلمين فهو يتكون من سبعة عشر سطرا يقول نصها :
الديانة الإسلامية :
3 – " إن الكنيسة تنظر أيضا بعين الإعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد ، الحىّ القيوم ، الرحمن القدير ، خالق السماء و الأرض ، الذى تحدث إلى البشر. إنهم يحاولون الخضوع بكل قواهم لقرارات الله ، حتى وإن كانت مخفية ، مثلما خضع إبراهيم لله والذى يتخذه الإيمان الإسلامى طواعية مثلا له. وعلى الرغم من أنهم لا يعترفون بيسوع كإله ، فهم يبجلونه كنبى ؛ ويوقرون أمه مريم العذراء، وأحيانا يتوسلون إليها بتضرع. كما أنهم ينتظرون يوم الحساب، الذى سيجازى فيه الله البشر بعد بعثهم ، وهم يقدرون الأخلاق ، ويقدمون عبادةٍ ما لله ، خاصةً بالصلاة ، والزكاة والصوم.
" وإذا ما كان عبر القرون قد اندلع العديد من الخلافات و العداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع يهيب بهم جميعا نسيان الماضى وأن يجتهدوا بإخلاص فى محاولة للفهم المتبادل، وأن يقوموا معا بحماية ونشر العدل الإجتماعى، والقيم الأخلاقية، والسلام و الحرية ، من أجل كافة البشر " (صفحة 29)
ولو تأملنا النص عن قرب وكل ما به من تلاعب بشئ من التحليل لرأينا ما يلى :
* أن كلمة " إسلام " غير واردة بهذا النص.
* أن الكنيسة "تنظر أيضا بعين الإعتبار" إلى المسلمين ، فلا تشير إليهم على أنهم أتباع الرسالة التوحيدية الثالثة ، التى أنزلها المولى تصويبا لما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين وختاما لرسالة التوحيد ، وإنما تنظر إليهم الكنيسة فحسب بعين الإعتبار !
* أن الإله الذى يعبده المسلمون " قد تحدث إلى البشر" ، أى أنه لم يتحدث تحديدا إلى سيدنا محمد مثلما تحدث الى موسى أو عيسى عليهما السلام !
* الإصرار المتعمّد على إستبعاد نسب المسلمين لسيدنا إسماعيل . الأمر الذى ترتبت عليه أحداث سياسية فادحة فى حق الفلسطينيين ..
* أن "الإيمان الإسلامى" يتخذ سيدنا إبراهيم كنموذج ، يتخذه مجرد مثال ولا ينتسب إليه ! فأهم إنعكاس لذلك التعبير ، غير الأمين ، أنه يستبعد إنتساب الفلسطينيين إلى أرضهم ، بما أنهم كمسلمين لا ينتسبون الى سيدنا إبراهيم ، وان الإسلام لا علاقة له بهذه المنطقة ، بعد ان وضعه هؤلاء المحرّفون ، فى هذه الوثيقة ، ضمن الديانات الأسيوية لإستبعاده تماما عن كل المنطقة التى نزل بها الوحى !!
* الإصرار على إستبعاد الإسلام من النص الإنجيلى رغم كل الإشارات التى لا تزال فى الكتاب المقدس بعهديه ، رغم كل ما أصابه من تعديل وتغيير ، بل وكل ما تم فيه من تحريف متعمّد ..
* ان عملية التزوير التاريخية التى تمت فى هذه الوثيقة و وضع الإسلام بين الديانات الكبرى الأسيوية ، التى تولدت بعيدا عن المسيحية ، عبارة عن مغالطة متعددة الأهداف أهمها ان الإسلام لم يأت كاشفا ومصوبا لما تم من تحريف فى الرسالتين السابقتين ، وخاصة إستبعاد المسلمين الفلسطينيين من هذه المنطقة أساسا ، وبالتالى لا يكون لهم اى حق في أرضهم المنتزعة قهرا لتستمر عملية الإحتلال الصهيونى بلا حرج أو بلا سند تاريخى لصالح الفلسطينيين !!
* التأكيد على ضرورة نسيان الماضى وكل ما إقترفته الكنيسة فى حق المسلمين من مجازر وإضطهاد لا يزال مستمرا ، بدليل الإصرار على تنصير العالم .. ولم تقم الكنيسة بالإعتذار للمسلمين مثلما اعتذرت لليهود عن كل ما تجرعوه من إضطهاد عبر القرون ، وإنما تطالبنا بالنسيان .. وهو نفس الموقف الذى تبناه البابا بنديكت 16 حينما تعمد سب الإسلام والمسلمين فى المحاضرة التى القاها فى جامعة راتسبون سنة 2006 ، ولم يعتذر ، وإنما تأسّف لرد فعل المسلمين وغضبهم ..
مجلس الكنائس العالمى :
عندما فشل الغرب المتعصب فى تنصير العالم عشية الألف الثالثة ، قام مجلس الكنائس العالمى ، فى يناير 2001 ، بإسناد مهمة إقتلاع الإسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، مع تسمية ذلك العقد (2001 – 2010) "عقد إقتلاع الشر" . وما هى إلا بضعة أشهر حتى اختلقت الإدارة الأمريكية مسرحية "الحادى عشر من سبتمبر" لتتلفع بشرعية دولية لتنفيذ مشاريعها الإستعمارية التنصيرية وأهمها ما تطلق عليه الشرق الأوسط الجديد أو الكبير..
ومجلس الكنائس العالمى منظمة تضم 349 كنيسة مختلفة ، منتشرة فى 120 بلد و تمثل كافة الإتجاهات المسيحية باختلافاتها العقائدية. إلا أن الكنيسة الكاثوليكية الفاتيكانية ليست عضوا بالمجلس (لأغراض تنظيمية سياسية ..) ، إذ أنها تتعاون معه بفاعلية مكثفة بحكم انها غير مشتركة فيه ..
وقد قام مجلس الكنائس العالمى ، الذى يعمل بجهود مشتركة مع لجنة تنصير العالم ولجان أخرى بالفاتيكان ، بعقد أكبر مؤتمر عالمى للتبشير، من 9 إلى 16 مايو 2005 باليونان ، لتوحيد عمليات تنصير العالم بين مختلف الكنائس ، و خاصة الكنيسة الإنجيلية و العَنْصَرية و الكاثوليكية الرومية. وعلى الرغم من توجيه عمليات التبشير فى ثلاثة مجالات أساسية : بلدان الكتلة الشرقية السابقة ، والدول المسيحية التى تفشى فيها الإلحاد ، والدول الإسلامية وباقى الديانات الأخرى ، فإن التركيز على تغيير القرآن و زعزعة الإسلام يحتل الصدارة فى جدول الأعمال. و تتوالى مؤتمرات التبشير المحلية و العالمية بإصرار ودأب ، مثلما تتوالى المغالطات والأكاذيب و التعامل بوجهين مع المسئولين المسلمين ..
ومن أهم القرارات التى أسفر عنها ذلك المؤتمر الذى يتوسط "عقد إقتلاع الشر"، البنود التالية :
تفادى أية صراعات أو منافسة بين الكنائس المختلفة أثناء عمليات التبشير ؛ الإصرار على أن " رسالة الله" التى تفرضها الكنائس موجهة لكافة البشر ؛ أنه يقع على الكنيسة توجيه الناس إلى التوبة ليدخلوا حياة جديدة بيسوع المسيح ؛ إن الكنيسة بأسرها مطالبة بتوصيل الإنجيل للعالم أجمع ؛ أنه لابد من غرس كنائس المسيح فى الثقافات المحلية لتسهيل تنمية الإيمان المسيحى ؛ دراسة كيفية التغلب على الوجود المتزايد للديانات الأخرى و خاصة الإسلام ، فى كل من أوروبا وأمريكا الشمالية ، لأنه يمثل تحديا حقيقيا لنشاطات المبشرين..
أهم المؤتمرات التبشيرية السابقة :
من أهم ما تمخضت عنه التيارات المتتالية الناجمة عن أزمة الأصولية والحداثة ، التى اعترت المؤسسة الكنسية فى مطلع القرن العشرين و التى كادت تطيح بالكيان الكنسى برمته ، إثارة قضيتين بصورة قاطعة : الإطاحة بمصداقية النصوص الإنجيلية ومحتواها العلمى أو المعرفى ؛ وإثبات صياغاتها المختلفة عبر الزمان أى أنها ليست منزّلة على الإطلاق .. وهو ما يعنى تفنيدها شكلا وموضوعا ! لذلك انطلق ذلك الكيان الكنسى بكل جبروت ليفرض المسيحية على العالم والإصرار على تنصيره ، على أن ذلك هو المخرج الوحيد له بعد أن تهدمت مصداقية نصوصه خاصة بعد معركة الأصولية والحداثة ..
ومن أهم مؤتمرات التنصير التى انعقدت على الصعيد العالمى : مؤتمر : "لوزان 1 " بسويسرا سنة 1974 ، لتدارس كيفية تنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثانى ، وجميعها تشير الى ضرورة تنصير العالم .. مؤتمر "كولورادو" بالولايات المتحدة سنة 1978 ، لتدارس كيفية تطبيق ما تمخض عنه المؤتمر السابق فى مدينة لوزان .. ثم "لوزان 2 " فى مدينة مانيللا بالفيليبين سنة 1989 بمشاركة 3000 قيادى تبشيرى تجمعوا من 170 بلد من جميع انحاء العالم .. وتتوالى المؤتمرات حتى العام القادم ، سنة 2012 ، بإقامة سينودس للتنصير الجديد و تنصير العالم ..
البابا بنديكت السادس عشر :
ومن ناحية أخرى فإن البابا بنديكت 16، الذى كان قد أعلن رسميا تأييده وإنضمامه للنظام العالمى الجديد ، لا يكف عن المحاولات المستميتة من أجل تنصير العالم بشتى الوسائل حتى السياسية منها. فحينما كان فى زيارته للولايات المتحدة ، من 15 إلى 20 إبريل 2008 ، ألقى أحد عشر خطابا تصرّ على الإشارة إلى الإرهاب الإسلامى ، وأخص بالذكر ثلاثة منها : البيان المشترك الذى القاه مع جورج بوش يوم 16 إبريل ، وخطابه يوم 17 أمام ممثلى الأديان المختلفة ، ثم الخطاب الذى ألقاه يوم 18 فى هيئة الأمم المتحدة ، حيث طالب هذه الهيئة الدولية ، غير المحايدة ، بالتدخل من أجل حماية الأقليات المسيحية فى العالم موضحا : "إذا كانت الدول غير قادرة على ضمان مثل هذه الحماية فإن المجتمع الدولى يجب عليه أن يتدخل بالوسائل القانونية الواردة فى ميثاق هيئة الأمم المتحدة وفى نصوص أخرى من القانون الدولى" ! مكررا هذه العبارة اكثر من مرة .
ولم تتوقف محاولاته عند ذلك الحد وإنما أعلن ، يوم الإثنين 28 يونيو 2010 ، عن إنشاء لجنة بابوية جديدة لتنصير البلدان ذات الجذور المسيحية بعنوان "المجلس البابوى للتبشير الجديد " ، بعد أن كان قد أعلن أن اسمها "المجلس البابوى لتبشير أوروبا" ، لكنه غيّر الإسم تفاديا للإنتقادات ، موضحا ان ذلك المجلس يهدف الى : "نشر التبشير الجديد فى البلدان التى تم تنصيرها سابقا ، وبها كنائس قديمة ، لكنها تباعدت وتعيش علمنة متزايدة بحيث ان إختفاء معنى وجود الله بات يمثل تحديا لا بد من مواجهته بشتى الوسائل لإعادة نشر الحقيقة الخالدة لإنجيل المسيح" .. وفى يومى 24 و 25 مارس 2011 إبتدع وسيلة للدمج بين الحوار والتبشير "دون أن يبدو على أنه عملية تبشير" ، على حد قوله ، وذلك بعمل منتدى للحوار بين المؤمنين وغير المؤمنين فى فناء كاتدرائية نوتر دام فى باريس ، وهى الإحتفالية التى شارك فيها كل من اليونسكو والمعهد العلمى القومى الفرنسى وجامعة السوربون ، ومنها جلسات بدعوات خاصة لكبار المسئولين وطلبة الدكتوراة. وهو ما يكشف عن مدى نفوذ بابا الفاتيكان و مؤسساته فى المجتمعات الغربية وخاصة فرنسا ، مدعية العلمانية ، لكنها تتضامن معه بأهم مؤسساتها فى محاولة إقتلاع الإسلام ..
وبنديكت 16 هو القائل بأنه يتعين على المسلمين القيام بما قامت به المؤسسة الفاتيكانية من تعديل وتبديل فى النصوص ، بناء على ما فرضه عليها عصر التنوير ، وأنه يتعين علي المسلمين حذف كل ما يحمله القرآن من إتهامات إلهية لمن حادوا عن رسالة التوحيد وعمل تفسير جديد للقرآن يتمشى مع مطالب الغرب ومؤسسته الصليبية ! والكاردينال توران ، رئيس لجنة الحوار ، هو القائل بأنه لا يمكن التحاور مع المسلمين طالما يصرون على أن القرآن كلام الله ؟!.
