عون الرحمن

قصة كاميليا شحاتة

شرح كتاب العبادات

ما هكذا تورد الابل يا جمعة!!!؟

السبت، 10 أبريل 2010

"بوكو"حرام وشرطة الإجرام !!

"بوكو"حرام وشرطة الإجرام !!


ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 09 - 04 - 2010
نقلا عن : موقع المسلم




كانت قناة الجزيرة معذورة وهي تحذّر مشاهديها من بشاعة اللقطات التي بثتها عن مجزرة رهيبة أقدم عليها مجرمون ينتسبون إلى الشرطة النيجيرية، إذ اغتالوا بدم بارد وقلوب متحجرة-بل أشد قسوة-نحو ألف من المدنيين العزل، من مواطنيهم الذين يُفترض في الضباط والجنود المجرمين أن يحفظوا أمن هؤلاء المساكين. بل إن القتلة يتقاضون رواتبهم على ذلك الواجب، الذي أقسموا على أن يؤدوه بأمانة!!

وأسهم في هذا"الشرف"الوضيع الجيش النيجيري، مع العلم بأن للجيش في أي بلد طبيعي مهمة أساسية إن لم تكن وحيدة هي حماية البلد من أي عدوان خارجي، لكن تجارب التغريب في ديار المسلمين جعلت للجيوش المتغربة واجباً يتيماً هو افتراس مواطنيه والاستئساد على شعبه، والتخاذل في مواجهة الغزاة الخارجيين!! والاتهام لهؤلاء القتلى غير المقاتلين أنهم أعضاء في جماعة (بوكو حرام) التي تدعو إلى تطبيق الشريعة في البلاد.

أجل! قتل المجرمون ألف إنسان من المدنيين العزل، وكثير منهم-بحسب الصور الموثقة-كانوا من المعوقين، الذين قد يعف عن أكلهم وحشٌ جائع! بل إن انعدام الضمير وتبلد المشاعر، وصل بأحد القتلة إلى أن يمارس نذالته باصطناع السخرية، إذ يطلب من أحد شركائه ألا يصوّب رصاصه إلى رأس أحد الضحايا لأن الجلاد الجبان يريد الاستيلاء على قبعته!! ووالله لو ورد ذلك في تمثيلية لكان مفزعاً ولكانت هي رديئة واستفزازية لكل من كان لديه بقية من حس إنساني.

ولا يسألن سائل عن موقف الغرب المنافق، ولا مجلس الظلم"الأمن"الدولي، ولا دجال محكمة الجنايات الدولية المتاجر برداء العدالة، والمشغول بمطاردة الرئيس السوداني لأن سادة أوكامبو في الغرب يمقتون البشير. فالقتلة الهمج يدركون مسبقاً أن عواصم الكره الكبرى لن تسألهم عن جريمتهم، بل ربما كان حرص الأدوات النيجيرية على كسب مزيد من رضا الغرب عنهم أحد أبرز دوافعهم لارتكاب تلك الفعلة المخزية.

كما أن من السذاجة البحث عن أي دور إيجابي للإعلام الغربي صاحب الشعارات الرنانة لتعرية مجزرة لا ترتكبها الوحوش الكاسرة في الغاب، بالرغم من انقضاء بضعة شهور عليها. فذالك الإعلام مشغول غالباً بالتوافه، أما في الفظائع فهو يسلك وفقاً لموازينه الانتقائية:إذا وقعت من مسلم مخالفة مرورية فيجب تضخيمها لتغدو كارثة بشعة، مع نسبتها إلى دينه، أما المذابح اليهودية والصليبية فهي أنباء عابرة عند الاضطرار بعد أن بات لدى بعض المسلمين وسائل إعلام تستطيع فضح المستور.

ومما يؤكد نفاق الغرب المسيطر فوق كل ما سلف، الغياب التام لجميع المنظمات الإقليمية والدولية التي ينبغي لها تعليق عضوية نيجيريا حتى تقتص من المجرمين.
إن هذه المجزرة النكراء صورة نموذجية لحصاد التغريب في بلاد الإسلام، فلا قيمة للإنسان إلا إذا كان غربي الملامح أو يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً أو هندوسياً، وباختصار شديد:المهم ألا يكون مسلماً!!أما إن كان مسلماً متديناً فدمه حلال بلا سؤال ولا محاكمة ولا شيء من ذلك الترف الخاص بالجنسيات والانتماءات المرضيّ عنها من قبل السادة.

فنيجيريا بلد مسلم في أكثريته، لكن الهيمنة الفعلية فيه معقودة لعبدة الصليب وأدوات التغريب،
ولذلك يعيش المسلمون في غربة وهوان ويلاقون عنتاً لا يعلم مداه إلا الله.
والواقعة الرهيبة هي ليست سوى عنوان يلخص حالة فاقعة من حالات الهوس الصليبي اليهودي في كراهية الإسلام ومطاردة المسلمين باسم مكافحة الإرهاب، من حظر المآذن تارة وقمع الحجاب تارة أخرى والضغط لمنع ذكر الدين في بطاقات الهوية الشخصية ....

لكنها في الوقت ذاته، موعظة للنظم التي تلهث وراء الغرب، فجماعة (بوكو حرام)بدأت بعشرات من الشباب المتحمسين لكن بطش الجيش والشرطة قادها إلى الارتماء في حضن القاعدة فاغتيال زعيمها وهو مكبل اليدين ثم ادعاء الجيش أنه لقي مصرعه في معركة ثم الفتك بألف مدني أعزل دفعا الشباب إلى الغلو وليس العكس أي أن الانتماء إلى القاعدة جاء نتيجة ولم يكن سبباً في البدء. وها هم المراقبون غير المسلمين يتوقعون بأن السلوك الشائن للجيش والشرطة النيجيريين سوف يضاعف من انتشار الغلو بين المسلمين هناك!! فهل من متعظ؟


30/2/1431 هـ

الخميس، 8 أبريل 2010

صكوك غفران تلمودية

صكوك غفران تلمودية

أحمد بن يوسف الدعيج
أضيفت بتاريخ : : 04 - 04 - 2010
نقلا عن : جريدة الوطن الكويتية




في العصور الوسطى أو ما قبلها بقليل كانت الكنيسة الكاثوليكية بالذات تلجأ الى اجراء ديني بحق بعض رعاياها من النصارى الذين تعتبرهم من المعارضين لتعاليمها فتخرجهم بذلك من زمرة المؤمنين، هذا الاجراء الديني هو الحرمان الكنسي، وهو امر مثير للذعر فعلا بين النصارى مهما بلغت درجاتهم، اذ ان من يتعرض للحرمان الكنسي البابوي يصبح منبوذا في مجتمعه ولا يستطيع أياً كان ان يتعامل معه. سوف أذكر بعض الأمثلة، وما أكثرها، لشخصيات نصرانية بارزة تعرضوا للحرمان الكنسي، في فبراير 1076م عُقد في روما مجمع كنسي وقع فيه البابا جريجوري السابع قرار الحرمان الكنسي على هنري الرابع، امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة، فتخلى اتباعه عنه ورفضوا الاعتراف بسلطته، فما كان من الامبراطور الجبار الذي يعتبر نفسه ظل الله على الأرض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، الا ان سافر وهو حافي القدمين في شتاء أوروبا الرهيب الى قلعة كانوسا في شمال ايطاليا وظل ينتظر خارج أبوابها ذليلا خانعا خاضعا حتى يأذن له البابا بالمثول أمام حضرته، ثم لما أذن له البابا ارتمى الامبراطور على قدمي البابا يقبلهما وهو يجهش بالبكاء ويقول اغفر لي أيها الأب المقدس.


وفي مارس من سنة 1177م حصل الأمر نفسه مع أحد أقوى أباطرة اوروبا وهو الإمبراطور فريدريك الأول الذي يعرف بفريدريك بارباروسا (ذي اللحية الحمراء) وكان البابا الذي أصدر قرار الحرمان الكنسي هو البابا الكسندر الثالث، وما كان من الامبراطور القوي الا ان ذهب ذليلا خاضعا الى البابا يسأله وهو يبكي أن يمنحه الصفح والغفران، أما الامبراطور فريدريك الثاني امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة فانه عندما تعرض للحرمان الكنسي في سبتمبر 1227م من البابا جريجوري التاسع بسبب تقاعسه عن القيام بالحملة الصليبية السادسة، فانه بادر من فوره بقيادة جماعة من رجاله ووصلوا الى عكا لعل وعسى يرضى عنه البابا.


اليوم لا يهم الحرمان الكنسي كثيرا، فليس هناك صكوك غفران تصدرها الكنيسة مثلما كان الأمر في العصور الوسطى، ولكن النصارى بالذات ابتلوا وبطريقة يصعب تفسيرها بحرمان أكبر وقعا وأشد ارهابا فكريا وعقديا من الحرمان الكنسي، انه الحرمان التلمودي الذي يشهره اليهود في وجه الغربيين بصفة خاصة بمن في ذلك الأمريكان البلهاء، انه الاتهام بمعاداة السامية، فاذا كان الأباطرة الأقوياء، أباطرة الامبراطورية الرومانية المقدسة، هنري الرابع وفريدريك الثاني، والامبراطور الالماني فريدريك بارباروسا خضعوا وذلوا وامتثلوا لأوامر وتعليمات بابوات روما، فما بالكم بالرئيس الأمريكي «الغلبان» باراك حسين اوباما الذي اتهمه أخو زوجة بنيامين نتنياهو بأنه معاد للسامية؟


إن رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا الالماني بنديكتوس السادس عشر الذي لا يستطيع اليوم اصدار صكوك غفران مثلما كان يفعل اسلافه في العصور الوسطى، ارتجف رعبا ونكص على عقبيه عندما اتهمه اليهود بانه معاد للسامية، أليس اليهود اليوم وبسبب غباء الأوربيين البلهاء يسيطرون على العالم ويوقعون قرارات الحرمان التلمودي، أو معاداة السامية، ويصدرون لمن يريدون صكوك غفران تلمودية؟

شيخ الأزهــر الجديــد يرفض إدانة انتهاكات الصهاينة ومحاصرة غزة

شيخ الأزهــر الجديــد يرفض إدانة انتهاكات الصهاينة ومحاصرة غزة !!

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 03 - 04 - 2010




وكالات ـ رفض شيخ الازهر الجديد الدكتور احمد محمد الطيب التنديد بالانتهاكات الإسرائيلية في حق المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية، وعلل موقفه بأن تنديده لن يسفر عن جديد يذكر.