وقد أعلن بنديكت عن إقامة الصلاة الجماعية بين أتباع كافة الديانات والعقائد فى بلدة آسيز، فى إيطاليا ، فى أكتوبر 2011 ، اى بعد ثلاثة أشهر ، إحياء لذكرى مرور عشرون عاما على هذه البدعة المقصود منها التعوّد على كسر الحواجز بين الديانات والعقائد المختلفة تسهيلا لعملية التنصير ، كما أعلن عن إقامة سينودس خاص بالتنصير الجديد فى اكتوبر 2012 ، وقد بدأت لجان الأساقفة الإعداد له.
تنازلات المسلمين :
يؤلمنى بل ويخجلنى أن أقوم بالإشارة إلى عدة نماذج مما قدمه بعض المسلمين من تنازلات فى حق دينهم ، رضوخا أو مرضاة للمؤسسة الكنسية ، جهلا أو عن عمد ، إلا ان ما وصلت إليه الأوضاع حاليا بحاجة إلى وقفة صارمة دفاعا عن الدين ..
فالأزهر، الذى يمثل فى مصر وفى العالم الإسلامى ، أكبر و أعرق رمز للإسلام ، فرّط فى حق الإسلام وفى حق نبيه عليه الصلاة والسلام ، بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والسقوط ؛ وقبوله "تعديل" المناهج الدينية وتغيير الآيات فى المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها ؛ وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى ؛ و"تعديل" الخطاب الدينى والمساس بثوابته ؛ وإغلاق المساجد بين الصلوات ؛ وتضييق نطاق بناء المساجد ؛ و تحويل ما لم تُقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى ، بل وهدم ما تم بنائه قبل إستخراج تصاريح البناء ؛ - وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل : هل يمكن لنفس هؤلاء المسؤلين والوزراء القيام بمثل هذا التصرف حيال الكنائس التى فاق عددها نسبة أتباعها مقارنة بقلة عدد المساجد بالنسبة للمسلمين ؟! فما اكثر ما تم بناؤه من كنائس بلا تراخيص ، بل ما أكثر الأراضى التى اُخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد ، وما أكثر الكنائس التى تضخّم حجمها فى مكانها الى درجة الإنبعاج الفظ معماريا أو تلك المنازل التى تحوّلت الى كنائس بوضع قباب تعلوها الصلبان على اسطحها !..
ولقد خرج العاملون بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون فى مسألة الحجاب فى فرنسا ؛ وبتسليم وفاء قسطنطين بدلا من حمايتها ؛ كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم فى مهزلة مسرحية كنيسة الإسكندرية بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان ؛ والصمت أيضا حينما أهانت السلطات القمعية الأمريكية المصحف الشريف فى جوانتنامو وغيرها ؛ وخاصة ذلك الصمت الغريب حينما تم إعلان عيد ميلاد "ربنا يسوع" عطلة رسمية فى الدولة ، الدولة ذات الأغلبية المسلمة ، وكان من الأكرم لهم أن يوضحوا ما بهذا الإجراء من مساس بعقيدة المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة فى مصر وكيف أن مثل هذه الإجراءات تخرج عن حدود التسامح لتسهم او لتمهد الطريق لعمليات التنصير الدائرة !
والأدهى من هذا وذاك ، وغيره جد كثير بكل أسف ، هو التوقيع ، فى 18 إبريل 2005 ، على إتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المبشرون بالتبشير فى مصر دون أن يتعرض لهم أى عائق ..
كما أشير خاصة إلى تلك الوثيقة التى بدأ بالتوقيع عليها ، جهلا أو عن عمد ، 138 من كبار العلماء والفقهاء المسلمين فى اكتوبر 2007 ، ثم تزايد عدد الموقعين ، وهى بعنوان "تعالوا الى كلمة سواء" ، التى يقر فيها الموقعون أننا ، مسلمون ومسيحيون ، نعبد نفس الإله !! وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل كل من قاموا بالتوقيع علي ذلك الخطاب المهين : هل نسيتم أن صفة الإله فى الإسلام ليست الوحدانية فقط وإنما هو "أحدٌ صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد " ؟!. بينما الإله عند النصارى هو : " ربنا يسوع المسيح، إبن الله ، الذى تجسد بشرا ليخلص الإنسانية ، وصُلب ودُفن ونزل الجحيم وبُعث وصعد إلى السماء ليجلس عن يمين الآب ، الذى هو نفسه ، بما أن الآب والإبن والروح القدس إله واحد " ؟!
وفى نفس هذه السلسلة الممجوجة من التنازلات ، صدرت الأوامر الخاصة بتجفيف الإسلام من المنبع ، إلى كل البلدان الإسلامية .. كما صدرت إلى مجمع الملك فهد بتقليل طباعة المصاحف سنويا ، وبذلك سيأتى اليوم الذى لا نجد فى متناول اليد سوى "الفرقان الحق" – تلك البدعة المهينة التى ابتدعتها الأيادى العابثة فى الإدارة الأمريكية وتقوم بتوزيعها على بلدان العالم الإسلامى والعربى على أنه القرآن المنقح !.. ولا أقول شيئا عن الفضائيات والبرامج التى تسب الإسلام ونبيه الكريم ولا نرد أو نشرح الحقائق بل ولا يُسمح بذلك إلا على إستحياء أو على مضض ذرا للرماد فى الأعين !..
فكيف بعد كل هذه التنازلات نتحاور مع هؤلاء القوم ونستجيب لمطالبهم بدلا من وقف مهزلة التنازلات ، وبدلا من المطالبة بوقف هستيريا تنصير العالم ، وبدلا من تجميد العلاقات مع ذلك الغرب الصليبى المتعصب إلى أن يتم تصويب وتغيير كل هذه المهازل ؟! وتكفى الإشارة هنا إلى فساد ذلك الحوار ، وإلى أن لجنة الحوار الفاتيكانية قد فرضت فى أول جلسة لها مع لجنة الأزهر وأخذت توقيعها على أنه "لا نقاش فى العقيدة" ، فما جدوى الحوار إذن والخلاف بيننا فى العقيدة ؟!.
الخاتمة :
إن موقف الآخر من الإسلام والمسلمين ، و الهجمة الشرسة علي الإسلام باتت من الوضوح والصراحة المعلنة بحيث ان الرد عليها لا بد وان يكون حاسما قاطعا لا تهاون فيه . ولقد استعرضتُ فى عجالة أهم المحاور التى تثبت ان عملية تنصير العالم وإقتلاع الإسلام هى قرار لا رجعة فيه بالنسبة للمؤسسة الكنسية ، وأن كل الوثائق لديهم تُصاغ بهدف تنفيذ ما قرروه سنة 1965 لتنصير العالم .. لذلك أناشد الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين ، وكافة المؤسسات والهيئات الإسلامية ، ان تتكاتف للدفاع عن الإسلام وإتخاذ التدابير اللازمة لرفض ذلك القرار الخاص باقتلاع الإسلام والمسلمين الصادر عن مجمع الفاتيكان الثانى فى وثيقة "فى زماننا هذا"، تلك الوثيقة التى بُنيت عليها أهم قضيتين منفصلتين متكاملتين : تنصير العالم ، من جهة ؛ وإقتلاع الجذور التاريخية الدينية لشعب فلسطين ، من جهة أخرى ..
ففى القضية الأولى : لا بد من التصدى بكافة الوسائل لعملية تنصير العالم وإقتلاع الإسلام ، التى تقوم بها المؤسسة الفاتيكانية لفرض ديانة تم نسجها عبر المجامع على مر القرون ، أى أنها أبعد ما تكون عن التنزيل الإلهى . وعلى أؤلك المحرّفون فهم أن الإسلام قد أنزله المولى عز وجل بعد أن حاد اليهود والنصارى عن رسالة التوحيد بالله، ولا يحق لهم إقتلاعه بحجة حماية كل ما قاموا به من تحريف وتزوير وحماية لكيانهم !
وفى القضية الثانية : تم فيها إستبعاد الإسلام من مكان الرسالات التوحيدية والزج به بين الديانات الأسيوية ، بهدف إستبعاد المسلمين وخاصة الفلسطينيين من أرضهم لتقديم ارض بلا شعب لشعب بلا أرض – كما يقولون .. فكل ما أثبتته الأبحاث العلمية والحفائر التى قام بها الصهاينة فى سيناء وفى أرض فلسطين أكدت أن اليهود لا أثر لهم أو لوجودهم بهذه الأرض ، وتكفى الإشارة إلى أبحاث كتبها عدد من أمناء الأساتذة اليهود مثل كتاب "كشف النقاب عن الكتاب المقدس" لكل من إسرائيل فنكلشتاين (I. Finkelstein) و نيل سيلبرمان (N. Silberman) وكلاهما بالجامعة العبرية ، أو كتاب "كيف تم إختراع الشعب اليهودى" للعالم شلومو ساند (Sh. Sand)، وكثير غيرها ، لندرك أن القضية الفلسطينية قضية سياسية بحتة وليست دينية ، فاليهود ، حتى بأقوال الكتاب المقدس بعهديه ، لا حق لهم فى أرض فلسطين التى اقترفوا فيها كافة أنواع العدوان والمجازر المحرّمة دوليا لإقتلاع شعبها .. لأن وعد هبة الأرض فى النصوص كان مشروطا بالإستقامة ، واليهود ، بأقوال الكتاب المقدس لم يستقيمو وحادوا عن التوحيد بالرجوع الى عبادة العجل وإلى قتل الأنبياء .. وهو ما ينص عليه أيضا القرآن الكريم .
كما يجب إلغاء ذلك الخطاب المعنون "تعالوا إلى كلمة سواء" ، وسحبه من التعامل مع المؤسسة الكنسية بأسرع وقت ، فنحن كمسلمين لا نعبد السيد المسيح ، الذى تم تأليهه فى مجمع نيقية سنة 325 م ، ولا نعبد الثالوث الذى تم إختلاقه سنة 381 فى مجمع القسطنطينية ، وإنما نحن نعبد الله ، الذى ليس كمثله شئ ..
وفى نهاية هذا البحث أتوجه بسؤال يتعلق بعملية التنصير ، تنصير العالم ، وباقتلاع شعب فلسطين ، أتوجه به إلى البابا بنديكت 16 ، الذى يقود عملية تنصير العالم بهيستيرية جنونية وبتعصب أكمه :
ما هو مصير اليهود فى عملية تنصير العالم ؟ .. بل ما هو مصير هؤلاء الصهاينة الذين منحتهم أرضا ليست من حقهم يقينا ، بينما يعانى الشعب الفلسطينى من عملية قتل عرقى مكبلة الأصداء ، على مرأى ومسمع من العالم أجمع : هل ستقومون بتنصير اليهود أيضا أم أنهم ، لسبب ما فى بطن يعقوب ، معافون من الخلاص المسيحى ؟!
كما أرجو من الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين ومن كافة الهيئات الإسلامية أن تتضامن وتتكاتف لمطالبة البابا بنديكت السادس عشر ، رئيس الفاتيكان ورئيس الكرسى الرسولى ، بتقديم الإعتذار العلنى الصريح والواضح لكافة المسلمين عن كل ما يلى :
* الإعتذار عن خطأه فى سب الإسلام وسب سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، عمدا متعمدا ، فى الخطاب الذى القاه فى جامعة راتيسبون ، فقد تعمد ذلك بإختيار إستشهاد مغرض ، والإستشهاد لا يقفذ فى النص الذى يكتبه المؤلف وإنما المؤلف هو الذى يختار الإستشهاد لتدعيم رأيه أو لتفنيد الإستشهاد ..
* الإعتذار عن كل ما قامت به المؤسسة الكنسية ضد المسلمين ، على مر التاريخ ، منذ إنتشار الإسلام وحتى يومنا هذا ، مثلما إعتذرت لليهود رسميا عن كل ما كالته لهم من إضطهاد على مر التاريخ ..
* الإعتذار عن عملية تنصير العالم التى يقودها بإصرار لإقتلاع الإسلام ، والعمل على وقفها ، فكل ما تسببت فيه من أضرار لكافة الشعوب ، بما فيها أتباع المسيحية الذين فُرض عليهم وعلى كنائسهم المحلية المساهمة فيها ، يتطلب وقف مخازى القمع والإجبار لفرض التنصير ، حتى وإن كان بزعم المساعدة أو تحت ستارها المتهتك !..
* الإعتذار عن الجزء المتعلق بالمسلمين فى وثيقة "فى زماننا هذا" التى ساهم فى صياغتها ، فى مجمع الفاتيكان الثانى ، وكان يحمل لقب وإسم الكاردينال راتزنجر ، رئيس لجنة محاكم التفتيش ، التى تغير اسمها لتصبح لجنة عقيدة الإيمان ، وتصويب كل ما جاء بها من فريات ومغالطات تاريخية ودينية فى حق الإسلام والمسلمين ..
* الإعتذار للفلسطينيين عن التسبب فى إقتلاعهم من أرضهم بتحريف الحقائق التاريخية والنصوص ، وعن كل ما تكبدوه من عدوان وتطهير عرقى ونهب لحقوقهم ولثرواتهم ، بل ومحاصرة لا تزال تعتصر كيانهم وبنياتهم ، والعمل على إعادتها لهم كاملة وعلى عودة اللاجئين الفلسطينيين ، فاليهود يقيناً لا حق لهم فى هذه الأرض التى تم إنتزاعها لأغراض سياسية.