وقال الطيب الذي تم تعيـــينه مؤخـــرا بقــــرار مــن الرئيس المصري إن الشجب والإدانة للجرائم الإسرائيلية تحصيل حاصل وبلا قيمة ولن يسفر عن شيء.

وأضاف أن هناك قاعدة أزهرية تقول إن 'تحصيل الحاصل محال' وبالتالي فإن الكلام في قضية القدس وما يجري للمقدسات هناك والإعتداءات التي تقع على المسجد بلاقيمة وأصبح مضيعة للوقت، وأصر على رفض مطالب الصحافيين بأن يصدر أي تعليق حول الانتهاكات.


وكان العديد من الصحافيين قد إحتشدوا أمس في انتظار انتهاء اجتماع شيخ الأزهر مع الشيخ عكرمة صبري المفتي السابق للقدس من أجل معرفة رأيه في عدد من القضايا لم يتحدث فيها بعد وعلى رأسها موقفه من اتفاقية السلام مع اسرائيل والجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على حدودها مع غزة فضلا عن الحصار الذي تفرضه على القطاع للعام الثالث على التوالي، غير ان الطيب رفض الإجابة عن أي سؤال له علاقة بالقضية الفلسطينينة بذريعة أنه لا طائل من إضاعة الكلام فيما لاجدوى منه.


وساهم في مزيد من الإحباط للصحافيين رفض الشيخ عكرمة صبري الذي بدا في مأزق بسبب الموقف الذي وجد فيه الطيب أن يجيب هوالآخر على أي سؤال له علاقة بالقضية الفلسطينية ،واعتذر بأدب، مؤكدا ان لكل مقام مقالا وأنه إنما جاء من أجل لقاء شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب وتهنئته على ثقة الرئيس مبارك الغالية فيه من خلال تنصيبه المقام السامي.


وكان مفتي الديار المصرية الأسبق نصر فريد واصل قد أكد على ان رجل الدين مطالب بأن يدافع عن مصالح المسلمين وأن يندد بالحصار الذي يفرض على الشعب الفلسطيني. واعتبرالصمت في قضية مثل تدمير المقدسات والسعي لهدم الأقصى هو جريمة سوف نسأل عنها إذا ما تعاملنا معها بسلبية.


ولفت الشيخ سيد عسكر النائب عن الإخوان في مجلس الشعب الأنظار إلى أن التنديد بما تقوم به إسرائيل من جرائم في المسجد الأقصى وسائر فلسطين المحتلة مسؤولية كل رجل دين، محذراً الذين يتحدثون عن أن التنديد لم يعد له قيمة من أن الساكت عن الحق شيطان أخرس

عيد شم النسيم.. أصله، شعائره، حكم الاحتفال به

عيد شم النسيم.. أصله، شعائره، حكم الاحتفال به

إبراهيم بن محمد الحقيل
أضيفت بتاريخ : : 04 - 04 - 2010
نقلا عن : موقع الإسلام اليوم



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى اختار لنا الإسلام ديناً كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19]، ولن يقبل الله تعالى من أحد ديناً سواه كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» [رواه مسلم 153]، وجميع الأديان الموجودة في هذا العصر -سوى دين الإسلام- أديان باطلة لا تقرب إلى الله تعالى؛ بل إنها لا تزيد العبد إلا بعداً منه سبحانه وتعالى بحسب ما فيها من ضلال.

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن فئاماً من أمته سيتبعون أعداء الله تعالى في بعض شعائرهم وعاداتهم، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: "يا رسول الله اليهود والنصارى؟"، قال: «فمن؟» [أخرجه البخاري (732)، ومسلم (2669)].

وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].

وقد وقع ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانتشر في الأزمنة الأخيرة في كثير من البلاد الإسلامية؛ إذ اتبع كثير من المسلمين أعداء الله تعالى في كثير من عاداتهم وسلوكياتهم، وقلدوهم في بعض شعائرهم، واحتفلوا بأعيادهم.

وكان ذلك نتيجة للفتح المادي، والتطور العمراني الذي فتح الله به على البشرية، وكان قصب السبق فيه في الأزمنة المتأخرة للبلاد الغربية النصرانية العلمانية، مما كان سبباً في افتتان كثير من المسلمين بذلك، لا سيما مع ضعف الديانة في القلوب، وفشو الجهل بأحكام الشريعة بين الناس.

وزاد الأمر سوءاً الانفتاح الإعلامي بين كافة الشعوب، حتى غدت شعائر الكفار وعاداتهم تُنقل مزخرفة مبهرجة بالصوت والصورة الحية من بلادهم إلى بلاد المسلمين عبر الفضائيات والشبكة العالمية –الإنترنت- فاغتر بزخرفها كثير من المسلمين.

وقد لاحظت -كما لاحظ غيري- احتفال كثير من المسلمين في مصر بعيد شم النسيم واحتفال غيرهم في كثير من البلدان العربية والغربية بأعياد الربيع على اختلاف أنواعها ومسمياتها وأوقاتها، وكل هذه الأعياد الربيعية -فيما يظهر- هي فرع من عيد شم النسيم، أو تقليد له.

لأجل ذلك رأيت تذكير إخواني المسلمين ببيان خطورة الاحتفال بمثل هذه الأعياد الكفرية على عقيدة المسلم.

منشأ عيد شم النسيم وقصته:

عيد شم النسيم من أعياد الفراعنة، ثم نقله عنهم بنو إسرائيل، ثم انتقل إلى الأقباط بعد ذلك، وصار في العصر الحاضر عيداً شعبياً يحتفل به كثير من أهل مصر من أقباط ومسلمين وغيرهم.

كانت أعياد الفراعنة ترتبط بالظواهر الفلكية، وعلاقتها بالطبيعة، ومظاهر الحياة؛ ولذلك احتفلوا بعيد الربيع الذي حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل.

ويقع في الخامس والعشرين من شهر برمهات -وكانوا يعتقدون- كما ورد في كتابهم المقدس عندهم – أن ذلك اليوم هو أول الزمان، أو بدء خلق العالم.

وأطلق الفراعنة على ذلك العيد اسم (عيد شموش) أي بعث الحياة، وحُرِّف الاسم على مر الزمن، وخاصة في العصر القبطي إلى اسم (شم) وأضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التي تعلن وصوله.

يرجع بدء احتفال الفراعنة بذلك العيد رسمياً إلى عام 2700 ق.م أي في أواخر الأسرة الفرعونية الثالثة، ولو أن بعض المؤرخين يؤكد أنه كان معروفاً ضمن أعياد هيليوبوليس ومدينة (أون) وكانوا يحتفلون به في عصر ما قبل الأسرات.

بين عيد الفصح وشم النسيم:

نقل بنو إسرائيل عيد شم النسيم عن الفراعنة لما خرجوا من مصر، وقد اتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال الفراعنة بعيدهم.

واحتفل بنو إسرائيل بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم، وأطلقوا عليه اسم عيد الفصح، والفصح كلمة عبرية معناها (الخروج) أو (العبور)، كما اعتبروا ذلك اليوم -أي يوم بدء الخلق عند الفراعنة- رأساً لسنتهم الدينية العبرية تيمناً بنجاتهم، وبدء حياتهم الجديدة.

وهكذا انتقل هذا العيد من الفراعنة إلى اليهود، ثم انتقل عيد الفصح من اليهود إلى النصارى وجعلوه موافقاً لما يزعمونه قيامة المسيح، ولما دخلت النصرانية مصر أصبح عيدهم يلازم عيد المصريين القدماء -الفراعنة- ويقع دائماً في اليوم التالي لعيد الفصح أو عيد القيامة.

كان الفراعنة يحتفلون بعيد شم النسيم؛ إذ يبدأ ليلته الأولى أو ليلة الرؤيا بالاحتفالات الدينية، ثم يتحول مع شروق الشمس إلى عيد شعبي تشترك فيه جميع طبقات الشعب كما كان فرعون، وكبار رجال الدولة يشاركون في هذا العيد.

من مظاهر الاحتفال به:

يخرج المحتفلون بعيد شم النسيم جماعات إلى الحدائق والحقول والمتنـزهات؛ ليكونوا في استقبال الشمس عند شروقها، وقد اعتادوا أن يحملوا معهم طعامهم وشرابهم، ويقضوا يومهم في الاحتفال بالعيد ابتداء من شروق الشمس حتى غروبها، وكانوا يحملون معهم أدوات لعبهم، ومعدات لهوهم، وآلات موسيقاهم، فتتزين الفتيات بعقود الياسمين (زهر الربيع)، ويحمل الأطفال سعف النخيل المزين بالألوان والزهور، فتقام حفلات الرقص الزوجي والجماعي على أنغام الناي والمزمار والقيثار، ودقات الدفوف، تصاحبها الأغاني والأناشيد الخاصة بعيد الربيع، كما تجري المباريات الرياضية والحفلات التمثيلية.

كما أن الاحتفال بالعيد يمتد بعد عودتهم من المزارع والمتنـزهات والأنهار إلى المدينة ليستمر حتى شروق الشمس سواء في المساكن حيث تقام حفلات الاستقبال، وتبادل التهنئة أو في الأحياء والميادين والأماكن العامة حيث تقام حفلات الترفيه والندوات الشعبية.

أطعمة هذا العيد:

كان لشم النسيم أطعمته التقليدية المفضلة، وما ارتبط بها من عادات وتقاليد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاحتفال بالعيد نفسه، والطابع المميز له والتي انتقلت من الفراعنة عبر العصور الطويلة إلى عصرنا الحاضر.

وتشمل قائمة الأطعمة المميزة لمائدة شم النسيم: (البيض - والفسيخ - والبصل - والخس - والملانة).

وقد أخذ كثير ممن يحتفلون بأعياد الربيع في دول الغرب والشرق كثيراً من مظاهر عيد شم النسيم ونقلوها في أعيادهم الربيعية.

بيض شم النسيم:

يعتبر البيض الملون مظهراً من مظاهر عيد شم النسيم، ومختلف أعياد الفصح والربيع في العالم أجمع، واصطلح الغربيون على تسمية البيض (بيضة الشرق).

بدأ ظهور البيض على مائدة أعياد الربيع –شم النسيم- مع بداية العيد الفرعوني نفسه أو عيد الخلق حيث كان البيض يرمز إلى خلق الحياة، كما ورد في متون كتاب الموتى وأناشيد (أخناتون الفرعوني).

وهكذا بدأ الاحتفال بأكل البيض كأحد الشعائر المقدسة التي ترمز لعيد الخلق، أو عيد شم النسيم عند الفراعنة.

أما فكرة نقش البيض وزخرفته، فقد ارتبطت بعقيدة قديمة أيضاً؛ إذ كان الفراعنة ينقشون على البيض الدعوات والأمنيات ويجمعونه أو يعلقونه في أشجار الحدائق حتى تتلقى بركات نور الإله عند شروقه –حسب زعمهم- فيحقق دعواتهم ويبدأون العيد بتبادل التحية (بدقة البيض)، وهي العادات التي ما زال أكثرها متوارثاً إلى الآن -نعوذ بالله من الضلال-.

أما عادة تلوين البيض بمختلف الألوان وهو التقليد المتبع في جميع أنحاء العالم، فقد بدأ في فلسطين بعد زعم النصارى صلب اليهود للمسيح -عليه السلام- الذي سبق موسم الاحتفال بالعيد، فأظهر النصارى رغبتهم في عدم الاحتفال بالعيد؛ حداداً على المسيح، وحتى لا يشاركون اليهود أفراحهم. ولكن أحد القديسين أمرهم بأن يحتفلوا بالعيد تخليداً لذكرى المسيح وقيامه، على أن يصبغوا البيض باللون الأحمر ليذكرهم دائماً بدمه الذي سفكه اليهود.

وهكذا ظهر بيض شم النسيم لأول مرة مصبوغاً باللون الأحمر، ثم انتقلت تلك العادة إلى مصر وحافظ عليه الأقباط بجانب ما توارثوه من الرموز والطلاسم والنقوش الفرعونية.

ومنهم انتقلت عبر البحر الأحمر إلى روما، وانتشرت في أنحاء العالم الغربي النصراني في أوربا وأمريكا، وقد تطورت تلك العادة إلى صباغة البيض بمختلف الألوان التي أصبحت الطابع المميز لأعياد شم النسيم والفصح والربيع حول العالم.

الفسيخ (السمك المملح):

ظهر الفسيخ، أو السمك المملح من بين الأطعمة التقليدية في العيد في الأسرة الفرعونية الخامسة عندما بدأ الاهتمام بتقديس النيل: نهر الحياة، (الإله حعبى) عند الفراعنة الذي ورد في متونه المقدسة عندهم أن الحياة في الأرض بدأت في الماء ويعبر عنها بالسمك الذي تحمله مياه النيل من الجنة حيث ينبع -حسب زعمهم-.

وقد كان للفراعنة عناية بحفظ الأسماك، وتجفيفها وتمليحها وصناعة الفسيخ والملوحة واستخراج البطارخ –كما ذكر هيرودوث [هو مؤرخ إغريقي اعتنى بتواريخ الفراعنة والفرس، وفاته كانت 425 قبل الميلاد كما في (الموسوعة العربية الميسرة، 2/1926)] فقال عنهم:"إنهم كانوا يأكلون السمك المملح في أعيادهم، ويرون أن أكله مفيد في وقت معين من السنة، وكانوا يفضلون نوعاً معيناً لتمليحه وحفظه للعيد، أطلقوا عليه اسم (بور) وهو الاسم الذي حور في اللغة القبطية إلى (يور) وما زال يطلق عليه حتى الآن.

بصل شم النسيم:

ظهر البصل ضمن أطعمة عيد شم النسيم في أواسط الأسرة الفرعونية السادسة وقد ارتبط ظهوره بما ورد في إحدى أساطير منف القديمة التي تروى أن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد، وكان محبوباً من الشعب، وقد أصيب الأمير الصغير بمرض غامض عجز الأطباء والكهنة والسحرة عن علاجه، وأقعد الأمير الصغير عن الحركة، ولازم الفراش عدة سنوات، امتُنِع خلالها عن إقامة الأفراح والاحتفال بالعيد مشاركة للملك في أحزانه.

وكان أطفال المدينة يقدمون القرابين للإله في المعابد في مختلف المناسبات ليشفى أميرهم، واستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون، فنسب مرض الأمير الطفل إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه، وتشل حركته بفعل السحر.

وأمر الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من ثمار البصل تحت رأس الأمير في فراش نومه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ، ثم شقها عند شروق الشمس في الفجر ووضعها فوق أنفه ليستنشق عصيرها.

كما طلب منهم تعليق حزم من أعواد البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرفة وبوابات القصر لطرد الأرواح الشريرة.

وتشرح الأسطورة كيف تمت المعجزة وغادر الطفل فراشه، وخرج ليلعب في الحديقة وقد شفى من مرضه الذي يئس الطب من علاجه، فأقام الملك الأفراح في القصر لأطفال المدينة بأكملها، وشارك الشعب في القصر في أفراحه، ولما حل عيد شم النسيم بعد أفراح القصر بعدة أيام قام الملك وعائلته، وكبار رجال الدولة بمشاركة الناس في العيد، كما قام الناس –إعلاناً منهم للتهنئة بشفاء الأمير- بتعليق حزم البصل على أبواب دورهم، كما احتل البصل الأخضر مكانه على مائدة شم النسيم بجانب البيض والفسيخ.

ومما هو جدير بالذكر أن تلك العادات التي ارتبطت بتلك الأسطورة القديمة سواء من عادة وضع البصل تحت وسادة الأطفال، وتنشيقهم لعصيره، أو تعليق حزم البصل على أبواب المساكن أو الغرف أو أكل البصل الأخضر نفسه مع البيض والفسيخ ما زالت من العادات والتقاليد المتبعة إلى الآن في مصر وفي بعض الدول التي تحتفل بعيد شم النسيم أو أعياد الربيع.

خس شم النسيم:

كان الخس من النباتات التي تعلن عن حلول الربيع باكتمال نموها ونضجها، وقد عرف ابتداء من الأسرة الفرعونية الرابعة حيث ظهرت صوره من سلال القرابين التي يقربونها لآلتهم من دون الله -تعالى- بورقه الأخضر الطويل وعلى موائد الاحتفال بالعيد، وكان يسمى الهيروغليفية (حب) كما اعتبره الفراعنة من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود (من) إله التناسل، ويوجد رسمه منقوشاً دائماً تحت أقدام الإله في معابده ورسومه –تعالى الله عن إفكهم وشركهم-.

حمس شم النسيم:

هي ثمرة الحمص الأخضر، وأطلق عليه الفراعنة اسم (حور –بيك) أي رأس الصقر لشكل الثمرة التي تشبه رأس حور الصقر المقدس عندهم.

وكان للحمص -كما للخس- الكثير من الفوائد والمزايا التي ورد ذكرها في بردياتهم الطبية.

وكانوا يعتبرون نضج الثمرة وامتلاءها إعلاناً عن ميلاد الربيع، وهو ما أخذ منه اسم الملانة أو الملآنة.

وكانت الفتيات يصنعن من حبات الملانة الخضراء عقوداً، وأساور يتزين بها في الاحتفالات بالعيد، كما يقمن باستعمالها في زينة الحوائط ونوافذ المنازل في الحفلات المنـزلية.

ومن بين تقاليد شم النسيم الفرعونية القديمة التزين بعقود زهور الياسمين وهو محرف من الاسم الفرعوني القديم (ياسمون) وكانوا يصفون الياسمين بأنه عطر الطبيعة التي تستقبل به الربيع، وكانوا يستخرجون منه في موسم الربيع عطور الزينة وزيت البخور الذي يقدم ضمن قرابين المعابد عند الاحتفال بالعيد. [انظر: هذه المعلومات وغيرها في: موسوعة أغرب الأعياد وأعجب الاحتفالات لسيد صديق عبد الفتاح (516-526)، وأعياد مصر بين الماضي والحاضر للدكتور سعيد محمد حسن الملط (19-22)].

حكم الاحتفال بعيد شم النسيم:

مما سبق عرضه في قصة نشأة هذا العيد وأصله ومظاهره قديماً وحديثاً يتبين ما يلي:

أولاً: أن أصل هذا العيد فرعوني، كانت الأمة الفرعونية الوثنية تحتفل به ثم انتقل إلى بني إسرائيل بمخالطتهم للفراعنة، فأخذوه عنهم، ومنهم انتقل إلى النصارى، وحافظ عليه الأقباط –ولا يزالون-.
فالاحتفال به فيه مشابهة للأمة الفرعونية في شعائرها الوثنية؛ إن هذا العيد شعيرة من شعائرهم المرتبطة بدينهم الوثني، والله تعالى حذرنا من الشرك ودواعيه وما يفضي إليه؛ كما قال سبحانه مخاطباً رسوله –صلى الله عليه وسلم-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿65﴾ بَلِ اللَّـهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65-66]، ولقد قضى الله سبحانه -وهو أحكم الحاكمين- بأن من مات على الشرك فهو مخلد في النار؛ كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].

ثانياً: أن اسم هذا العيد ومظاهره وشعائره من بيض مصبوغ أو منقوش وفسيخ (سمك مملح) وبصل وخس وغيرها هي عين ما كان موجوداً عند الفراعنة الوثنين،ولها ارتباط بعقائد فاسدة كاعتقادهم في البصل إذا وضع تحت الوسادة أو علق على الباب أو ما شابه ذلك فإنه يشفي من الأمراض ويطرد الجان كما حصل في الأسطورة الفرعونية، ومن فعل ذلك فهو يقتدي بالفراعنة في خصيصة من خصائص دينهم الوثني، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم» [رواه أحمد (3/50) وأبو داود (5021)، وصححه الألباني].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم" أ.هـ (الاقتضاء 1/314).

وقال الصنعاني -رحمه الله تعالى-: "فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر، فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء: منهم من قال: يكفر، وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب" (سبل السلام، 8/248).

وهذه الاعتقادات التي يعتقدونها في طعام عيد شم النسيم وبيضه وبصله مناقضة لعقيدة المسلم، فكيف إذا انضم إلى ذلك أنها مأخوذة من عباد الأوثان الفراعنة؟... لا شك أن حرمتها أشد؛ لأنها جمعت بين الوقوع في الاعتقاد الباطل وبين التشبه المذموم.