وما لم يتم الإعتذار رسميا عن كل ما تقدم فيجب على المسلمين وقف التعامل مع هذه المؤسسة الصليبية الرعناء إلى أن تستقيم وتعى معنى الحق ، والعدل ، والحرية ، والسلام ، و إلى أن تدرك أن كل هذه القيم من حق كافة البشر لكى يعيشوا فى أمن ووفاق ..
الخميس، 28 يوليو 2011
انصروا الله يوم الشريعة .. جمعة 29 يوليو
انصروا الله يوم الشريعة .. جمعة 29 يوليو
خرج الناس يطالبون بحقوق مشروعة لا شك في ذلك , فالحرية والكرامة والمطالبة بحق الحياة التي كادت أن تنتزع بكامل صورها , كل هذه حقوق لا نشك في أهميتها وضرورتها لحياة الشعوب , ولكن الآكد منها هو حق الله الذي أحيانا ويميتنا وهو وحده متكفل بالرزق والإعانة , فالإنسان صنعة الله تعالى , ولا يملك تحديد ما يتم به صلاح المصنوع إلا الصانع , ولا يعلم أفضل طريقة لعيش المصنوع وتشغيله إلا صانعه , وقد أنزل الله تعالى شرائعه على رسله دساتير لأهل الأرض , هداية لهم وأمناً وأماناً , دلهم بها على أفضل سبل العيش وأرقاها وأطهرها وأبعدها عن الدنس , فهو وحدة ولا أحد غيره يملك الدستور الصحيح الذي يمكن للبشر الذين خلقهم أن يعيشوا به على الأرض التي لم يخلقها سواه .
فهو خلق البشر , وخلق الكون , وهو حده أعلم بوسيلة تشغيل البشر وبوسائل تكيفهم مع كونه , فكانت الشرائع السماوية هي الدليل المرشد الهادي للبشر على الأرض حتى يحققوا أفضل عيش ويحصلوا على أرقى حياة .
من هنا يتضح لنا أن المطالبة بتطبيق الشريعة هو مطالبة في جوهرها بإصلاح الحياة والمحافظة عليها , المحافظة على الدين والخلق والاقتصاد والتعاون والصلة بين البشر والحب والمودة والقوة والمنعة والعلم والهداية , لن يتحقق كل هذا إلا بالعودة لدليل صاحب الصنعة إلا بالعودة لشرع الرحمن تبارك وتعالى .
من هنا ولاجتماع سائر علماء المسلمين بمصر على تحديد الجمعة 29 يوليو كيوم للمطالبة بالشريعة الإسلامية والمحافظة على هوية مصر الإسلامية .
فإني أدعو جميع طوائف هذا الشعب المحب لله رب العالمين ولكتابه المبين ولرسوله الكريم أن يثبت للعالم أجمع أنه مع الحفاظ على الهوية الإسلامية ويطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية , فهو شعب مسلم حتى النخاع , محب لشرع الله بلا نزاع .
وأذكر نفسي وأحبتي ببعض أدلة وجوب تطبيق شريعة الرحمن :
قال العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية السابق رحمه الله في رسالة تحكيم القوانين :
الله عزّ وجلّ: {فإنْ تنازعتُم في شيءٍ فرُدّوه إلى اللهِ والرسولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً}.
وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم، فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيتَ ويُسَلِّموا تسليمًا}.
ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت}. والحرج: الضيق. بل لا بدّ من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلّون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتمّ تسليم، ولهذا أكّد ذلك بالمصدر المؤكّد، وهو قوله جلّ شأنه: {تسليمًا} المبيّن أنه لا يُكتفى ها هنا بالتسليم.. بل لا بدّ من التسليم المطلق.
وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {فإنْ تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً..} كيف ذكر النّكِرة، وهي قوله: {شيء} في سياق الشرط، وهو قوله جلّ شأنه: {فإنْ تنازعتم} المفيد العمومَ فيما يُتصوّر التنازع فيه جنسا وقدرًا.
ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: {إنْ كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، ثم قال جل شأنه: {ذلك خيرٌ}. فشيء يُطلقِ اللهُ عليه أنه خير، لا يتطرّق إليه شرّ أبدا، بل هو خيرٌ محضٌ عاجلا وآجلاً.
ثم قال: {وأحسن تأويلاً}. أي: عاقبةً في الدنيا والآخرة، فيفيد أنّ الردَّ إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم، عند التنازع شرٌّ محضٌ، وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة عكس ما يقوله المنافقون: {إنْ أَرَدْنا إلآَّ إحْسانًا وتَوْفيقًا}. وقولهم: إنّما نحنُ مُصلِحون. ولهذا ردّ اللهُ عليهم قائلا: {ألاَ إنّهم هُمُ المُفْسِدون ولكن لا يَشْعُرون}.
وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْفٍ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحضُ استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازمٌ لهم.
وتأمّل أيضا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: {فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم}. فإنّ اسم الموصول مع صِلته مع صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العمومُ والشمولُ هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدْر، فلا فرقَ هنا بين نوع ونوع، كما أنّه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى اللهُ الإيمانَ عن مَن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من المنافقين، كما قال تعالى: {أَلمْ تَرَ إلى الذينَ يَزْعُمونَ أنّهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليكَ وما أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ.يَتَحاكَموا إلى الطاغوتِ وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلّهم ضلالا بعيدًا}.
فإنّ قوله عز وجل: "يَزْعُمون" تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبدٍ أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحدّ.
فكلُّ مَن حَكَمَ بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حاكَمَ إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حَكَمَ بالطاغوت وحاكم إليه.
وذلك أنّه مِن حقِّ كل أحدٍ أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقط لا بخلافه، كما أنّ من حقِّ كل أحدٍ أن يُحاكِمَ إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.. فمَن حَكَمَ بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حدّه، حُكْمًا أو تحكيما، فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده.
وتأمل قوله عز وجل: {وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به} تعرف منه معاندة القانونيين، وإرادتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تعبّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه.. {فبدَّل الذينَ ظَلموا قولاَ غيرَ الذي قيلَ لهُم}.
ثم تأمل قوله: {ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلّهُم} كيف دلَّ على أنّ ذلك ضلالٌ، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلّت الآية على أنّه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بُعدهم من الشيطان، وأنّ فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بُعث به سيدُ ولد عدنان معزولا من هذا الوصف، ومُنحىً عن هذا الشأن وقد قال تعالى منكرا على هذا الضرب من الناس، ومقررا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحا أنه لا حُكم أحسن من حُكمه: {أَفَحُكمَ الجاهليةِ يَبْغونَ ومَنْ أحسنُ مِن اللهِ حُكمًا لِقومٍ يُوقِنون}.
فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلّت على أنّ قِسمة الحكم ثنائية، وأنّه ليس بعد حكم الله تعالى إلاّ حُكم الجاهلية، شاءوا أمْ أبوا، بل هم أسوأ منهم حالاً، وأكذب منهم مقالاً، ذلك أنّ أهل الجاهلية لا تناقُضَ لديهم حول هذا الصدد.
وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويناقضون ويريدون أنْ يتّخذوا بين ذلك سبيلاً، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: {أُولئكَ هُمُ الكافرونَ حَقَّا وأَعْتدنا للكافرينَ عذابًا مُهينًا}.
ثم انظر كيف ردّت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حُسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله عزّ وجلّ: {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقوْمٍ يُوقِنون}.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (ينكر اللهُ على من خرج من حكم الله المُحْكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شرّ، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتارُ من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكهم "جنكيز خان" الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكامٍ قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بَنيهِ شرعا مُتّبعا يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجعَ إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكِّم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهليةِ يَبْغون}. أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يوقِنونَ}. أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لِمَن عَقَل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلِم أنّ الله أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء، العادل في كل شيء) انتهى قول الحافظ ابن كثير.
وقد قال عزّ شأنه قبل ذلك مخاطبا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {وأَنِ احْكُمْ بَيْنهُم بما أنزل اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءهُم عَمّا جاءَك مِن الحقّ}.
وقال تعالى: {وأنِ احْكُمْ بَيْنهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُم أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إليك}.
وقال تعالى مُخيرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، بين الحُكم بين اليهود والإعراض عنهم إنْ جاءُوه لذلك: {فَإنْ جاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم أوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإنْ تَعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ}. والقسط هو: العدل، ولا عدل حقا إلاّ حُكم الله ورسوله، والحكم بخلافه هو الجور، والظلم، والضلال، والكفر، والفسوق، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرون} {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظالِمُون} {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقون}. أ هـ من رسالة تحكيم القوانين .
والله أسأل أن يحكم شرعه في الأرض وأن ينصر الإسلام ويعز المسلمين
خرج الناس يطالبون بحقوق مشروعة لا شك في ذلك , فالحرية والكرامة والمطالبة بحق الحياة التي كادت أن تنتزع بكامل صورها , كل هذه حقوق لا نشك في أهميتها وضرورتها لحياة الشعوب , ولكن الآكد منها هو حق الله الذي أحيانا ويميتنا وهو وحده متكفل بالرزق والإعانة , فالإنسان صنعة الله تعالى , ولا يملك تحديد ما يتم به صلاح المصنوع إلا الصانع , ولا يعلم أفضل طريقة لعيش المصنوع وتشغيله إلا صانعه , وقد أنزل الله تعالى شرائعه على رسله دساتير لأهل الأرض , هداية لهم وأمناً وأماناً , دلهم بها على أفضل سبل العيش وأرقاها وأطهرها وأبعدها عن الدنس , فهو وحدة ولا أحد غيره يملك الدستور الصحيح الذي يمكن للبشر الذين خلقهم أن يعيشوا به على الأرض التي لم يخلقها سواه .
فهو خلق البشر , وخلق الكون , وهو حده أعلم بوسيلة تشغيل البشر وبوسائل تكيفهم مع كونه , فكانت الشرائع السماوية هي الدليل المرشد الهادي للبشر على الأرض حتى يحققوا أفضل عيش ويحصلوا على أرقى حياة .
من هنا يتضح لنا أن المطالبة بتطبيق الشريعة هو مطالبة في جوهرها بإصلاح الحياة والمحافظة عليها , المحافظة على الدين والخلق والاقتصاد والتعاون والصلة بين البشر والحب والمودة والقوة والمنعة والعلم والهداية , لن يتحقق كل هذا إلا بالعودة لدليل صاحب الصنعة إلا بالعودة لشرع الرحمن تبارك وتعالى .
من هنا ولاجتماع سائر علماء المسلمين بمصر على تحديد الجمعة 29 يوليو كيوم للمطالبة بالشريعة الإسلامية والمحافظة على هوية مصر الإسلامية .
فإني أدعو جميع طوائف هذا الشعب المحب لله رب العالمين ولكتابه المبين ولرسوله الكريم أن يثبت للعالم أجمع أنه مع الحفاظ على الهوية الإسلامية ويطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية , فهو شعب مسلم حتى النخاع , محب لشرع الله بلا نزاع .
وأذكر نفسي وأحبتي ببعض أدلة وجوب تطبيق شريعة الرحمن :
قال العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية السابق رحمه الله في رسالة تحكيم القوانين :
الله عزّ وجلّ: {فإنْ تنازعتُم في شيءٍ فرُدّوه إلى اللهِ والرسولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً}.
وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم، فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيتَ ويُسَلِّموا تسليمًا}.
ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت}. والحرج: الضيق. بل لا بدّ من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلّون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتمّ تسليم، ولهذا أكّد ذلك بالمصدر المؤكّد، وهو قوله جلّ شأنه: {تسليمًا} المبيّن أنه لا يُكتفى ها هنا بالتسليم.. بل لا بدّ من التسليم المطلق.
وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {فإنْ تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً..} كيف ذكر النّكِرة، وهي قوله: {شيء} في سياق الشرط، وهو قوله جلّ شأنه: {فإنْ تنازعتم} المفيد العمومَ فيما يُتصوّر التنازع فيه جنسا وقدرًا.
ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: {إنْ كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، ثم قال جل شأنه: {ذلك خيرٌ}. فشيء يُطلقِ اللهُ عليه أنه خير، لا يتطرّق إليه شرّ أبدا، بل هو خيرٌ محضٌ عاجلا وآجلاً.
ثم قال: {وأحسن تأويلاً}. أي: عاقبةً في الدنيا والآخرة، فيفيد أنّ الردَّ إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم، عند التنازع شرٌّ محضٌ، وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة عكس ما يقوله المنافقون: {إنْ أَرَدْنا إلآَّ إحْسانًا وتَوْفيقًا}. وقولهم: إنّما نحنُ مُصلِحون. ولهذا ردّ اللهُ عليهم قائلا: {ألاَ إنّهم هُمُ المُفْسِدون ولكن لا يَشْعُرون}.
وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْفٍ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحضُ استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازمٌ لهم.
وتأمّل أيضا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: {فيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم}. فإنّ اسم الموصول مع صِلته مع صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العمومُ والشمولُ هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدْر، فلا فرقَ هنا بين نوع ونوع، كما أنّه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى اللهُ الإيمانَ عن مَن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من المنافقين، كما قال تعالى: {أَلمْ تَرَ إلى الذينَ يَزْعُمونَ أنّهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليكَ وما أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ.يَتَحاكَموا إلى الطاغوتِ وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلّهم ضلالا بعيدًا}.