ثالثاً: ذكر الشيخ الأزهري علي محفوظ رحمه الله تعالى -عضو هيئة كبار العلماء في وقته في مصر- بعض ما شاهده من مظاهر هذا العيد، وما يجري فيه من فسوق وفجور فقال -رحمه الله تعالى-: "وناهيك ما يكون من الناس من البدع والمنكرات والخروج عن حدود الدين والأدب في يوم شم النسيم، وما أدراك ما شم النسيم؟ هو عادة ابتدعها أهل الأوثان لتقديس بعض الأيام تفاؤلاً به أو تزلفاً لما كانوا يعبدون من دون الله، فعمرت آلافاً من السنين حتى عمت المشرقين، واشترك فيها العظيم والحقير، والصغير والكبير.."، إلى أن قال: "فهل هذا اليوم -يوم شم النسيم- في مجتمعاتنا الشرعية التي تعود علينا بالخير والرحمة؟ كلا، وحسبك أن تنظر في الأمصار بل القرى فترى في ذلك اليوم ما يزري بالفضيلة، ويخجل معه وجه الحياء من منكرات تخالف الدين، وسوءات تجرح الذوق السليم، وينقبض لها صدر الإنسانية.

الرياضة واستنشاق الهواء، ومشاهدة الأزهار من ضرورات الحياة في كل آن لا في ذلك اليوم الذي تمتلئ فيه المزارع والخلوات بجماعات الفجار وفاسدي الأخلاق، فتسربت إليها المفاسد، وعمتها الدنايا، فصارت سوقاً للفسوق والعصيان، ومرتعاً لإراقة الحياء، وهتك الحجاب، نعم، لا تمر بمزرعة أو طريق إلا وترى فيه ما يخجل كل شريف، ويؤلم كل حي، فأجدر به أن يسمى يوم الشؤم والفجور!!

ترى المركبات والسيارات تتكدس بجماعات عاطلين يموج بعضهم في بعض بين شيب وشبان ونساء وولدان ينـزحون إلى البساتين والأنهار، ترى السفن فوق الماء مملوءة بالشبان يفسقون بالنساء على ظهر الماء، ويفرطون في تناول المسكرات، وارتكاب المخازي، فاتبعوا خطوات الشيطان في السوء والفحشاء في البر والبحر، وأضاعوا ثمرة الاجتماع فكان شراً على شر، ووبالاً على وبال.

تراهم ينطقون بما تصان الأذان عن سماعه، ويخاطبون المارة كما يشاؤون من قبيح الألفاظ، وبذيء العبارات؛ كأن هذا اليوم قد أبيحت لهم فيه جميع الخبائث، وارتفع عنهم فيه حواجز التكليف {أُولَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة المجادلة: 19].

فعلى من يريد السلامة في دينه وعرضه أن يحتجب في بيته في ذلك اليوم المشؤوم، ويمنع عياله وأهله، وكل من تحت ولايته عن الخروج فيه حتى لا يشارك اليهود والنصارى في مراسمهم، والفاسقين الفاجرين في أماكنهم، ويظفر بإحسان الله ورحمته" أ.هـ من (الإبداع في مضار الابتداع، 275-276).

رابعاً: ظهر من كلام الشيخ علي محفوظ الآنف الذكر، وكلام من نقلنا عنهم في مظاهر هذا العيد الوثني الفرعوني، أنه عيد ينضح بالفجور والفسوق، ويطفح بالشهوات والموبقات، وكل من كتب عن هذا العيد من المعاصرين -فيما وقفت عليه من مصادر- يذكرون ما فيه من اختلاط، وتهتك في اللباس، وعلاقات محرمة بين الجنسين، ورقص ومجون، إضافة إلى المزامير والطبول وما شاكلها من آلات اللهو، فيكون قد أنضاف إليه مع كونه تشبهاً بالوثنيين في شعائرهم جملة من مظاهر الفسق والفجور كافية في التنفير عنه، والتحذير منه.

موقف المسلم من عيد شم النسيم:

من عرضنا السابق لأصل هذا العيد ونشأته ومظاهره وشعائره فإنه يمكن تلخيص ما يجب على المسلم في الآتي:

أولاً: عدم الاحتفال به، أو مشاركة المحتفلين به في احتفالهم، أو حضور الاحتفال به؛ وذلك لما فيه من التشبه بالفراعنة الوثنيين ثم باليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يخصهم محرم فكيف بالتشبه بهم في شعائرهم؟!

قال الحافظ الذهبي –رحمه الله-: "فإذا كان للنصارى عيد ولليهود عيد كانوا مختصين به فلا يشركهم فيه مسلم كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم" أ.هـ من (تشبه الخسيس بأهل الخميس ،رسالة منشورة في مجلة الحكمة 4/193).

ثانياً: عدم إعانة من يحتفل به من الكفار أقباطاً كانوا أم يهوداً أم غيرهم بأي نوع من أنواع الإعانة، كالإهداء لهم، أو الإعلان عن وقت هذا العيد أو مراسيمه أو مكان الاحتفال به، أو إعارة ما يعين على إقامته، أو بيع ذلك لهم، فكل ذلك محرم؛ لأن فيه إعانة على ظهور شعائر الكفر وإعلانها، فمن أعانهم على ذلك فكأنه يقرهم عليه، ولهذا حرم ذلك كله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نار ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة، وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام" (مجموع الفتاوى 25/329).

وقال ابن التركماني الحنفي -رحمه الله-: "فيأثم المسلم بمجالسته لهم وبإعانته لهم بذبح وطبخ وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم" (اللمع في الحوادث والبدع (2/519-520).

وقد أحسن الشيخ محفوظ -رحمه الله- حينما أوصى كل مسلم في بلاد يحتفل بهذا العيد فيها أن يلزم بيته، ويحبس أهله وأولاده عن المشاركة في مظاهر هذا العيد واحتفالاته.

ثالثاً: الإنكار على من يحتفل به من المسلمين، ومقاطعته في الله تعالى إذا صنع دعوة لأجل هذا العيد، وهجره إذا اقتضت المصلحة ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم في ذلك؛ بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر" (الاقتضاء 2/519-520).

وبناء على ما قرره شيخ الإسلام فإنه لا يجوز للتجار المصريين من المسلمين أو في أي بلاد يحتفل فيها بشم النسيم أن يتاجروا بالهدايا الخاصة بهذا العيد من بيض منقوش، أو مصبوغ مخصص لهذا العيد، أو سمك مملح لأجله، أو بطاقات تهنئة به، أو غير ذلك مما هو مختص به؛ لأن المتاجرة بذلك فيها إعانة على المنكر الذي لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم-. كما لا يحل لمن أهديت له هدية هذا العيد أن يقبلها؛ لأن في قبولها إقراراً لهذا العيد، ورضاً به.

ولا يعني ذلك الحكم بحرمة بيع البيض أو السمك أو البصل أو غيره مما أحله الله تعالى، وإنما الممنوع بيع ما خصص لهذا العيد بصبغ أو نقش أو تمليح أو ما شابه ذلك، ولكن لو كان المسلم يتاجر ببعض هذه الأطعمة، ولم يخصصها لهذا العيد لا بالدعاية، ولا بوضع ما يرغب زبائن هذا العيد فيها فلا يظهر حرج في بيعها ولو كان المشترون منه يضعونها لهذا العيد.

رابعاً: عدم تبادل التهاني بعيد شم النسيم؛ لأنه عيد للفراعنة ولمن تبعهم من اليهود والنصارى، وليس عيداً للمسلمين، وإذا هنئ المسلم به فلا يرد التهنئة، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل: أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنـزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك وهو لا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" أ.هـ (أحكام أهل الذمة 1/441-442).

خامساً: توضيح حقيقة عيد شم النسيم وأمثاله من الأعياد التي عمت وطمت في هذا الزمن، وبيان حكم الاحتفال بها لمن اغتر بذلك من المسلمين، والتأكيد على ضرورة تميز المسلم بدينه، ومحافظته على عقيدته، وتذكيره بمخاطر التشبه بالكفار في شعائرهم الدينية كالأعياد، أو بما يختصون به من سلوكياتهم وعاداتهم؛ نصحاً للأمة، وأداءً لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بإقامته صلاح البلاد والعباد.

والواجب على علماء مصر أن يحذروا المسلمين من مغبة الاحتفال بعيد شم النسيم، أو مشاركة المحتفلين به، أو إعانتهم بأي نوع من أنواع الإعانة على إقامته، وحث الناس على إنكاره ورفضه؛ لئلا يكون الدين غريباً بين المسلمين.

وقد لاحظت أن كثيراً من إخواننا المسلمين في مصر يحتفلون بهذا العيد ولا يعرفون حقيقته وأصله، وحكم الاحتفال به، وبعضهم يعرف حقيقته، ولكنهم يقللون من خطورة الاحتفال به ظناً منهم أنه أصبح عادة وليس عبادة، وحجتهم أنهم لا يعتقدون فيه ما يعتقده الفراعنة أو اليهود والنصارى، وهذا فهم خاطئ فإن التشبه في شعائر الدين يؤدي إلى الكفر سواء اعتقد المتشبه بالكفار في هذه الشعيرة ما يعتقدون فيها أم لم يعتقد؟

بخلاف التشبه فيما يختصون به من السلوكيات والعادات فهو أخف بكثير، ولا سيما إذا انتشرت بين الناس ولم تعد خاصة بهم، وكثير من الناس لا يفرق بين الأمرين.

ولذا فإننا نرى المسلم يأنف من لبس الصليب؛ لأنه شعار النصارى الديني بينما نراه يحتفل بأعيادهم أو يشارك المحتفلين بها، وهذا مثل هذا إن لم يكن أعظم، لأن الأعياد من أعظم الشعائر التي تختص بها الأمم.

وكون عيد شم النسيم تحول إلى عادة كما يقوله كثير من المحتفلين به وهم لا يعتقدون فيه ما يعتقده أهل الديانات الأخرى لا يبيح الاحتفال به؛ ودليل ذلك ما رواه ثابت بن الضحاك –رضي الله عنه- قال: «نذر رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينحر إبلاً ببوانه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟»، قالوا: "لا"، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟»، قالوا: "لا"، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» [رواه أبو داود (3313) وصححه شيخ الإسلام في الاقتضاء (1/436) والحافظ في البلوغ (1405)، وصححه الألباني].

فيلاحظ في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر أصل البقعة، ولم يلتفت إلى نية هذا الرجل في اختيار هذه البقعة بعينها، ولا سأله عن ذبحه لمن يكون: أهو لله -تعالى- أم للبقعة، لأن ذلك ظاهر واضح، وإنما سأله النبي –صلى الله عليه وسلم- عن تاريخ هذه البقعة: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ وهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فلما أجيب بالنفي أجاز الذبح فيها لله تعالى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذا يقتضي أن كون البقعة مكاناً لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام ولا حسن الاستفصال، ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو نفس الفعل أو زمانه،.. وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذوراً فكيف نفس عيدهم؟"أ.هـ (الاقتضاء 1/443).