فإنّ قوله عز وجل: "يَزْعُمون" تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبدٍ أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحدّ.
فكلُّ مَن حَكَمَ بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حاكَمَ إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حَكَمَ بالطاغوت وحاكم إليه.
وذلك أنّه مِن حقِّ كل أحدٍ أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقط لا بخلافه، كما أنّ من حقِّ كل أحدٍ أن يُحاكِمَ إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.. فمَن حَكَمَ بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حدّه، حُكْمًا أو تحكيما، فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده.
وتأمل قوله عز وجل: {وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به} تعرف منه معاندة القانونيين، وإرادتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تعبّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه.. {فبدَّل الذينَ ظَلموا قولاَ غيرَ الذي قيلَ لهُم}.
ثم تأمل قوله: {ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلّهُم} كيف دلَّ على أنّ ذلك ضلالٌ، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلّت الآية على أنّه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بُعدهم من الشيطان، وأنّ فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بُعث به سيدُ ولد عدنان معزولا من هذا الوصف، ومُنحىً عن هذا الشأن وقد قال تعالى منكرا على هذا الضرب من الناس، ومقررا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحا أنه لا حُكم أحسن من حُكمه: {أَفَحُكمَ الجاهليةِ يَبْغونَ ومَنْ أحسنُ مِن اللهِ حُكمًا لِقومٍ يُوقِنون}.
فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلّت على أنّ قِسمة الحكم ثنائية، وأنّه ليس بعد حكم الله تعالى إلاّ حُكم الجاهلية، شاءوا أمْ أبوا، بل هم أسوأ منهم حالاً، وأكذب منهم مقالاً، ذلك أنّ أهل الجاهلية لا تناقُضَ لديهم حول هذا الصدد.
وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويناقضون ويريدون أنْ يتّخذوا بين ذلك سبيلاً، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: {أُولئكَ هُمُ الكافرونَ حَقَّا وأَعْتدنا للكافرينَ عذابًا مُهينًا}.
ثم انظر كيف ردّت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حُسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله عزّ وجلّ: {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقوْمٍ يُوقِنون}.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (ينكر اللهُ على من خرج من حكم الله المُحْكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شرّ، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتارُ من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكهم "جنكيز خان" الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكامٍ قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بَنيهِ شرعا مُتّبعا يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجعَ إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكِّم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهليةِ يَبْغون}. أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يوقِنونَ}. أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لِمَن عَقَل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلِم أنّ الله أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء، العادل في كل شيء) انتهى قول الحافظ ابن كثير.
وقد قال عزّ شأنه قبل ذلك مخاطبا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {وأَنِ احْكُمْ بَيْنهُم بما أنزل اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءهُم عَمّا جاءَك مِن الحقّ}.
وقال تعالى: {وأنِ احْكُمْ بَيْنهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُم أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إليك}.
وقال تعالى مُخيرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، بين الحُكم بين اليهود والإعراض عنهم إنْ جاءُوه لذلك: {فَإنْ جاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم أوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإنْ تَعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ}. والقسط هو: العدل، ولا عدل حقا إلاّ حُكم الله ورسوله، والحكم بخلافه هو الجور، والظلم، والضلال، والكفر، والفسوق، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرون} {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظالِمُون} {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقون}. أ هـ من رسالة تحكيم القوانين .
والله أسأل أن يحكم شرعه في الأرض وأن ينصر الإسلام ويعز المسلمين
الثلاثاء، 26 يوليو 2011
الرجل النادم!
الرجل النادم!
عبد السلام البسيوني | 18-07-2011 01:19
اتصل بي باكيًا منفعلاً نادمًا، يكاد قلبه ينخلع من الحسرة على ما أساء، وما فرط في جنب الله: قد دمعت عيناه، وتهدج صوته، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقال أغثني: قلبي ميت، وذنوبي تعميني، وأحس أنني مشدود للمعصية، لا أستطيع عنها فكاكًا، ولا أجد منها مهربًا، ما أعتقد أنني تركت ذنبًا إلا وأتيته، ولا كبيرة إلا واقترفتها، حتى المعاصي التي لا ترد على بالك، بل إنني أظن أن الله تعالى قد نزع مني الغيرة على أقرب الأقربين مني، على عرضي وأهلي، والأسباب معروفة لي؛ فلم أربَّ على الغيرة، ولا المبالاة بشيء، ولا بأحد.. ويا طالما بكيت، ويا طالما ابتهلت، ويا طالما سالت دموعي بعد أن أرتكس في حمأة المعصية؛ لأن وطأة الارتكاس على نفسي ثقيلة؛ فهل عندك من سبيل؟!
قلت له: يا عم شوية شوية، هون عليك؛ وأجب عن أسئلتي:
- هل دفنت ابنتك يومًا - حية - في التراب؟ قال: لا.
- فهل سجدت لصنم؟ قال: لا.
- فهل قتلت مائة نفس؟ قال: لا!
- فهل خنت بلدك، وضحيت بحقوق ثمانين مليونًا، سيتعلقون جميعًا بعنقك يوم القيامة، مطالبين بحقوقهم، وأموالهم، ودمائهم، وآهاتهم، ومواجعهم، وضياع أمنهم ومستقبل أبنائهم!؟ قال: أعوذ بالله، طبعًا لا!
قلت بثقة شديدة: إذن فأبشر، لقد فعل البلاوي السودة أقوام قبلك، وتابوا إلى الله تبارك وتعالى، فصارت صحائفهم أشد بياضًا من اللبن، وقبل ربك العفو توبهم، وغفر ذنبهم، وطهر أعراضهم، وأخذ بأيديهم إلى الطاعات، حتى صاروا من السابقين السابقين.
قال: يا شيييييييخ: الأمر أكبر مما تتخيل، والارتكاس أشد مما تتوقع!
فسألت: هل ذنبك أكبر من أن تسعه رحمة الله تعالى؟
أو تظن أن هناك ذنوبًا غير قابلة للمغفرة، أو أعظم من أن تدخل تحت طائلة العفو؟
قال: كلا، إلا الشرك، فإن الله لا يغفره.
قلت له: غلط: حتى الشرك يغفره الله ويمحو أثره، إذا تبت إلى الله ووحدته حق توحيده، إنه غير مغفور فقط إذا مات الإنسان عليه، أما إن وفقه الله في حياته، فاستغفر ربه، وخر راكعًا، وأناب، فإن الله يغفر ما كان من الشرك.
أو لم يكن الصحابة - كلهم - قبل الإسلام مشركين، عبدة للحجارة والأنصاب والأزلام؟!
ألم يكونوا يصنعون أربابهم بأيديهم، ينحتونهم من الصخر أو الخشب، وإذا استصعب عليهم الأمر صنعوه من العجوة، فإذا جاع أحدهم أكل ربه - بالهنا والشفا - أو جاءته معزى فلحست رأسه، أو قضمت مؤخرته؟
فهل قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم لا توبة لهم؟ كلا، بل قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فقالوها، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه!
ثم ألا تعتقد أن الله صبور حليم، ورحمن رحيم كريم؟
هل فكرت يومًا أنك عصيته هذه المدة كلها، وهو يسترك ويرزقك ويكرمك؟
ألم تنتهك حرماته، وهو يعطيك ويغنيك ويؤويك؟
أليس هذا الرب جديرًا بالحب، والاستحياء منه، والإنابة إليه؟
قال نعم، ولكن..
قلت: بلاش لكن هذه، أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أنك تملك قلبًا خيرًا يريد الله أن يحييه، وإن نفسك اللوامة حية لم تمت، في حين أنها ماتت في أضلع ملايين من البشر.
أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أن لك عيونًا تفيض فزعًا من الذنب، ولسانًا يهتف ضراعة للرب تبارك وتعالى!
ألا تظن أن بعض المعاصي قد تكون بابًا للجنة؟
إن ذلك كائن يا بني حين يحس بها صاحبها، فيجدها تقرص قلبه، وتخز ضميره، وتنغص عليه هناءاته، يحس بالضآلة و(الهيافة)، ويبدأ باحتقار نفسه، واستعظام ذنبه، فيندم، ويتوب، ويدخل في مصارعة مع شيطانه، فإذا علم الله من قلبه خيرًا أعانه، ويسر له اليسرى، وجعله يدوس إبليس اللعين، (بالجزمة القديمة)!
ابك يا بني، واستشعر الندم، فإن هذه الدمعات هي حجابك من النار، هي الحجاب الحاجز بينك وبين جهنم؛ نجاني الله وإياك منها!
ابك يا بني حتى تغسل بدموعك صحيفتك، وتثبت بها توبتك، وترضي بها ربك، وتقمع بها إبليسك.
ابك يا بني حتى تقيء مراراتك، وتستفرغ إحساسك بالذنب، وتلفظ رجس النفس، وحظ الشيطان من قلبك.
أتعلم يا بني: أنت تحتاج لأن تحب الله تبارك وتعالى، وتثق في رحمانيته، وتقطع بقلبك أن رحمته أرحب، ووده أكثر، وبره أعم، وربوبيته سبحانه سابغة!
أتظن أن الله تعالى لا يرحم إلا المستقيمين الطيبين العابدين المصلين؟!
تبقى غلطان يا بني، تبقى طيب، ومش عارف ربك الكريم سبحانه، إن رحمته أسبق من غضبه، ومعافاته أسرع من عقوبته، وحلمه أوسع من ذنوب العالمين، فلا تبتئس، ولا تظن بربك إلا الخير، فإنه تعالى عند حسن ظن عباده به!
أنا متأكد مما أقول يا بني؛ لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا}، وقال لنا: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}.. فمتخافش يا بني، ولا تبتئس، وتعال إلى الله.. تعال إلى الرحمن الرحيم.
لكن أرجوك: ابدأ من الآن مرحلة مختلفة..
ستكون صعبة.. نعم..
سيضغط عليك إبليس، أكيد..
ستتحرك في نفسك الشهوات، صح..
ستحن للمعاصي، وستذكر لذتها والأنس بها، معاك..
سيتناوشك شياطين الإنس الذين كانوا ينزغون لك فيما سبق.. لا شك.
لكن لكل شيء ثمنًا، فإذا أردت أن تحمي نفسك، وتستر عرضك، وتنام مستريحًا، وتتوجه نحو العافية في الدارين، وتحس أن الله يحبك، فابدأ التغيير منذ هذه اللحظة:
غير تليفوناتك، غير شكل بيتك من الداخل، غير أصدقاءك، غير مواعيد نومك وصحوك، ارم نوتة الهاتف، وامح ذاكرة الموبايل، وابدأ حياةً من طراز عاقل، هادئ متوازن، وخذ معك إلى رحاب رحمة الله زوجتك، وأبناءك، فإنك عنهم مسؤول، ولا تظن أن الله تعالى سيتخلى عنك؛ بل سيعينك - أنا متأكد أنك ستعان - لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}.
عاهدني الآن يا بني على التغيير، فالفرصة الآن كبيرة لا تفوَّت..
قال: طالما كنت أعاهد، وأنقض وأخيس بعهدي..
قلت: (مش مهم)، عاهد، واسأل الله تعالى أن يثبتك، وهو خير مسؤول، عاهد ومالكش دعوة..
قال: أعاهد الله ألا أعود، وأن أبذل جهدي لاجتناب ما كنت أقترف..
قلت له: أسأل الله أن يثبت قلبك، ويشرح صدرك، ويعينك على الطاعة..
فقال: اللهم آمين.
من فضلك قارئي الكريم، بالله عليك: ادع لنفسك ولي وله، فلعل الله أن يستجيب فننجو بدعائك.
_________________
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ..... فلقد علمـتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجـوك إلا محسنٌ ..... فبـمن يلوذ ويستجـير المجرمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا ..... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيـلة إلا الرجا ..... وجميــل ظني ثم إني مسلـم
عبد السلام البسيوني | 18-07-2011 01:19
اتصل بي باكيًا منفعلاً نادمًا، يكاد قلبه ينخلع من الحسرة على ما أساء، وما فرط في جنب الله: قد دمعت عيناه، وتهدج صوته، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقال أغثني: قلبي ميت، وذنوبي تعميني، وأحس أنني مشدود للمعصية، لا أستطيع عنها فكاكًا، ولا أجد منها مهربًا، ما أعتقد أنني تركت ذنبًا إلا وأتيته، ولا كبيرة إلا واقترفتها، حتى المعاصي التي لا ترد على بالك، بل إنني أظن أن الله تعالى قد نزع مني الغيرة على أقرب الأقربين مني، على عرضي وأهلي، والأسباب معروفة لي؛ فلم أربَّ على الغيرة، ولا المبالاة بشيء، ولا بأحد.. ويا طالما بكيت، ويا طالما ابتهلت، ويا طالما سالت دموعي بعد أن أرتكس في حمأة المعصية؛ لأن وطأة الارتكاس على نفسي ثقيلة؛ فهل عندك من سبيل؟!
قلت له: يا عم شوية شوية، هون عليك؛ وأجب عن أسئلتي:
- هل دفنت ابنتك يومًا - حية - في التراب؟ قال: لا.
- فهل سجدت لصنم؟ قال: لا.