قلت: وعيد شم النسيم ليس في زمان العيد ومكانه فحسب، بل هو العيد الوثني الفرعوني عينه في زمانه وشعائره ومظاهر الاحتفال به، فحرم الاحتفال به دون النظر إلى نية المحتفل به وقصده، كما يدل عليه هذا الحديث العظيم.

فالواجب على المسلم الحذر مما يخدش إيمانه، أو يخل بتوحيده، وتحذير الناس من ذلك.

أسأل الله تعالى أن يحفظني والمسلمين من موجبات سخطه، وأن يمنَّ علينا بالتقوى والإخلاص في الأقوال والأعمال.

والحمد لله رب العالمين

شم النسيم بدعة فرعونية يهودية نصرانية

شم النسيم بدعة فرعونية يهودية نصرانية

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 05 - 04 - 2010
نقلا عن : أحمد يحيى - موقع صوت السلف





الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيسعى أعداء الإسلام بكل ما يستطيعون إلى طمس الهوية الإسلامية بطمس معالمها كالعقيدة السلفية والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، وإحلال هويات باطلة بدلاً منها، سواء كانت يهودية أو نصرانية، أو قومية أو وطنية، أو غربية أو فرعونية.
وقد أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالمجاهرة بالحق والإعراض عن المشركين في قوله -تعالى-: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94)، وزكى الله المؤمنين بإعراضهم عن اللغو والزور في قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان:72).
قال ابن كثير -رحمه الله-:
"وهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن، أنهم: (لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)؛ قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام. وقيل: الكذب والفسق واللغو والباطل. وقال محمد بن الحنفية: هو اللهو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس ومحمد بن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين. وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا. وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر؛ لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر). وقيل: المراد بقوله -تعالى-: (لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بَكْرَة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا أنبئكم بأكْبر الكبائر) ثلاثًا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (الشرك بالله، وعقوق الوالدين)، وكان متكئًا فجلس، فقال: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور). فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت.
والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه؛ ولهذا قال: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مرُّوا، ولم يتدنسوا منه بشيء؛ ولهذا قال: (مَرُّوا كِرَامًا). (تفسير ابن كثير: 6/130).
وكلام ابن كثير -رحمه الله- واضح في أن الآية تعم كل مجالس الشرك والفسق والبدعة، إذ لا تنافي بين هذه الأقوال.
وهذه التزكية من الله -تعالى- كافية في تذكير المسلم بتميز هويته عن هوية غيره من أهل الملل الباطلة، ولكن وجد من أبناء المسلمين من نسي تفضيل الله -تعالى- له؛ فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فأخذ بعض ما عند اليهود والنصارى مما يعتبرونه من شعائرهم ومقدساتهم، وقد صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: (تَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ). قالوا: يا رسول الله؛ اليهود والنصارى؟ قال: (فَمَنْ؟) (متفق عليه).
يقول المستشرق شاتليه: "وإذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتكسروا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضتْ على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانتْ السبب الأول والرئيس لعزة المسلمين وشموخهم وسيادتهم وغزوهم للعالم؛ فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب في قطعها أحد أغصانها".
هكذا ينظرون إلينا وهذا ما يريدون منا!!
ومن أعظم ما يستخدمونه لطمس الهوية الإسلامية ما يحاولون نشره بين المسلمين من أعياد مبتدعة، تحت مسمى القومية والوطنية والفرعونية، مثل عيد "شم النسيم" الذي ينتظره المسلمون على أهبة الاستعداد والإعداد؛ ليحتفلوا به كاحتفالهم بعيد الأضحى أو أشد.
أصل عيد شم النسيم:
عيد شم النسيم من أعياد الفراعنة، ثم نقله عنهم بنو إسرائيل، ثم انتقل إلى الأقباط بعد ذلك، وصار في العصر الحاضر عيدًا شعبيًا يحتفل به كثير من أهل مصر من نصارى ومسلمين وغيرهم، ويقع في الخامس والعشرين من شهر برمهات، وكانوا يعتقدون -كما ورد في كتابهم المقدس عندهم- أن ذلك اليوم هو أول الزمان، أو بدء خلق العالم.
وأطلق الفراعنة على ذلك العيد اسم "عيد شموش" أي بعث الحياة، وحُرِّف الاسم على مر الزمن، وخاصة في العصر القبطي إلى اسم "شم" وأضيفت إليه كلمة النسيم نسبة إلى نسمة الربيع التي تعلن وصوله.
يرجع بدء احتفال الفراعنة بذلك العيد رسمياً إلى عام "2700 ق.م" أي في أواخر الأسرة الفرعونية الثالثة، ولو أن بعض المؤرخين يؤكد أنه كان معروفاً ضمن أعياد هيليوبوليس ومدينة "أون"، وكانوا يحتفلون به في عصر ما قبل الأسرات.
انتقال شم النسيم من الفراعنة إلى اليهود ثم إلى النصارى:
نقل بنو إسرائيل عيد شم النسيم عن الفراعنة لما خرجوا من مصر، وقد اتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال الفراعنة بعيدهم.
واحتفل بنو إسرائيل بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم، وأطلقوا عليه اسم عيد الفصح، والفصح كلمة عبرية معناها الخروج، كما اعتبروا ذلك اليوم رأسًا لسنتهم الدينية العبرية؛ تيمناً بنجاتهم وبدء حياتهم الجديدة.
وهكذا انتقل هذا العيد من الفراعنة إلى اليهود، ثم انتقل عيد الفصح من اليهود إلى النصارى وجعلوه موافقاً لما يزعمونه من قيامة المسيح، ولما دخلت النصرانية مصر أصبح عيدهم يلازم عيد المصريين القدماء -الفراعنة-، ويقع دائمًا في اليوم التالي لعيد الفصح أو عيد القيامة.
علاقة شم النسيم بالعقيدة النصرانية:
تبدأ شعائر النصارى بالصوم الكبير ويستمر أربعين يومًا تبدأ بأربعاء يسمونه أربعاء الرماد؛ حيث يضعون الرماد على جباه الحاضرين ويرددون: "من التراب نبدأ وإليه نعود"، ثم بعد تمام الأربعين خمسون يوماً تنتهي بعيد الخمسين أو العنصرة، ثم أسبوع الآلام، وهـو آخر أسبوع في فترة الصوم، ويشير إلى الأحداث التي قادت إلى صلب المسيح -عليه السلام- وقيامته -كما يزعمون-.
يبدأ أسبوع الآلام بأحد السعف؛ وهو يوم الأحد الذي يسبق أحد الفصح، وهو إحياء ذكرى دخول المسيح بيت المقدس ظافرًا، ويسمى أيضًا "أحد الشعانين" و"أحد السعانين" و"أحد الأغصان"، يتلوه خميس العهد أو الصعود، ويشير إلى العشاء الأخير للمسيح واعتقاله وسجنه، ثم الجمعة الحزينة؛ وهي السابقة لعيد الفصح، وتشير إلى موت المسيح على الصليب -حسب زعمهم-، ثم سبت النور؛ وهو يوم الانتظار وترقب قيام المسيح أحد عيد الفصح، والذي يتبعه مباشرة الاحتفال بشم النسيم يوم الاثنين بعده.
وكما ترى فعيد شم النسيم لا يكون إلا يوم الاثنين بسبب ارتباطه الوثيق بالشعائر النصرانية الوثنية، التي يزعمون فيها صلب المسيح الذي يعتقدون أنه ابن الله ثم قيامته يوم الأحد الذي يسبق شم النسيم.
قال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً . أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً . وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً . إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:88-95).
حكم الاحتفال بعيد شم النسيم:
1- شم النسيم عيد فرعوني، ثم يهودي، ثم نصراني؛ فكيف يسوغ لمسلم أن يتشبه بكل هؤلاء مع علمه بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التشبه بغير المسلمين بقوله: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)". "اقتضاء الصراط المستقيم 1/314".
وقد كان من صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- مخالفة أهل الكتاب، كما جاء في صحيح مسلم من أن اليهود قالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئًا من أمرنا إلا خالفنا فيه.
قال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم مهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك؛ حشر معهم يوم القيامة". "السنن الكبرى للبيهقي 9/234".
2- يحتفل النصارى بهذا العيد بعد احتفالهم بميلاد الرب -الذي يزعمون أنه المسيح عليه السلام- ثم موت الرب على الصليب، ثم دفن الرب في القبر، ثم قيامة الرب بعد ثلاثة أيام، فإذا كانت هذه الشعائر والمعتقدات لا يجوز لمسلم أن يشارك النصارى فيها؛ فكيف يجوز له أن يشاركهم فيما بني عليها؟
قال الذهبي -رحمه الله-: "فإذا كان للنصارى عيد ولليهود عيد كانوا مختصين به؛ فلا يشاركهم فيه مسلم كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم". "تشبه الخسيس بأهل الخميس، مجلة الحكمة عدد4 ص193".
3- نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، فعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال: نذر رجل على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟) قالوا: لا. قال: (هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟) قالوا: لا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فعد النبي -صلى الله عليه وسلم- الذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله معصية، ولم يلتفت إلى نية الرجل؛ فما بالك بمشاركة من يعبدون غير الله في احتفالاتهم بأعيادهم، سواء كانت فرعونية أو يهودية أو نصرانية؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذا يقتضي أن كون البقعة مكاناً لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام ولا حسن الاستفصال، ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو نفس الفعل أو زمانه... وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورًا فكيف نفس عيدهم؟!". "اقتضاء الصراط المستقيم 1/443".
وقال ابن التركماني الحنفي -رحمه الله-: "فيأثم المسلم بمجالسته لهم، وبإعانته لهم بذبح وطبخ وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم". "اللمع في الحوادث والبدع 2/519".
4- لا يجوز تخصيص يوم من أيام السنة لإقامة عيد مبتدع فيه، فالأعياد في الإسلام من العبادات التي لا تشرع إلا بدليل، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم؛ لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نار ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة، وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام". "مجموع الفتاوى 25/329".
وقال -رحمه الله-: "وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم في ذلك؛ بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تـُجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر". "اقتضاء الصراط المستقيم 2/519".
6- قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنـزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه". "أحكام أهل الذمة 1/441".
7- قال الشيخ علي محفوظ -رحمه الله-: "وناهيك ما يكون من الناس من البدع والمنكرات والخروج عن حدود الدين والأدب في يوم شم النسيم، وما أدراك ما شم النسيم؟ هو عادة ابتدعها أهل الأوثان لتقديس بعض الأيام تفاؤلاً به أو تزلفاً لما كانوا يعبدون من دون الله، فعمرت آلافاً من السنين حتى عمت المشرقين، واشترك فيها العظيم والحقير، والصغير والكبير.." إلى أن قال: "فهل هذا اليوم -يوم شم النسيم- في مجتمعاتنا الشرعية التي تعود علينا بالخير والرحمة؟ كلا، وحسبك أن تنظر في الأمصار بل القرى، فترى في ذلك اليوم ما يُزري بالفضيلة، ويخجل معه وجه الحياء من منكرات تخالف الدين، وسوءات تجرح الذوق السليم، وينقبض لها صدر الإنسانية".
ثم قال: "فعلى من يريد السلامة في دينه وعرضه أن يحتجب في بيته في ذلك اليوم المشؤوم، ويمنع عياله وأهله وكل من تحت ولايته عن الخروج فيه حتى لا يشارك اليهود والنصارى في مراسمهم، والفاسقين الفاجرين في أماكنهم، ويظفر بإحسان الله ورحمته". "الإبداع في مضار الابتداع 276-277".
8- قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "تهنئة الكفار بعيد "الكريسميس" أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيّم -رحمه الله- في كتابه "أحكام أهل الذمة"، حيث قال: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلِمَ قائله من الكفر فهو من المحرّمات، وهو بمنزلة أن يُهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشدّ مَـقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدِّين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّـأ عبد بمعصية أو بدعة أو كـُـفْرٍ فقد تعرّض لِمقت الله وسخطه. انتهى كلامه -رحمه الله-.
وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حرامًا وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم؛ لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورِضىً به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يَحرم على المسلم أن يَرضى بشعائر الكفر أو يُهنئ بها غيره؛ لأن الله -تعالى- لا يرضى بذلك، كما قال -تعالى-: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر:7)، وقال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3).
وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا، وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نُجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله -تعالى-؛ لأنها إما أعياد مبتدعة في دينهم، وإما مشروعة لكن نـُسِخت بدين الإسلام الذي بَعَث الله به محمداً -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الخلق، وقال فيه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).
وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يَحرم على المسلمين التّشبّه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا، أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تشبّه بقوم فهو منهم). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم": مُشابهتهم في بعض أعيادهم تـُوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه -رحمه الله-.
ومَنْ فَعَل شيئا من ذلك فهو آثم، سواء فَعَلَه مُجاملة أو تَودّداً أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المُداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بِدينهم.
والله المسؤول أن يُعزّ المسلمين بِدِينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم. إنه قويٌّ عزيز". "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 3/44-46".
وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين.
مراجع للبحث:
اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
أحكام أهل الذمة، للإمام ابن القيم.
أعياد الكفار وموقف المسلم منها، لإبراهيم بن محمد الحقيل.
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