- فهل قتلت مائة نفس؟ قال: لا!
- فهل خنت بلدك، وضحيت بحقوق ثمانين مليونًا، سيتعلقون جميعًا بعنقك يوم القيامة، مطالبين بحقوقهم، وأموالهم، ودمائهم، وآهاتهم، ومواجعهم، وضياع أمنهم ومستقبل أبنائهم!؟ قال: أعوذ بالله، طبعًا لا!
قلت بثقة شديدة: إذن فأبشر، لقد فعل البلاوي السودة أقوام قبلك، وتابوا إلى الله تبارك وتعالى، فصارت صحائفهم أشد بياضًا من اللبن، وقبل ربك العفو توبهم، وغفر ذنبهم، وطهر أعراضهم، وأخذ بأيديهم إلى الطاعات، حتى صاروا من السابقين السابقين.
قال: يا شيييييييخ: الأمر أكبر مما تتخيل، والارتكاس أشد مما تتوقع!
فسألت: هل ذنبك أكبر من أن تسعه رحمة الله تعالى؟
أو تظن أن هناك ذنوبًا غير قابلة للمغفرة، أو أعظم من أن تدخل تحت طائلة العفو؟
قال: كلا، إلا الشرك، فإن الله لا يغفره.
قلت له: غلط: حتى الشرك يغفره الله ويمحو أثره، إذا تبت إلى الله ووحدته حق توحيده، إنه غير مغفور فقط إذا مات الإنسان عليه، أما إن وفقه الله في حياته، فاستغفر ربه، وخر راكعًا، وأناب، فإن الله يغفر ما كان من الشرك.
أو لم يكن الصحابة - كلهم - قبل الإسلام مشركين، عبدة للحجارة والأنصاب والأزلام؟!
ألم يكونوا يصنعون أربابهم بأيديهم، ينحتونهم من الصخر أو الخشب، وإذا استصعب عليهم الأمر صنعوه من العجوة، فإذا جاع أحدهم أكل ربه - بالهنا والشفا - أو جاءته معزى فلحست رأسه، أو قضمت مؤخرته؟
فهل قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم لا توبة لهم؟ كلا، بل قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فقالوها، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه!
ثم ألا تعتقد أن الله صبور حليم، ورحمن رحيم كريم؟
هل فكرت يومًا أنك عصيته هذه المدة كلها، وهو يسترك ويرزقك ويكرمك؟
ألم تنتهك حرماته، وهو يعطيك ويغنيك ويؤويك؟
أليس هذا الرب جديرًا بالحب، والاستحياء منه، والإنابة إليه؟
قال نعم، ولكن..
قلت: بلاش لكن هذه، أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أنك تملك قلبًا خيرًا يريد الله أن يحييه، وإن نفسك اللوامة حية لم تمت، في حين أنها ماتت في أضلع ملايين من البشر.
أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أن لك عيونًا تفيض فزعًا من الذنب، ولسانًا يهتف ضراعة للرب تبارك وتعالى!
ألا تظن أن بعض المعاصي قد تكون بابًا للجنة؟
إن ذلك كائن يا بني حين يحس بها صاحبها، فيجدها تقرص قلبه، وتخز ضميره، وتنغص عليه هناءاته، يحس بالضآلة و(الهيافة)، ويبدأ باحتقار نفسه، واستعظام ذنبه، فيندم، ويتوب، ويدخل في مصارعة مع شيطانه، فإذا علم الله من قلبه خيرًا أعانه، ويسر له اليسرى، وجعله يدوس إبليس اللعين، (بالجزمة القديمة)!
ابك يا بني، واستشعر الندم، فإن هذه الدمعات هي حجابك من النار، هي الحجاب الحاجز بينك وبين جهنم؛ نجاني الله وإياك منها!
ابك يا بني حتى تغسل بدموعك صحيفتك، وتثبت بها توبتك، وترضي بها ربك، وتقمع بها إبليسك.
ابك يا بني حتى تقيء مراراتك، وتستفرغ إحساسك بالذنب، وتلفظ رجس النفس، وحظ الشيطان من قلبك.
أتعلم يا بني: أنت تحتاج لأن تحب الله تبارك وتعالى، وتثق في رحمانيته، وتقطع بقلبك أن رحمته أرحب، ووده أكثر، وبره أعم، وربوبيته سبحانه سابغة!
أتظن أن الله تعالى لا يرحم إلا المستقيمين الطيبين العابدين المصلين؟!
تبقى غلطان يا بني، تبقى طيب، ومش عارف ربك الكريم سبحانه، إن رحمته أسبق من غضبه، ومعافاته أسرع من عقوبته، وحلمه أوسع من ذنوب العالمين، فلا تبتئس، ولا تظن بربك إلا الخير، فإنه تعالى عند حسن ظن عباده به!
أنا متأكد مما أقول يا بني؛ لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا}، وقال لنا: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}.. فمتخافش يا بني، ولا تبتئس، وتعال إلى الله.. تعال إلى الرحمن الرحيم.
لكن أرجوك: ابدأ من الآن مرحلة مختلفة..
ستكون صعبة.. نعم..
سيضغط عليك إبليس، أكيد..
ستتحرك في نفسك الشهوات، صح..
ستحن للمعاصي، وستذكر لذتها والأنس بها، معاك..
سيتناوشك شياطين الإنس الذين كانوا ينزغون لك فيما سبق.. لا شك.
لكن لكل شيء ثمنًا، فإذا أردت أن تحمي نفسك، وتستر عرضك، وتنام مستريحًا، وتتوجه نحو العافية في الدارين، وتحس أن الله يحبك، فابدأ التغيير منذ هذه اللحظة:
غير تليفوناتك، غير شكل بيتك من الداخل، غير أصدقاءك، غير مواعيد نومك وصحوك، ارم نوتة الهاتف، وامح ذاكرة الموبايل، وابدأ حياةً من طراز عاقل، هادئ متوازن، وخذ معك إلى رحاب رحمة الله زوجتك، وأبناءك، فإنك عنهم مسؤول، ولا تظن أن الله تعالى سيتخلى عنك؛ بل سيعينك - أنا متأكد أنك ستعان - لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}.
عاهدني الآن يا بني على التغيير، فالفرصة الآن كبيرة لا تفوَّت..
قال: طالما كنت أعاهد، وأنقض وأخيس بعهدي..
قلت: (مش مهم)، عاهد، واسأل الله تعالى أن يثبتك، وهو خير مسؤول، عاهد ومالكش دعوة..
قال: أعاهد الله ألا أعود، وأن أبذل جهدي لاجتناب ما كنت أقترف..
قلت له: أسأل الله أن يثبت قلبك، ويشرح صدرك، ويعينك على الطاعة..
فقال: اللهم آمين.
من فضلك قارئي الكريم، بالله عليك: ادع لنفسك ولي وله، فلعل الله أن يستجيب فننجو بدعائك.
_________________
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ..... فلقد علمـتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجـوك إلا محسنٌ ..... فبـمن يلوذ ويستجـير المجرمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا ..... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيـلة إلا الرجا ..... وجميــل ظني ثم إني مسلـم
الرجل النادم!
الرجل النادم!
عبد السلام البسيوني | 18-07-2011 01:19
اتصل بي باكيًا منفعلاً نادمًا، يكاد قلبه ينخلع من الحسرة على ما أساء، وما فرط في جنب الله: قد دمعت عيناه، وتهدج صوته، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقال أغثني: قلبي ميت، وذنوبي تعميني، وأحس أنني مشدود للمعصية، لا أستطيع عنها فكاكًا، ولا أجد منها مهربًا، ما أعتقد أنني تركت ذنبًا إلا وأتيته، ولا كبيرة إلا واقترفتها، حتى المعاصي التي لا ترد على بالك، بل إنني أظن أن الله تعالى قد نزع مني الغيرة على أقرب الأقربين مني، على عرضي وأهلي، والأسباب معروفة لي؛ فلم أربَّ على الغيرة، ولا المبالاة بشيء، ولا بأحد.. ويا طالما بكيت، ويا طالما ابتهلت، ويا طالما سالت دموعي بعد أن أرتكس في حمأة المعصية؛ لأن وطأة الارتكاس على نفسي ثقيلة؛ فهل عندك من سبيل؟!
قلت له: يا عم شوية شوية، هون عليك؛ وأجب عن أسئلتي:
- هل دفنت ابنتك يومًا - حية - في التراب؟ قال: لا.
- فهل سجدت لصنم؟ قال: لا.
- فهل قتلت مائة نفس؟ قال: لا!
- فهل خنت بلدك، وضحيت بحقوق ثمانين مليونًا، سيتعلقون جميعًا بعنقك يوم القيامة، مطالبين بحقوقهم، وأموالهم، ودمائهم، وآهاتهم، ومواجعهم، وضياع أمنهم ومستقبل أبنائهم!؟ قال: أعوذ بالله، طبعًا لا!
قلت بثقة شديدة: إذن فأبشر، لقد فعل البلاوي السودة أقوام قبلك، وتابوا إلى الله تبارك وتعالى، فصارت صحائفهم أشد بياضًا من اللبن، وقبل ربك العفو توبهم، وغفر ذنبهم، وطهر أعراضهم، وأخذ بأيديهم إلى الطاعات، حتى صاروا من السابقين السابقين.
قال: يا شيييييييخ: الأمر أكبر مما تتخيل، والارتكاس أشد مما تتوقع!
فسألت: هل ذنبك أكبر من أن تسعه رحمة الله تعالى؟
أو تظن أن هناك ذنوبًا غير قابلة للمغفرة، أو أعظم من أن تدخل تحت طائلة العفو؟
قال: كلا، إلا الشرك، فإن الله لا يغفره.
قلت له: غلط: حتى الشرك يغفره الله ويمحو أثره، إذا تبت إلى الله ووحدته حق توحيده، إنه غير مغفور فقط إذا مات الإنسان عليه، أما إن وفقه الله في حياته، فاستغفر ربه، وخر راكعًا، وأناب، فإن الله يغفر ما كان من الشرك.
أو لم يكن الصحابة - كلهم - قبل الإسلام مشركين، عبدة للحجارة والأنصاب والأزلام؟!
ألم يكونوا يصنعون أربابهم بأيديهم، ينحتونهم من الصخر أو الخشب، وإذا استصعب عليهم الأمر صنعوه من العجوة، فإذا جاع أحدهم أكل ربه - بالهنا والشفا - أو جاءته معزى فلحست رأسه، أو قضمت مؤخرته؟
فهل قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم لا توبة لهم؟ كلا، بل قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فقالوها، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه!
ثم ألا تعتقد أن الله صبور حليم، ورحمن رحيم كريم؟
هل فكرت يومًا أنك عصيته هذه المدة كلها، وهو يسترك ويرزقك ويكرمك؟
ألم تنتهك حرماته، وهو يعطيك ويغنيك ويؤويك؟
أليس هذا الرب جديرًا بالحب، والاستحياء منه، والإنابة إليه؟
قال نعم، ولكن..
قلت: بلاش لكن هذه، أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أنك تملك قلبًا خيرًا يريد الله أن يحييه، وإن نفسك اللوامة حية لم تمت، في حين أنها ماتت في أضلع ملايين من البشر.
أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أن لك عيونًا تفيض فزعًا من الذنب، ولسانًا يهتف ضراعة للرب تبارك وتعالى!
ألا تظن أن بعض المعاصي قد تكون بابًا للجنة؟
إن ذلك كائن يا بني حين يحس بها صاحبها، فيجدها تقرص قلبه، وتخز ضميره، وتنغص عليه هناءاته، يحس بالضآلة و(الهيافة)، ويبدأ باحتقار نفسه، واستعظام ذنبه، فيندم، ويتوب، ويدخل في مصارعة مع شيطانه، فإذا علم الله من قلبه خيرًا أعانه، ويسر له اليسرى، وجعله يدوس إبليس اللعين، (بالجزمة القديمة)!
ابك يا بني، واستشعر الندم، فإن هذه الدمعات هي حجابك من النار، هي الحجاب الحاجز بينك وبين جهنم؛ نجاني الله وإياك منها!
ابك يا بني حتى تغسل بدموعك صحيفتك، وتثبت بها توبتك، وترضي بها ربك، وتقمع بها إبليسك.
ابك يا بني حتى تقيء مراراتك، وتستفرغ إحساسك بالذنب، وتلفظ رجس النفس، وحظ الشيطان من قلبك.
أتعلم يا بني: أنت تحتاج لأن تحب الله تبارك وتعالى، وتثق في رحمانيته، وتقطع بقلبك أن رحمته أرحب، ووده أكثر، وبره أعم، وربوبيته سبحانه سابغة!
أتظن أن الله تعالى لا يرحم إلا المستقيمين الطيبين العابدين المصلين؟!
تبقى غلطان يا بني، تبقى طيب، ومش عارف ربك الكريم سبحانه، إن رحمته أسبق من غضبه، ومعافاته أسرع من عقوبته، وحلمه أوسع من ذنوب العالمين، فلا تبتئس، ولا تظن بربك إلا الخير، فإنه تعالى عند حسن ظن عباده به!
أنا متأكد مما أقول يا بني؛ لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا}، وقال لنا: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}.. فمتخافش يا بني، ولا تبتئس، وتعال إلى الله.. تعال إلى الرحمن الرحيم.
لكن أرجوك: ابدأ من الآن مرحلة مختلفة..
ستكون صعبة.. نعم..
سيضغط عليك إبليس، أكيد..
ستتحرك في نفسك الشهوات، صح..
ستحن للمعاصي، وستذكر لذتها والأنس بها، معاك..
سيتناوشك شياطين الإنس الذين كانوا ينزغون لك فيما سبق.. لا شك.
لكن لكل شيء ثمنًا، فإذا أردت أن تحمي نفسك، وتستر عرضك، وتنام مستريحًا، وتتوجه نحو العافية في الدارين، وتحس أن الله يحبك، فابدأ التغيير منذ هذه اللحظة:
غير تليفوناتك، غير شكل بيتك من الداخل، غير أصدقاءك، غير مواعيد نومك وصحوك، ارم نوتة الهاتف، وامح ذاكرة الموبايل، وابدأ حياةً من طراز عاقل، هادئ متوازن، وخذ معك إلى رحاب رحمة الله زوجتك، وأبناءك، فإنك عنهم مسؤول، ولا تظن أن الله تعالى سيتخلى عنك؛ بل سيعينك - أنا متأكد أنك ستعان - لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}.
عاهدني الآن يا بني على التغيير، فالفرصة الآن كبيرة لا تفوَّت..
قال: طالما كنت أعاهد، وأنقض وأخيس بعهدي..
قلت: (مش مهم)، عاهد، واسأل الله تعالى أن يثبتك، وهو خير مسؤول، عاهد ومالكش دعوة..
قال: أعاهد الله ألا أعود، وأن أبذل جهدي لاجتناب ما كنت أقترف..
قلت له: أسأل الله أن يثبت قلبك، ويشرح صدرك، ويعينك على الطاعة..
فقال: اللهم آمين.
من فضلك قارئي الكريم، بالله عليك: ادع لنفسك ولي وله، فلعل الله أن يستجيب فننجو بدعائك.
_________________
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ..... فلقد علمـتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجـوك إلا محسنٌ ..... فبـمن يلوذ ويستجـير المجرمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا ..... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيـلة إلا الرجا ..... وجميــل ظني ثم إني مسلـم
عبد السلام البسيوني | 18-07-2011 01:19
اتصل بي باكيًا منفعلاً نادمًا، يكاد قلبه ينخلع من الحسرة على ما أساء، وما فرط في جنب الله: قد دمعت عيناه، وتهدج صوته، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقال أغثني: قلبي ميت، وذنوبي تعميني، وأحس أنني مشدود للمعصية، لا أستطيع عنها فكاكًا، ولا أجد منها مهربًا، ما أعتقد أنني تركت ذنبًا إلا وأتيته، ولا كبيرة إلا واقترفتها، حتى المعاصي التي لا ترد على بالك، بل إنني أظن أن الله تعالى قد نزع مني الغيرة على أقرب الأقربين مني، على عرضي وأهلي، والأسباب معروفة لي؛ فلم أربَّ على الغيرة، ولا المبالاة بشيء، ولا بأحد.. ويا طالما بكيت، ويا طالما ابتهلت، ويا طالما سالت دموعي بعد أن أرتكس في حمأة المعصية؛ لأن وطأة الارتكاس على نفسي ثقيلة؛ فهل عندك من سبيل؟!
قلت له: يا عم شوية شوية، هون عليك؛ وأجب عن أسئلتي:
- هل دفنت ابنتك يومًا - حية - في التراب؟ قال: لا.
- فهل سجدت لصنم؟ قال: لا.
- فهل قتلت مائة نفس؟ قال: لا!
- فهل خنت بلدك، وضحيت بحقوق ثمانين مليونًا، سيتعلقون جميعًا بعنقك يوم القيامة، مطالبين بحقوقهم، وأموالهم، ودمائهم، وآهاتهم، ومواجعهم، وضياع أمنهم ومستقبل أبنائهم!؟ قال: أعوذ بالله، طبعًا لا!
قلت بثقة شديدة: إذن فأبشر، لقد فعل البلاوي السودة أقوام قبلك، وتابوا إلى الله تبارك وتعالى، فصارت صحائفهم أشد بياضًا من اللبن، وقبل ربك العفو توبهم، وغفر ذنبهم، وطهر أعراضهم، وأخذ بأيديهم إلى الطاعات، حتى صاروا من السابقين السابقين.
قال: يا شيييييييخ: الأمر أكبر مما تتخيل، والارتكاس أشد مما تتوقع!
فسألت: هل ذنبك أكبر من أن تسعه رحمة الله تعالى؟
أو تظن أن هناك ذنوبًا غير قابلة للمغفرة، أو أعظم من أن تدخل تحت طائلة العفو؟
قال: كلا، إلا الشرك، فإن الله لا يغفره.
قلت له: غلط: حتى الشرك يغفره الله ويمحو أثره، إذا تبت إلى الله ووحدته حق توحيده، إنه غير مغفور فقط إذا مات الإنسان عليه، أما إن وفقه الله في حياته، فاستغفر ربه، وخر راكعًا، وأناب، فإن الله يغفر ما كان من الشرك.
أو لم يكن الصحابة - كلهم - قبل الإسلام مشركين، عبدة للحجارة والأنصاب والأزلام؟!
ألم يكونوا يصنعون أربابهم بأيديهم، ينحتونهم من الصخر أو الخشب، وإذا استصعب عليهم الأمر صنعوه من العجوة، فإذا جاع أحدهم أكل ربه - بالهنا والشفا - أو جاءته معزى فلحست رأسه، أو قضمت مؤخرته؟
فهل قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم لا توبة لهم؟ كلا، بل قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فقالوها، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه!
ثم ألا تعتقد أن الله صبور حليم، ورحمن رحيم كريم؟
هل فكرت يومًا أنك عصيته هذه المدة كلها، وهو يسترك ويرزقك ويكرمك؟
ألم تنتهك حرماته، وهو يعطيك ويغنيك ويؤويك؟
أليس هذا الرب جديرًا بالحب، والاستحياء منه، والإنابة إليه؟
قال نعم، ولكن..
قلت: بلاش لكن هذه، أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أنك تملك قلبًا خيرًا يريد الله أن يحييه، وإن نفسك اللوامة حية لم تمت، في حين أنها ماتت في أضلع ملايين من البشر.
أتعرف يا بني أنك على خير عظيم؟ حسبك أن لك عيونًا تفيض فزعًا من الذنب، ولسانًا يهتف ضراعة للرب تبارك وتعالى!
ألا تظن أن بعض المعاصي قد تكون بابًا للجنة؟
إن ذلك كائن يا بني حين يحس بها صاحبها، فيجدها تقرص قلبه، وتخز ضميره، وتنغص عليه هناءاته، يحس بالضآلة و(الهيافة)، ويبدأ باحتقار نفسه، واستعظام ذنبه، فيندم، ويتوب، ويدخل في مصارعة مع شيطانه، فإذا علم الله من قلبه خيرًا أعانه، ويسر له اليسرى، وجعله يدوس إبليس اللعين، (بالجزمة القديمة)!
ابك يا بني، واستشعر الندم، فإن هذه الدمعات هي حجابك من النار، هي الحجاب الحاجز بينك وبين جهنم؛ نجاني الله وإياك منها!
ابك يا بني حتى تغسل بدموعك صحيفتك، وتثبت بها توبتك، وترضي بها ربك، وتقمع بها إبليسك.
ابك يا بني حتى تقيء مراراتك، وتستفرغ إحساسك بالذنب، وتلفظ رجس النفس، وحظ الشيطان من قلبك.
أتعلم يا بني: أنت تحتاج لأن تحب الله تبارك وتعالى، وتثق في رحمانيته، وتقطع بقلبك أن رحمته أرحب، ووده أكثر، وبره أعم، وربوبيته سبحانه سابغة!
أتظن أن الله تعالى لا يرحم إلا المستقيمين الطيبين العابدين المصلين؟!
تبقى غلطان يا بني، تبقى طيب، ومش عارف ربك الكريم سبحانه، إن رحمته أسبق من غضبه، ومعافاته أسرع من عقوبته، وحلمه أوسع من ذنوب العالمين، فلا تبتئس، ولا تظن بربك إلا الخير، فإنه تعالى عند حسن ظن عباده به!
أنا متأكد مما أقول يا بني؛ لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا}، وقال لنا: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}.. فمتخافش يا بني، ولا تبتئس، وتعال إلى الله.. تعال إلى الرحمن الرحيم.
لكن أرجوك: ابدأ من الآن مرحلة مختلفة..
ستكون صعبة.. نعم..
سيضغط عليك إبليس، أكيد..
ستتحرك في نفسك الشهوات، صح..
ستحن للمعاصي، وستذكر لذتها والأنس بها، معاك..
سيتناوشك شياطين الإنس الذين كانوا ينزغون لك فيما سبق.. لا شك.
لكن لكل شيء ثمنًا، فإذا أردت أن تحمي نفسك، وتستر عرضك، وتنام مستريحًا، وتتوجه نحو العافية في الدارين، وتحس أن الله يحبك، فابدأ التغيير منذ هذه اللحظة:
غير تليفوناتك، غير شكل بيتك من الداخل، غير أصدقاءك، غير مواعيد نومك وصحوك، ارم نوتة الهاتف، وامح ذاكرة الموبايل، وابدأ حياةً من طراز عاقل، هادئ متوازن، وخذ معك إلى رحاب رحمة الله زوجتك، وأبناءك، فإنك عنهم مسؤول، ولا تظن أن الله تعالى سيتخلى عنك؛ بل سيعينك - أنا متأكد أنك ستعان - لأن ربي تبارك وتعالى الذي تمت كلماته صدقًا وعدلاً قال لنا: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}.
عاهدني الآن يا بني على التغيير، فالفرصة الآن كبيرة لا تفوَّت..
قال: طالما كنت أعاهد، وأنقض وأخيس بعهدي..
قلت: (مش مهم)، عاهد، واسأل الله تعالى أن يثبتك، وهو خير مسؤول، عاهد ومالكش دعوة..
قال: أعاهد الله ألا أعود، وأن أبذل جهدي لاجتناب ما كنت أقترف..
قلت له: أسأل الله أن يثبت قلبك، ويشرح صدرك، ويعينك على الطاعة..
فقال: اللهم آمين.
من فضلك قارئي الكريم، بالله عليك: ادع لنفسك ولي وله، فلعل الله أن يستجيب فننجو بدعائك.
_________________
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ..... فلقد علمـتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا يرجـوك إلا محسنٌ ..... فبـمن يلوذ ويستجـير المجرمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا ..... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيـلة إلا الرجا ..... وجميــل ظني ثم إني مسلـم
الاثنين، 25 يوليو 2011
كيف تقتـل باستمتاع؟
كيف تقتـل باستمتاع؟
عبد السلام البسيوني | 21-07-2011 01:06
القتل فن ومهارة ، ومتعة وحضارة عزيزي القارئ؟ هل تعتقد هذا كما أعتقد؟
أنا شخصيًّا أزعم - حتى لو خالفتني سيادتك - أن القتل أستاذية، وخبرة، وهندسة، ومَسْتَرة، ومَعْلمة، ومعْنَنة، وتمرس، وسلوك حضاري نعيشه كل يوم، بِكيفنا، بمنتهى الرضا والبرود والاعتياد، لا يزعجنا، ولا يقلق منامنا، ولا يحرك شعرة من رؤوسنا.
أزعم - حتى لو خالفتني سيادتك - أن القتل أضحى سمةً تنويرية، وعلامة حضارية، عليها تقوم الأمم، وتتبحبح الحضارات، ويتبجح الجبابرة، وينتفخ الفراعنة، ويخطب الهَتالِرَة (جمع هتلر) والنماردة (جمع نمرود) والشوارنة، وكل أبناء الـ.. من المتكبرين المتجبرين المتحضرين.
القتل حلو، وجميل، ومشروع، ومسلٍّ! وهو باب للغنى، والقوة، والسيطرة، والتحكم في الحاضر والمستقبل، وفي الناس وفي الشعوب، وفي الكرة الأرضية كلها!
القتل يا سيدي فن، له خبراء وأساتذة يتقنونه، ولا أحد يجرؤ أن يقول لهم أنتم قتلة، أو سفاحون أو لعَقة دم، أو أكلة لحوم بشر (وليس الأفارقة، كما كنتم تزعمون) ببساطة لأن أحدًا لن يصدقك، فهم أكثر الناس حديثًا عن السلام والعدالة وحقوق الإنسان والحرية، وهم أعلى الناس صوتًا في اتهام الآخرين بأنهم قتلة وزناة وإرهابيون ومصاصو هباب، و(وِلاد حرام)!
رأيت جنرالًا صهيونيًّا من جنرالات الاجتياح والتدمير وفق سياسة الأرض المحروقة، يكاد يبكي على شاشة بي بي سي من قسوة خصومه المتوحشين، الذين أسروا اثنين من جنوده، وأخذ ينوح ويقول للأوربيين اللطفاء: كيف حال بنات هذين الجنديين، وكيف ترون أم فلان فاعلة بنفسها، وا أسفا على زوجته الغلبانة!
وقلت لنفسي: يا لدموع القحاب، حين يتحدثن عن الشرف والفضيلة!