شالوم عليهم بالمقلوب

شالوم عليهم بالمقلوب

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ : : 07 - 04 - 2010
نقلا عن : ثروت الخرباوي - المصريون



سأكتب ما حدث بالعكس .... أي أنني بالعربي الفصيح سأقلب الصورة وأضع العفريتة أو النيجاتيف بدلاً منها مع إحداث بعض التغييرات ، لذلك فإنني سأحكى لكم حكاية خيالية لم تحدث ـ ولا أظن أنها ستحدث ـ عن مجموعة من الشباب الفلسطيني الغض قليل الخبرة ممن تحركهم الحمية ولا تقعدهم المخاطر .... لم يعتركوا الحياة ولم تحنكهم التجارب ولم ينالوا نصيبا من حكمة الشيوخ .... وجدوا بلادهم واقعة في الأسر الصهيوني البغيض ، ورأوا الطائرات والصواريخ والقنابل والدبابات الكريهة تنسف أحلامهم وتقضي على أهلهم بحيث لا تفرق بين طفل رضيع وامرأة ضعيفة وشيخ عجوز بلغ من الكبر عتيا ، أصابهم من احتلال الصهاينة لبلادهم ألم نفسي تنوء بحمله الجبال الرواسي ، وفتت أكبادهم ذلك الظلم الدولي الذي يكيل بمكيالين بحيث ينتصر للمحتل الآثم ويقذف حممه على المأسور الواقع تحت نير الاحتلال ، وعندما بلغ غضب هؤلاء الشباب منتهاه كما يبلغ السيل الزبى ويبلغ الماء الربى ، تناسوا المحذور فوقعوا في المحظور وكان ذلك بأن توجهوا إلى المعبد اليهودي الكبير في فلسطين المحتلة والذي أقامه الصهاينة على أنقاض مسجد كبير يقع في مدينة " تل الربيع " التي أطلقوا عليها بعد احتلالها " تل أبيب " وقتلوا الحاخام وتعدوا على اليهود الصهاينة المحتلين أثناء قيامهم بمناسكهم فأحدثوا بهم إصابات خطيرة وأحدثوا تخريبا كبيرا في المعبد بحيث كاد أن ينقض ويصبح أثرا بعد عين ـ لاحظ أن الاعتداء والقتل والتخريب وقع على مجموعة من المستعمرين أقاموا معبدهم في دولة احتلوها على أنقاض مسجد هدموه ـ ما علينا .. نعود مرة أخرى إلى المقالة .. ترى ما هو رد فعل العالم المتمدين الذي يقبع في حضن أمريكا ويشرب نخب الحرية مع الدلوعة إسرائيل ؟ "



وهنا أطالب كل واحد منكم بأن يعدل النيجاتيف جيدا حتى يعرف على وجه الدقة ردود أفعال هذا العالم الحر على هذا الإعتداء الذي وقع من شباب يرسفون تحت قيد الإحتلال على معبد يهودي أقيم على أطلال مسجد " .. بعد هنيهة من التعدي قد تصل إلى الفيمتو ثانية سيطل علينا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من خلال قنوات فضائية عربية تليدة ، وسيقف ممسكا بميكرفونه الأثير متحدثا عبر الأثير لكي يعرب عن رفضه التام لما حدث ويتوعد من ارتكب الحادث بالعقاب الشديد .. وبعد أن يتنحنح نحنحته الشهيرة سيقول هو يسبل عينيه وبراءة الأطفال تنضح من جبينه " إن حماس هي المسئولة وأنه سبق وأن أخبر مصر والسعودية والأردن بأنه لا جدوى من الدخول مع تلك المنظمة الإرهابية في مفاوضات حيث يجب ان تُجتث من جذورها " وبعد ساعات من الحادث ستقوم وزارة الخارجية المصرية بإصدار بيان تأسف فيه لما حدث وتقول إن هؤلاء الشباب يتبعون منظمة إرهابية هي حماس ــ أو حركة الجهاد الإسلامي ـ التي لم تتعلم من دروس الماضي ومازالت تصر على المقاومة التي ستكلف الشعب الفلسطيني الكثير ..



وسيذكر بيان الخارجية المصرية ان الرئيس المصري بحكمته ما انفك في كل الأوقات يحذر من هذه الأفعال ويطالب الفلسطينيين بضبط النفس كما أنه سبق وأن أرسل الوزير عمر سليمان في مهام مكوكية لكبح جماح تلك المقاومة غير المسئولة ولكنهم لا يسمعون الكلام وهاهي النتيجة التي طالما حذر منها الرئيس حيث تم التعدي على مجموعة من اليهود المدنيين الذين يعبدون الله في معبدهم وأن هذا التخريب المتعمد للمعبد يخالف كل الأعراف الإنسانية والدينية لذلك فإن الخارجية المصرية تشجب وبشدة هذا الاعتداء الآثم ...




وقطعا ستعرب الخارجية المصرية عن عميق أسفها لما حدث ، وفي اليوم التالي ستصدر الحكومة المصرية قرارا بغلق المعابر بين مصر وغزة ردا على هذا الإعتداء غير المسئول ،، وعلى الفور أعربت القيادات الإسرائيلية عن رفضها لما حدث وشجبها لبيان وزارة الخارجية المصرية الذي اكتفى بالأسف والشجب ــ سنتحدث بصيغة الماضي ــ ولم يفعل إلا غلق المعابر وهو قرار لا يشفي غليل الحكومة الإسرائيلية ـ وكلها غليل ـ وأعلن الكنيست الإسرائيلي بعد جلسة طارئة أن الدم الإسرائيلي دم نقي إذ أنه من فصيلة "O" النادرة ولذلك فإنه لن يضيع هدراً وستقوم دولة إسرائيل التي تمثل شعب الله المختار بالقصاص من القتلة أعداء التوراة والتلمود الذين تعدوا على معبد مقدس على رأسه ريشة السامية ، وتأكيداً على ذلك قام الجيش الإسرائيلي بقصف مدينة غزة وتدمير عشر بنايات سكنية ومدرسة أطفال ومستشفى فلسطينية إنتقاما لمصرع الحاخام اليهودي وإصابة عشرات الإسرائيليين أحباب الله ، وقد نجم عن هذا القصف مقتل المئات من الفلسطينيين المدنيين الآمنين ونقلت قناة الجزيرة صورة الأطفال الصغار والرضع وأجسادهم ممزقة كل ممزق واستضافت ممثل وزارة الدفاع الإسرائيلية الذي قال إنه يأسف لمقتل الأطفال ولكن حماس بفعلتها هي التي تسببت في قتلهم !! واستنكاراً لهذا الحادث البشع ـ حادث تخريب المعبد وقتل الحاخام ـ قامت السيدة "هيلاري كلينتون " وزيرة الخارجية الأمريكية بإلغاء زيارتها التي كانت تزمع القيام بها إلى المنطقة وبررت ذلك بأنه لا يصح أبداً والشعب اليهودي في مأتم أن تقوم بزيارة المنطقة التي تأوي المخربين الإرهابيين من المسلمين قتلة اليهود الأبرياء ، ثم صرحت كلينتون بأنه يحق للجيش الإسرائيلي أن يقضى تماماً على غزة وخان يونس ثم على سوريا والأفضل أن يقضى على مصر خاصة وأن هذه المذبحة فتت كبدها على الصهاينة الغلابة ــ إن كان لها كبد ــ كما أنها لن تضع يدها في يد الشعب الذي أدمى قلوب الإسرائيليين – إن كان لهم قلوب – وعقب ذلك قام الرئيس الأمريكي "أوباما" بإصدار بيان شديد اللهجة قال فيه ما نصه ( يبدو أن الشعوب العربية لم تفهم محاضرتي في جامعة القاهرة ويبدو أن الفلسطينيين فهموا سماحتي على سبيل الخطأ ) و ذكر أوباما في بيانه أن ما حدث من الفلسطينيين عرقل مسيرة السلام في المنطقة وقضى عليها خاصة وأن مخابراته أكدت ضلوع حماس وفتح في القيام بهذه المذبحة وقتل هذا الحاخام صاحب الجسد الطاهر ، وعن تعليقه عن رد فعل إسرائيل وقتلها لمئات الفلسطينيين من النساء والأطفال قال أوباما ..




( هذا رد فعل طبيعي فإسرائيل تدافع عن نفسها إلا أنني أناشدهم بضبط النفس ) أما مجلس الأمن صاحب الصولجان العالمي فقد أصدر قراراً لا يقبل النقض ولا الإبرام يقضي بمنع وصول أي مساعدات إنسانية إلى غزة وخان يونس عقابا لهم على جريمتهم المستنكرة ( ويا دار ما دخلك شر ) .
نعود مرة أخرى لنعدل النيجاتيف على الناحية الأخرى لنرى الصورة الحقيقية المؤلمة الكئيبة دون رتوش حيث وقع يوم الأحد السابع من شوال الماضي وما بعده ــ بل وما قبله ــ اقتحام للمسجد الأقصى المبارك واعتداء من قبل المئات من عصابات الصهيونية النازية على المصلين من الشيوخ والنساء والأطفال الذين كانوا بداخل المسجد وخارجه يتعبدون لله الواحد الأحد في يوم الأحد وليس في نيتهم الاعتداء على أحد ، ولم يكن من طموحاتهم إلا السجود لله في أمن ودعة ، وقد ساعدت القوات الصهيونية ـ المدججة بالسلاح ـ المهاجمين واشتركت معهم يدا بيد في هذا الاعتداء الإرهابي الهمجي الوحشي البربري وأحدثت في المسجد الأقصى تخريبا متعمدا وقد نتج عن هذا الإرهاب الصهيوني وقوع العديد من الإصابات الخطيرة في الآمنين الركع السجود المدافعين عن حرمة المسجد الذي أراد المجرمون تدنيسه بالإحتفال بما يسمونه بعيد الغفران !! في إطار خططهم المعلنة التي تهدف إلى تهويد المدينة المقدسة وتحويلها إلى عاصمة للكيان الصهيوني والاستيلاء على مسجدها المقدس مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدمه وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه لتحقيق خططهم النازية .



حدث هذا ــ وحدث مثله وأكثر منه من قبل ــ فلم يرمش لحكومات العرب وحكامهم جفن ، إذ ليس لهم حول ولا قوة ـ كما أنه ليس لهم جفن أو رمش ـ وعادة لا يفعل الحكام العرب إلا تحريك الرؤوس ذات اليمين وذات اليسار في أسف مصطنع أما رد الفعل العربي الحقيقي فيتمثل فيما قامت به الشرطة العربية ، ففي مصر مثلا قامت الشرطة المصرية بمنع المصلين في الأزهر بعد خطبة الجمعة من التعبير عن غضبهم المشروع وتم قمع المظاهرة والمتظاهرين عن طريق الركل والضرب والتخويف وامتد القمع إلى كل المظاهرات في كل أنحاء مصر ، وعلى الصعيد العربي قامت الشرطة في كل الدول العربية بمنع مظاهرات الغضب بقلب ميت ونفس بليدة ... أما عن المجتمع الدولي فلا حس ولا خبر فالأخ أوباما الذي فرحنا به وله وهللنا من أجله في غبطة كغبطة الرضيع بعد الري والبلل لم يفعل إلا أن أعطانا رنين الذهب ورائحة الشواء فليس من وراءه منفعة وليس عليه من حرج ، أما الأخ براون رئيس وزراء بريطانيا فقد جعل من نفسه ومن دولته ـ هو وأسلافه من قبل ـ مطية لأمريكا ومن بعدها إسرائيل.



فما الذي نقوله إذا في دولة هي الآن "حمار بني إسرائيل" هل ننتظر منهم خردلة خير ، أما الصين واليابان وروسيا وغيرهم من دول العالم فماذا يفعلون لنا ونحن نغط في سبات عميق ، أما الأمم المتحدة – سابقاً – المتخاذلة حالياً والمختزلة واقعاً في دولة واحدة هي أمريكا فقل عليها السلام ، فما وجُدت هذه الأمم إلا للتنكيل بالضعفاء من أمثالنا .... افقدي الأمل أيتها الشعوب العربية في كل هؤلاء ، ثوروا انتفضوا لا تقفوا مثل المسمار .



ذات يوم ضاق صدري فانطلق لساني بأبيات شعر قلت فيها

هذى الكلاب تفاسدت في قدسـنا ***ورجـالنا مثـل الصبــايا تنتحـب
أوَ بيت مقدس قد غدوت مدنســا*** مــن شر وطء للصهاينة الجرب
كفكف دموعك لا ترعك جموعهـم ***فـدموعهـم تنسـاب خوف المرتقب
أشجار غرقد لـن تكـون ظليلـة*** للسامـرىَّ ومـن تصهين وانتسـب
يا ويح قوميّ لسـت أدرى ملــةً ***لا تستبـاح بلادهــا إلا العـــرب
قـد كنـا نغضب للعـروبة كلمـا*** جــال الأعادي مـن بعيدٍ أو كثب
ما عاد يجدينا التغـضب واجتمـا ***عـات الرئاسـة والخطابة والحَرَب
الحـر يصفـو للجـهاد ويمتـطى*** والعبـد يغفـو في الديار ويحتلـب


ورحم الله أبا القاسم الشابي شاعر تونس الخضراء حينما قال:

ارحم جنابك من سماع خطابي ***فالرأي رأى القاهر الغلاب
لا عدل إلا إن تعادلت القوى ***وتصادم الإرهاب بالإرهاب
لذلك أقول لإسرائيل الصهيونية ***شالوم عليكم بالمقلوب

نظرة تأصيلية شرعية في المقاطعة الاقتصادية

نظرة تأصيلية شرعية في المقاطعة الاقتصادية

مشهور حسن سلمان
أضيفت بتاريخ : : 08 - 04 - 2010
نقلا عن : مجلة الأصالة



ذكرتُ في العدد السابق الخاص بـ(الانتصار للنبي المختار سيِّد المهاجرين والأنصار) مقدمات ومداخل حول المقاطعة الاقتصاديَّة، ووعدتُ بإبراز جهود العلماء في هذه النازلة ولا سيما بعد أفاعيل العلوج الكفَّار في الطعن في سيِّد الأبرار، من الحادثة الدنماركيَّة التي اشتهرت في وسائل الإعلام، ووعدتُ بذكر قواعد الأحكام، وفتوى الأئمة الأعلام وإبرازها للأنام، في وقت أصبحت هذه النازلة حديث المجالس، وترددها ألسنة العوام.

وهذه النازلة كغيرها ممن لم يرد بعينها نصّ، فيبقى فيها الاستنباط، وتخريجها على قواعد المصالح والمفاسد، وتنزيلها على المقرَّر عند التنازع، وهذا الإلحاق يعتريه خلاف في التقدير، ولا سيَّما أن الحوادث تتنوع، والنوازل تختلف، فليست المقاطعات في درجة واحدة من حيث الثمرة، وليس تأثيرها واحداً من حيث كونها وسيلة، وهي قائمة عند الاضطرار، وتعطيل الحكم المختار، المنصوص عليه في كلام الأخيار، من إرغام أنوف الكفَّار، وإلحاق الذلِّ بهم والصَّغار.

وبلا شك أنّ المقاطعة في الشرع لها أصول، وهي مظهر من مظاهر البراء، وضرب ولون من ألوان الهجر المشروع، ولكن لا بدَّ لها من ضوابط وقيود، وإبراز ذلك بتأصيل وتقعيد يظهر من خلال فتاوى العلماء الربانيّين، وأسوق في هذه المقالة جملة نقول مهمَّة في هذا الموضوع، والله الموفق، لا ربَّ سواه.

( 1 ) فتوى شيخنا الإمام الألباني –رحمه الله-:
قال في (سلسلة الهدى والنور) شريط رقم (190) ما نصُّه: «قلت آنفاً لبعض إخواننا سألني وكثيراً ما نُسأل عن اللحم البلغاري، وأنا حقيقة أتعجب من الناس! اللحم البلغاري بُلينا به منذ سنين طويلة كل هذه السنين ما آن للمسلمين أن يفهموا شو حكم هذا اللحم البلغاري؟ أمر عجيب! فأنا أقول: لا بدَّ أنكم سمعتم إذا كنتم في شك وفي ريب من أن هذه الذبائح تذبح على الطريقة الإسلاميَّة أو لا تذبح على الطريقة الإسلاميَّة، فلستم في شكّ بأنهم يذبحون إخواننا المسلمين هناك الأتراك المقيمين منذ زمن طويل يذبحونهم ذبح النعاج، فلو كان البلغاريون يذبحون هذه الذبائح التي نستوردها منهم ذبحاً شرعيّاً حقيقةً أنا أقول لا يجوز لنا أن نستورده منهم، بل يجب علينا أن نقاطعهم حتى يتراجعوا عن سفك دماء إخواننا المسلمين هناك، فسبحان الله مات شعور الأخوة التي وصفها الرسول -عليه السلام- بأنها كالجسد الواحد «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر»، لم يعد المسلمون يحسُّون بآلام إخوانهم فانقطعت الصلات الإسلاميّة بينهم، ولذلك همهم السؤال أيجوز أكل اللحم البلغاري! لك يا أخي أنت عرفت أن البلغار يذبحون المسلمين هناك، ولا فرق بين مسلم عربي ومسلم تركي ومسلم أفغاني إلى آخره، والأمر كما قال -تعالى-: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات:10]، فإذا كنّا إخوانناً فيجب أن يغار بعضنا على بعض، ويحزن بعضنا لبعض، ولا يهتم بمأكله ومشربه فقط.