علمت أن بعض المسعورين من (أحرار) أوربا - وقبل أن أفتح عيني على الدنيا بنحو عقد من الزمان - لم يهدؤوا حتى قتلوا 54 مليونًا من البشر، في حرب عالمية، بأشنع طرائق القتل، التي كان منها أفران الغاز، التي أعدت لليهود والعرب والغجر وآخرين، ولم ينجح في استثمار ذكراها إلا اليهود الشطار، وألف برافو عليهم!
ثم رأيت المتبجحين المتحضرين يجتاحون الناس في اليابان وفييتنام وكوريا والبلقان والشيشان والعراق وأفغانستان وغيرها فيستخدمون النابالم والقنبلة الذرية وكل الممنوعات في القوانين التي وضعوها هم، ونشروها هم، ثم هم ببساطة يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان، كأنهم فعلًا آباؤها وحماتها والمنافحون عنها!
ورأيت أكبر ديمقراطية في الشرق الأوسط تكسر العظام، وتدك البيوت على قاطنيها، وتستخدم الفسفور الأبيض، واليورانيوم المنضب، وتفعل الأفاعيل بالبشر العزل المحاصرين، والعالم الذليل كله يضرب لها تعظيم سلام، ويقول لها بمنتهي الغزل والعشق: تحت أمر عيونك، انت تأشر يا جميل!
وسمعت عن المقابر الجماعية التي يدفن فيها البشر أحياء - على أساس ان الرصاصة خسارة في جتتهم - حيث يهال عليهم التراب بالجرافات، حصل هذا في سيناء والبوسنة وكوسوفا وسربرنيتشا وأفغانستان والعراق وغيرها – وكلها مناطق جاءها أناس (متحضرون) ليخرجوا منها أهلها المتخلفين (ولاد كذا وكذا)!
ورأيت المتحضرين الشرفاء يفعلون الأفاعيل في الشيشان، وقبلهم في الأفغان، وبعدهم في البلقان، ويباركون – بالصمت الفاضح أو التأييد الواضح - مذابح رواندا وليبيريا وسيراليون وطاجيكستان وميانمار وفطاني وكشمير.. وتدور ماكينة قطع الرؤوس لتحصد مئات الألوف بل الملايين، بآليات وطائرات ودبابات، وراجمات صواريخ متحضرة جدًّا، من صنع البلاد المتحضرة جدًّا، بمباركة الكبار المتحضرين جدًّا، وعند اللزوم تجد الابتسامات العريضة التي تتحدث عن الحرية، أو الوجوه المقطبة التي تتحدث بأسىً عن حقوق الإنسان المستباحة، أو الوجوه الجامدة التي تهدد بشن الغارات لحماية العالم من المارقين الأفاقين!
هذا عن القتل بالجملة/ الإبادة الجماعية/ سياسة الأرض المحروقة/ الاستئصال والاجتياح، التي تغطى بشعارات الشرعية الدولية، ومقاومة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، ومواجهة الإرهاب، ودعم الحكم الشرعي، ومساندة الحركات التحررية، ووقف التجارة بالبشر، أو الكوكايين.. إلخ .
وأما عن فن القتل الفردي - الذي يكون للتسلية، أو إثبات الذات، أو طلبًا لمنفعة، أو دفاعًا عن الأمة العظيمة - فإن الإنسان المتحضر مبدع فنان خبير متمرس حريف بارع معلم أستاذ هايل عفريت واعر في اختراع صور للقتل لا تخطر ببال الشيطان الرجيم، وهو أسطى وأراري ودُقْرُم ومخربش وابن إيه، في اختراع آليات ووسائل جهنمية يمكن أن تطيل عذابات الإنسان الغلبان الذي يرميه نهاره الأسود في أيديهم، بحيث يقتلونه في اليوم الواحد مليون مرة!
بحسبك أن ترى فيلمًا من أفلام فخامة الكانديدت شوارزنيجر، أو رامبو استالوني، أو بروس ويليس، أو كيفن كوستنر، أو ستيفن سيجل، أو غيرهم؛ لترى أنهم فعلًا أساتذة في سمل العيون، وبقر البطون، وكسر الأطراف، والنحر من الرقبة بالسلاح (الأبيض!) ليخرجوا دائمًا في نهاية الفيلم أبطالًا شرفاء، مدافعين عن الحرية، مقاومين للشر، يحيون العلم، ويحييهم الناس، ويصفقون لبطولتهم، وهم يتحدثون عن الحضارة، والحرية، وسعادة البشرية، ولونج لِف أميركا!
وهم الذين اخترعوا الترخيص بالقتل للعميل الأسطوري 007 الأخ جيمس بن بوند، واخترعوا توصيل الكهرباء في محاشم الأسرى والسجناء في الصومال وأبو غريب وأنصار، والمعتقلات سيئة السمعة في كل داهية! وأعطوا الضوء الأخضر للسفاحين في السجون العربية للتفنن في تعذيب البشر، وإرهاقهم من أمرهم عسرًا!
لقد اخترع المتحضرون القتل الرحيم، والقتل اللي مش أوي، والقتل للتجارة بأعضاء القتلى، والقتل لحشو الجثث بالهيروين لتهريبه، والقتل لأن أحدهم (شوية متململ وعايز يتسلى) كما حصل في البوسنة!
وابتدعوا القتل تأديبًا، والقتل ردعًا، والقتل بالاشتباه، والقتل بالنيران الصديقة، والقتل بالضربة الوقائية، والقتل لأنك مش معايا تبقى علي!
وابتكروا - من الناحية الشرقية - القتل تحت وطأة التعذيب بعد خلع الأظافر، وسلخ البطن، ونفخ الجلد، وإكرام الكلاب المسعورة بنهش البشر، والكهرباء الحارقة، والعروسة، والشبح، والجلوس على أعناق الزجاجات المكسورة، والخوازيق، وتنويعة أخرى ممتعة!
وتفننوا في قتل الناس ودفنهم في جنح الليل، ثم الادعاء الوقح أنهم هربوا (وأن البحث جارٍ لضبط وإحضار الفارين من وجه العدالة) لاعتقال آبائهم وذويهم مكانهم.
ولقد سمعت عن مخبرين، وضباطًا متحضرين، يلصقون لحىً، أو يلبسون أقنعة نينجا، وينزلون الأسواق لقتل الناس، وبث الرعب في قلوب النساء والأطفال في أطراف المدن، وإلصاق التهم بالمتطرفين!
وسمعت عن بعض المتدينين الأغبياء الذين استمتعوا بذبح الناس من أعناقهم (زي الغنم.. باسم الله والله أكبر)! والذين يصاب مخ أحدهم بشورت، فيفجر مترو أو باص بمن فيه!
ورأيت في التلفزيون - من خلال الأفلام والمسلسلات المتــبّـلة ببهارات الإثارة والخدع السينمائية، والتشويق الذي يكتم الأنفاس - مئات الألوف من حوادث القتل والسحل والقطع والقص والدم المتفجر من الفم والعين، والأحشاء المتدلية، والعيون الجاحظة!
وقرأت أن المراهق المتحضر - قبل أن يبلغ الثامنة عشرة - يرى أكثر من عشرة آلاف حالة قتل في التلفزيون، ما لم تخني الذاكرة!
ورأيت سلاسل من أفلام الرعب تمول بعشرات ومئات الملايين، ومخرجين متخصصين – بس - في تنشيف الدم في العروق (زي أخونا هتشكوك زمان، وسبيلبيرج الآن) ورأيت أولادنا الصغار يغاضبوننا نحن آباءهم الخوافين؛ لأننا لا نسمح لهم بمتابعة أفلام الأكشن والثريل والرعب والإيلْيَنز والفامبايرز، وسائر أشكال الإرهاب البصري، والبلطجة الفنية المحبوكة، التي تخرج أجيالًا بلا قلوب، ولا رحمة ولا آدمية، كما توصل رسائل ذات دلالات نفسية للمتلقي التعيس!
إن الذي يدمن رؤية الدم لن يهتز إذا قطَع رقبة!
صدقوني، لقد رأيت – قبل سبع وثلاثين سنة - سيّافًا يقيم الحد على رجلين قاتلين، وبعد أن قطع عنقيهما بمنتهى البراعة، وفي لمح البصر، استدار مبتسمًا للكاميرات كأنه في حفل تكريم لإهدائه الأوسكار، صدقوني: لقد ابتسم هو، وسقطت أنا مريضًا، أسبوعًا كاملًا من شناعة المنظر! وعادت بي ذاكرتي لطفولتي أيام كنت أختبئ كأرنب مذعور تحت الكنبة في ارتعاب، حين تريد أمي ذبح شيء من طيور المنزل، فمجرد رؤية الدم كانت كفيلة لخضخضة جسمي كله!
أنا الآن متنور جدًّا، ومثقف كبير، ومتحضر بدرجة عالية، وقلبي ميت، جامد، حديد، عملي، ريالِستك، مكيافيلي، حتى إنني أستمتع كل ليلة بأخبار السيارات المفخخة، والموتوسيكلات الملغومة، والقتل الجماعي، والذبح من الأعناق، وتتردد على مسامعي أخبار السفك والقطع والسحل والنسف والدك والهدم والرجم والتفجير والاغتصاب، وجر الرجال من أعناقهم (زي الكلاب) بجانب أخبار براءة الباشوات الأطهار من التعذيب والقتل، وعدم كفاية الأدلة ضدهم، ثم أستمتع جدًّا برؤية أحدهم ضيفًا على الجزيرة أو البي بي سي أو السي إن إن، وهو يتحدث - بمنتهى الصدق والبراءة والعفوية والطهارة - عن الظلامية، والإرهاب، وعن حقوق الإنسان، وتأديب المارقين، وحماية الحضارة من الأفكار المتعفنة.
الغريب أنني لم أجد أحدًا من بتوع الاستشارات النفسية يشير إلى أن هذا مما يسبب العنة، وانقطاع الخلفة، بجانب الضغط والسكر والقولون والعته المبكر، ولا أنه من مسببات العنف والقسوة أو المروق على كل شيء.
والغريب أنني لم أسمع اليساريين سابقًا، اليمينيين جدًّا حاليًّا، ولا المتكسبين بصناعة الشعارات، يخترعون مصطلحًا واحدًا يقولون به كفاية.. لقد قتلتم الإنسانية في الإنسان، فماذا بعد؟ تريدون ماكينات للقتل؟
حرام عليكم يا متحضرون!
______________________
قال محمد مهدي الجواهري في (قصيدة الدم):
قبل أن تبكي النبوغ المضاعا …. سُبَّ من جرَّ هذه الأوضاعا
سُبَّ من شاء أن تموت وأمثا .... لُك هّمًّا وأن تروحوا ضَياعا
سُبَّ من شاء أن تعيش فلولٌ.... حيث أهلُ البلاد تقضي جياعا
عرّفتْــنا الآلامَ لونًا فلونًا .... وأرتنا المماتَ ساعًا فساعا
اختبرنا..إنا أسأنا اختبارًا .... واقتنعنا .. إنا أسأنا اقتناعا
وندمنا فهل نكفرُ عما .... قد جنينا اجتراحة ً وابتداعا
لو سألنا تلك الدماءَ لقالت .... وهي تغلي حماسة واندفاعا
والليالي كلحاءَ لا نجمَ فيها.... وتمرُّ الأيام سُودًا سِراعا:
ليتكمْ طرتمُ شعاعًا جزاءً .... عن نُفوس أطرتموها شعاعا
بالأماني جذابة ً قدتُموها .... للمنّيات فانجذبن انصياعا
وادعيتم مستقبلاً لو رأته .... هكذا لم تُضع عليه صُواعا
ألهذا هَرقْتُموني وأضحى .... ألف عرض وألف مُلك مُشاعا؟
كلٌّ هذا المتاع َ بخسًا ليأبى .... الله أن تفصدوا عليه ذراعا؟
قلْ لمن سِلتُ قانيًا تحت رجليهِ .... وأقطعته القُرى والضّياعا
خبروني بأن عيشة قومي .... لا تساوي حذاءك اللمٌاعا
albasuni@hotmail.com
عبد السلام البسيوني | 21-07-2011 01:06
القتل فن ومهارة ، ومتعة وحضارة عزيزي القارئ؟ هل تعتقد هذا كما أعتقد؟
أنا شخصيًّا أزعم - حتى لو خالفتني سيادتك - أن القتل أستاذية، وخبرة، وهندسة، ومَسْتَرة، ومَعْلمة، ومعْنَنة، وتمرس، وسلوك حضاري نعيشه كل يوم، بِكيفنا، بمنتهى الرضا والبرود والاعتياد، لا يزعجنا، ولا يقلق منامنا، ولا يحرك شعرة من رؤوسنا.
أزعم - حتى لو خالفتني سيادتك - أن القتل أضحى سمةً تنويرية، وعلامة حضارية، عليها تقوم الأمم، وتتبحبح الحضارات، ويتبجح الجبابرة، وينتفخ الفراعنة، ويخطب الهَتالِرَة (جمع هتلر) والنماردة (جمع نمرود) والشوارنة، وكل أبناء الـ.. من المتكبرين المتجبرين المتحضرين.
القتل حلو، وجميل، ومشروع، ومسلٍّ! وهو باب للغنى، والقوة، والسيطرة، والتحكم في الحاضر والمستقبل، وفي الناس وفي الشعوب، وفي الكرة الأرضية كلها!
القتل يا سيدي فن، له خبراء وأساتذة يتقنونه، ولا أحد يجرؤ أن يقول لهم أنتم قتلة، أو سفاحون أو لعَقة دم، أو أكلة لحوم بشر (وليس الأفارقة، كما كنتم تزعمون) ببساطة لأن أحدًا لن يصدقك، فهم أكثر الناس حديثًا عن السلام والعدالة وحقوق الإنسان والحرية، وهم أعلى الناس صوتًا في اتهام الآخرين بأنهم قتلة وزناة وإرهابيون ومصاصو هباب، و(وِلاد حرام)!
رأيت جنرالًا صهيونيًّا من جنرالات الاجتياح والتدمير وفق سياسة الأرض المحروقة، يكاد يبكي على شاشة بي بي سي من قسوة خصومه المتوحشين، الذين أسروا اثنين من جنوده، وأخذ ينوح ويقول للأوربيين اللطفاء: كيف حال بنات هذين الجنديين، وكيف ترون أم فلان فاعلة بنفسها، وا أسفا على زوجته الغلبانة!
وقلت لنفسي: يا لدموع القحاب، حين يتحدثن عن الشرف والفضيلة!
علمت أن بعض المسعورين من (أحرار) أوربا - وقبل أن أفتح عيني على الدنيا بنحو عقد من الزمان - لم يهدؤوا حتى قتلوا 54 مليونًا من البشر، في حرب عالمية، بأشنع طرائق القتل، التي كان منها أفران الغاز، التي أعدت لليهود والعرب والغجر وآخرين، ولم ينجح في استثمار ذكراها إلا اليهود الشطار، وألف برافو عليهم!
ثم رأيت المتبجحين المتحضرين يجتاحون الناس في اليابان وفييتنام وكوريا والبلقان والشيشان والعراق وأفغانستان وغيرها فيستخدمون النابالم والقنبلة الذرية وكل الممنوعات في القوانين التي وضعوها هم، ونشروها هم، ثم هم ببساطة يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان، كأنهم فعلًا آباؤها وحماتها والمنافحون عنها!
ورأيت أكبر ديمقراطية في الشرق الأوسط تكسر العظام، وتدك البيوت على قاطنيها، وتستخدم الفسفور الأبيض، واليورانيوم المنضب، وتفعل الأفاعيل بالبشر العزل المحاصرين، والعالم الذليل كله يضرب لها تعظيم سلام، ويقول لها بمنتهي الغزل والعشق: تحت أمر عيونك، انت تأشر يا جميل!
وسمعت عن المقابر الجماعية التي يدفن فيها البشر أحياء - على أساس ان الرصاصة خسارة في جتتهم - حيث يهال عليهم التراب بالجرافات، حصل هذا في سيناء والبوسنة وكوسوفا وسربرنيتشا وأفغانستان والعراق وغيرها – وكلها مناطق جاءها أناس (متحضرون) ليخرجوا منها أهلها المتخلفين (ولاد كذا وكذا)!
ورأيت المتحضرين الشرفاء يفعلون الأفاعيل في الشيشان، وقبلهم في الأفغان، وبعدهم في البلقان، ويباركون – بالصمت الفاضح أو التأييد الواضح - مذابح رواندا وليبيريا وسيراليون وطاجيكستان وميانمار وفطاني وكشمير.. وتدور ماكينة قطع الرؤوس لتحصد مئات الألوف بل الملايين، بآليات وطائرات ودبابات، وراجمات صواريخ متحضرة جدًّا، من صنع البلاد المتحضرة جدًّا، بمباركة الكبار المتحضرين جدًّا، وعند اللزوم تجد الابتسامات العريضة التي تتحدث عن الحرية، أو الوجوه المقطبة التي تتحدث بأسىً عن حقوق الإنسان المستباحة، أو الوجوه الجامدة التي تهدد بشن الغارات لحماية العالم من المارقين الأفاقين!
هذا عن القتل بالجملة/ الإبادة الجماعية/ سياسة الأرض المحروقة/ الاستئصال والاجتياح، التي تغطى بشعارات الشرعية الدولية، ومقاومة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، ومواجهة الإرهاب، ودعم الحكم الشرعي، ومساندة الحركات التحررية، ووقف التجارة بالبشر، أو الكوكايين.. إلخ .
وأما عن فن القتل الفردي - الذي يكون للتسلية، أو إثبات الذات، أو طلبًا لمنفعة، أو دفاعًا عن الأمة العظيمة - فإن الإنسان المتحضر مبدع فنان خبير متمرس حريف بارع معلم أستاذ هايل عفريت واعر في اختراع صور للقتل لا تخطر ببال الشيطان الرجيم، وهو أسطى وأراري ودُقْرُم ومخربش وابن إيه، في اختراع آليات ووسائل جهنمية يمكن أن تطيل عذابات الإنسان الغلبان الذي يرميه نهاره الأسود في أيديهم، بحيث يقتلونه في اليوم الواحد مليون مرة!
بحسبك أن ترى فيلمًا من أفلام فخامة الكانديدت شوارزنيجر، أو رامبو استالوني، أو بروس ويليس، أو كيفن كوستنر، أو ستيفن سيجل، أو غيرهم؛ لترى أنهم فعلًا أساتذة في سمل العيون، وبقر البطون، وكسر الأطراف، والنحر من الرقبة بالسلاح (الأبيض!) ليخرجوا دائمًا في نهاية الفيلم أبطالًا شرفاء، مدافعين عن الحرية، مقاومين للشر، يحيون العلم، ويحييهم الناس، ويصفقون لبطولتهم، وهم يتحدثون عن الحضارة، والحرية، وسعادة البشرية، ولونج لِف أميركا!
وهم الذين اخترعوا الترخيص بالقتل للعميل الأسطوري 007 الأخ جيمس بن بوند، واخترعوا توصيل الكهرباء في محاشم الأسرى والسجناء في الصومال وأبو غريب وأنصار، والمعتقلات سيئة السمعة في كل داهية! وأعطوا الضوء الأخضر للسفاحين في السجون العربية للتفنن في تعذيب البشر، وإرهاقهم من أمرهم عسرًا!
لقد اخترع المتحضرون القتل الرحيم، والقتل اللي مش أوي، والقتل للتجارة بأعضاء القتلى، والقتل لحشو الجثث بالهيروين لتهريبه، والقتل لأن أحدهم (شوية متململ وعايز يتسلى) كما حصل في البوسنة!
وابتدعوا القتل تأديبًا، والقتل ردعًا، والقتل بالاشتباه، والقتل بالنيران الصديقة، والقتل بالضربة الوقائية، والقتل لأنك مش معايا تبقى علي!
وابتكروا - من الناحية الشرقية - القتل تحت وطأة التعذيب بعد خلع الأظافر، وسلخ البطن، ونفخ الجلد، وإكرام الكلاب المسعورة بنهش البشر، والكهرباء الحارقة، والعروسة، والشبح، والجلوس على أعناق الزجاجات المكسورة، والخوازيق، وتنويعة أخرى ممتعة!
وتفننوا في قتل الناس ودفنهم في جنح الليل، ثم الادعاء الوقح أنهم هربوا (وأن البحث جارٍ لضبط وإحضار الفارين من وجه العدالة) لاعتقال آبائهم وذويهم مكانهم.
ولقد سمعت عن مخبرين، وضباطًا متحضرين، يلصقون لحىً، أو يلبسون أقنعة نينجا، وينزلون الأسواق لقتل الناس، وبث الرعب في قلوب النساء والأطفال في أطراف المدن، وإلصاق التهم بالمتطرفين!
وسمعت عن بعض المتدينين الأغبياء الذين استمتعوا بذبح الناس من أعناقهم (زي الغنم.. باسم الله والله أكبر)! والذين يصاب مخ أحدهم بشورت، فيفجر مترو أو باص بمن فيه!
ورأيت في التلفزيون - من خلال الأفلام والمسلسلات المتــبّـلة ببهارات الإثارة والخدع السينمائية، والتشويق الذي يكتم الأنفاس - مئات الألوف من حوادث القتل والسحل والقطع والقص والدم المتفجر من الفم والعين، والأحشاء المتدلية، والعيون الجاحظة!
وقرأت أن المراهق المتحضر - قبل أن يبلغ الثامنة عشرة - يرى أكثر من عشرة آلاف حالة قتل في التلفزيون، ما لم تخني الذاكرة!
ورأيت سلاسل من أفلام الرعب تمول بعشرات ومئات الملايين، ومخرجين متخصصين – بس - في تنشيف الدم في العروق (زي أخونا هتشكوك زمان، وسبيلبيرج الآن) ورأيت أولادنا الصغار يغاضبوننا نحن آباءهم الخوافين؛ لأننا لا نسمح لهم بمتابعة أفلام الأكشن والثريل والرعب والإيلْيَنز والفامبايرز، وسائر أشكال الإرهاب البصري، والبلطجة الفنية المحبوكة، التي تخرج أجيالًا بلا قلوب، ولا رحمة ولا آدمية، كما توصل رسائل ذات دلالات نفسية للمتلقي التعيس!
إن الذي يدمن رؤية الدم لن يهتز إذا قطَع رقبة!
صدقوني، لقد رأيت – قبل سبع وثلاثين سنة - سيّافًا يقيم الحد على رجلين قاتلين، وبعد أن قطع عنقيهما بمنتهى البراعة، وفي لمح البصر، استدار مبتسمًا للكاميرات كأنه في حفل تكريم لإهدائه الأوسكار، صدقوني: لقد ابتسم هو، وسقطت أنا مريضًا، أسبوعًا كاملًا من شناعة المنظر! وعادت بي ذاكرتي لطفولتي أيام كنت أختبئ كأرنب مذعور تحت الكنبة في ارتعاب، حين تريد أمي ذبح شيء من طيور المنزل، فمجرد رؤية الدم كانت كفيلة لخضخضة جسمي كله!
أنا الآن متنور جدًّا، ومثقف كبير، ومتحضر بدرجة عالية، وقلبي ميت، جامد، حديد، عملي، ريالِستك، مكيافيلي، حتى إنني أستمتع كل ليلة بأخبار السيارات المفخخة، والموتوسيكلات الملغومة، والقتل الجماعي، والذبح من الأعناق، وتتردد على مسامعي أخبار السفك والقطع والسحل والنسف والدك والهدم والرجم والتفجير والاغتصاب، وجر الرجال من أعناقهم (زي الكلاب) بجانب أخبار براءة الباشوات الأطهار من التعذيب والقتل، وعدم كفاية الأدلة ضدهم، ثم أستمتع جدًّا برؤية أحدهم ضيفًا على الجزيرة أو البي بي سي أو السي إن إن، وهو يتحدث - بمنتهى الصدق والبراءة والعفوية والطهارة - عن الظلامية، والإرهاب، وعن حقوق الإنسان، وتأديب المارقين، وحماية الحضارة من الأفكار المتعفنة.
الغريب أنني لم أجد أحدًا من بتوع الاستشارات النفسية يشير إلى أن هذا مما يسبب العنة، وانقطاع الخلفة، بجانب الضغط والسكر والقولون والعته المبكر، ولا أنه من مسببات العنف والقسوة أو المروق على كل شيء.
والغريب أنني لم أسمع اليساريين سابقًا، اليمينيين جدًّا حاليًّا، ولا المتكسبين بصناعة الشعارات، يخترعون مصطلحًا واحدًا يقولون به كفاية.. لقد قتلتم الإنسانية في الإنسان، فماذا بعد؟ تريدون ماكينات للقتل؟
حرام عليكم يا متحضرون!
______________________
قال محمد مهدي الجواهري في (قصيدة الدم):
قبل أن تبكي النبوغ المضاعا …. سُبَّ من جرَّ هذه الأوضاعا
سُبَّ من شاء أن تموت وأمثا .... لُك هّمًّا وأن تروحوا ضَياعا
سُبَّ من شاء أن تعيش فلولٌ.... حيث أهلُ البلاد تقضي جياعا
عرّفتْــنا الآلامَ لونًا فلونًا .... وأرتنا المماتَ ساعًا فساعا
اختبرنا..إنا أسأنا اختبارًا .... واقتنعنا .. إنا أسأنا اقتناعا
وندمنا فهل نكفرُ عما .... قد جنينا اجتراحة ً وابتداعا
لو سألنا تلك الدماءَ لقالت .... وهي تغلي حماسة واندفاعا
والليالي كلحاءَ لا نجمَ فيها.... وتمرُّ الأيام سُودًا سِراعا:
ليتكمْ طرتمُ شعاعًا جزاءً .... عن نُفوس أطرتموها شعاعا
بالأماني جذابة ً قدتُموها .... للمنّيات فانجذبن انصياعا
وادعيتم مستقبلاً لو رأته .... هكذا لم تُضع عليه صُواعا
ألهذا هَرقْتُموني وأضحى .... ألف عرض وألف مُلك مُشاعا؟
كلٌّ هذا المتاع َ بخسًا ليأبى .... الله أن تفصدوا عليه ذراعا؟
قلْ لمن سِلتُ قانيًا تحت رجليهِ .... وأقطعته القُرى والضّياعا
خبروني بأن عيشة قومي .... لا تساوي حذاءك اللمٌاعا
albasuni@hotmail.com
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)