فلو فرضنا أن إنساناً ما اقتنع بعد بأنّ اللحم البلغاري فطيسة . . . حكمها فطيسة؛ لأنها تقتل ولا تذبح، لا نستطيع أن نقنع الناس بكل رأي؛ لأنَّ الناس لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك كما جاء في القرآن الكريم، فإذا كنا لا نستطيع أن نقنع الناس بأنّ هذه اللحوم التي تأتينا من البلغار هي حكمها كالميتة، لكن ألا يعلمون أن هؤلاء البلغار يذبحون إخواننا المسلمين هناك، أما يكفي هذا الطغيان وهذا الاعتداء الأليم على إخواننا من المسلمين هناك أن يصرفنا عن اللحم البلغاري، ولو كان حلالاً هذا يكفي، وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين».

فالمقاطعة في كلام شيخنا ظاهرة، وهي في سياقه بمعنى (الهجر الزاجر) إن وجدت (الأخوة) الصادقة بين المسلمين.

( 2 ) فتوى الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله-:
ويظهر هذا المعنى على وجه بيِّن في كلام العلامة أحمد شاكر -رحمه الله تعالى-، قال تحت عنوان (مقاطعة الملحدين) ما نصُّه:
«بث الملحدون دعوتهم بين كثير من الناس؛ فأفسدوا كثيراً من عقائدهم، ولمسنا خطرهم على الإسلام بأيدينا، ورأيناه بأعيننا، ثمّ رأوا من المسلمين الصادقين التواكل والسكون؛ فراشوا سهامهم وأعدُّوا عدتهم وهاجمونا من كل جانب، والمبشرون من ورائهم يؤدونهم بأموالهم وصحفهم اتباعاً لخطَّةٍ اختطُّوها بعد التجارب، وقد علموا أن تنصير المسلم دونه خرط القتاد، فاكتفوا الآن -مؤقتاً- بالعمل على تنفيرهم من الإسلام، وتحقيره في أعينهم، وانتزاع عقائده من صدورهم، وآية ذلك أن تجد هؤلاء المجددين لا يطعنون إلا في دين الإسلام وإن تظاهروا بمحاربة كل الأديان.

وقد قامت حركة مباركة بين المخلصين المجاهدين في سبيل الله بالكتابة ضد كل من تحدثه نفسه بالعدوان على الدين الحق، ولكن الكتابة في نظري غير كافية، والمناظرة لا تجدي إلا قليلاً، وإنما الجهاد عمل.
ولا يجوز لنا أن نعتمد في كلّ أمورنا -بل في أمور حياة الإسلام- على الحكومة، وما هي بمجيبة لنا دعوة، ولا بسامعة لصوتنا صدىً، والإسلام يكره العنف والهوج، ولكنه بجانب هذا يحتقر الجبن والذل، ويرفض من يؤمن ببعض الكتب ويكفر ببعض. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } [الممتحنة:1]، { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [الممتحنة:4]، فكرت في هذا كثيراً فما وجدتُ من طرق الجهاد السلمي الهادئ أجدى علينا من مقاطعة الملحدين.

لا أقصد بهذا أن لا نكلمهم فقط فذا أمر هين، ولكني أريد أن نقاطعهم في كل شيء، لا نأكل طعامهم، ولا نضيفهم، ولا نبايعهم، ولا نصاهرهم، ونقطع كلَّ صلة بأيِّ فرد منهم، ونعلمهم بحكم الله –تعالى- بأنهم خرجوا من الإسلام وحاربوه؛ فلا صلة بينهم وبين المسلمين.

إذا مات أحدهم لا يرثه وارثه المسلم، وإذا مات قريب لهم لا يرثونه، وإذا علمت المرأة أن زوجها منهم وجب عليها أن تفارقه؛ فإن نكاح الكافر للمسلمة نكاح باطل ومعاشرتها له حرام.

إذا كان للرجل ولد منهم حرم عليه إبقاؤه معه تحت سقف واحد ووجب عليه إخراجه، وأن لا ينفق عليه، وكل ما يعطيه فإنما ينفقه في إعانة من يحارب دينه وهو عليه حرام.

وقـد أعجبني من هذا النوع كلمة لأستاذنا السيد رشيد رضا للآنسة التي أيدت الأستاذ محمود عزمي في وجوب مساواة المرأة بالرجل، فإنه قال لها (في عدد رمضان سنة 1348 من مجلة المنار الغرّاء): «يجب أن تعلم هذه الفتاة هي وأهلها أنها كانت تعتقد ما يعتقده عزمي في هذه المساواة، وتنكر حقيقة ما قرَّره الإسلام وحسَّنه، فهي مرتدة لا يجوز لمسلم أن يتزوجها، ولا ترث المسلمين ولا يرثونها».

وهكذا يجب أن نفعل؛ كل من أبدى للإسلام صفحته، صدعنا بأمر الله وصارحناه بحكم الإسلام فيه، وعاملناه بما تأمرنا به الشريعة في كل أموره.
هذه فكرة كانت تجول بخاطري من زمن بعيد، وكلَّما هممتُ بكتابتها تريثت حتى تنضج، وأنا أعرضها الآن على إخواني المؤمنين، فما قولهم؟».
فالهجر الإيجابي الزاجر يدخل فيه في نظري وتقديري (المقاطعة الاقتصاديّة) للبلاد التي تسيء للإسلام والمسلمين، فإنَّ (الترك فعل) على الراجح عند الأصوليين، شريطة التأثير الذي يقدره أهل الخبرة، فالمقاطعة معقولة المعنى واستخدامها مشروع -بل مطلوب- فيما ينفع المسلمين، أو يرفع الأذى عنهم، أو إن ترتب عليها زوال المنكر أو تنقيصه، ولعله تصل للوجوب إذا كان أولياء الأمور يأذنون بذلك، أو يأمرون.

( 3 ) فتوى الشيخ عبدالعزيز بن باز –رحمه الله-:
وصرَّح بمشروعية هذه الصورة: فضيلة العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز، واللجنة الدائمة للإفتاء ترى ذلك في فتاواها (فتوى رقم 21776).

( 4 ) فتوى الشيخ محبّ الدين الخطيب –رحمه الله-:
ووجدت كلمة جيدة للعلامة السلفي محب الدين الخطيب، كتبها في افتتاحية العدد (175) من مجلته القيِّمة «الفتح» بتأريخ ( 26 جمادى الآخرة 1348هـ - الموافق 28 نوفمبر 1929)، وهي بعنوان (المقاطعة أمضى سلاح بأيدي عرب فلسطين)، ومما قال فيها:
«المقاطعة عنوان الرجولة والحزم، والأمَّة التي تثبت على مقاطعة من يسيء إليها تشعر الأمم كلها بالحرمة لها، وفي مقدمة من يحترمها أعداؤها.
وبالمقاطعة تعرف الأمَّة مواطن ضعفها، وتنتبه إلى ما ينقصها في صناعاتها وتجاراتها، فالصنف من أصناف الحاجيات إذا كان لا يستحضره من مصادره غير اليهود؛ فإن العرب سيشعرون بحاجتهم إلى من يتقدَّم منهم لاستحضاره من مصادره، فيعظم إقبال الوطنيين على بطاعة أخيهم الوطني؛ الذي يأتيهم بما لا يوجد منه إلا عند أعدائهم، وبذلك يسد حاجتهم ويستفيد من إقبالهم على سلعته.

والمقاطعة ستنبه الأمَّة إلى ما هو أعظم من ذلك، فبعد أن يكون المتجرون بالكبريت -مثلاً- من اليهود دون غيرهم؛ يبادر إلى الاتجار بهذا الصنف تجار من العرب، ثمَّ تخطو الأمَّة خطوة أخرى فتؤسس مصنعاً وطنياً للكبريت، ومتى تقدَّمت الأمَّة خطوات متعددة في سبيل الاستقلال الاقتصادي؛ كان لها من ذلك شهود عدول على كفاءتها للاستقلال القومي والسياسي.

وقبل أن تكون المقاطعة طريقاً إلى الاستقلال الاقتصادي والسياسي، فهي طريق إلى النضوج الأخلاقي؛ لأنَّ الأمَّة التي تشعر بحاجتها في صناعاتها وتجاراتها إلى الاستعانة بأعدائها يتأصل في نفوس أبنائها اعتقاد بضعفها وفاقتها، وهذا الشعور مدرجة انحطاط في الأخلاق، ونقص في عزَّة النفس، ويأس من بلوغ الأمل.

وفضلاً عن هذا وذاك فإن الأمّة التي قطعت على نفسها عهد المقاطعة؛ تتعفف بطبيعة الحال عن كثير من الكماليات التي لا تجدها إلا في أيدي أعدائها، وأسمي هذا النوع بالكماليات من باب التساهل، وإلا فإن الغرب إنما غزا الشرق ثم فتحه منذ تمكن من تعويد الشرقيين والشرقيات استعمال هذه الكماليات، فقام على أموال الشرق القليلة بناءُ ثروة الغرب العظيمة».

( 5 ) فتوى الشيخ عبدالرحمن السعدي –رحمه الله-:
ومن أجمع الكلمات وأقواها وأجلِّها التي وقفت عليها في (المقاطعة) كلمة للعلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي، وهذا نصها:
«اعلموا أنَّ الجهاد يتطوّر بتطوُّر الأحوال، وكل سعي وكل عمل فيه صلاح المسلمين، وفيه نفعهم، وفيه عزّهم فهو من الجهاد، وكل سعي وعمل فيه دفع لضرر على المسلمين وإيقاع الضرر بالأعداء الكافرين فهو من الجهاد، وكل مساعدة للمجاهدين مالياً فإنها من الجهاد . . فمن جهَّز غازياً فقد غزى، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزى، وإنَّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنّة: صانعه يحتسب فيه الأجر، والذي يساعد به المجاهدين، والذي يباشر به الجهاد.

ومن أعظم الجهاد وأنفعه: السعي في تسهيل اقتصاديات المسلمين والتوسعة عليهم في غذائياتهم الضرورية والكمالية، وتوسيع مكاسبهم وتجاراتهم وأعمالهم وعمالهم، كما أن من أنفع الجهاد وأعظمه مقاطعة الأعداء في الصادرات والواردات، فلا يسمح لوارداتهم وتجاراتهم، ولا تفتح لها أسواق المسلمين ولا يمكَّنون من جلبها على بلاد المسلمين . . بل يستغني المسلمون بما عندهم من منتوج بلادهم، ويوردون ما يحتاجونه من البلاد المسالمة، وكذلك لا تصدَّر لهم منتوجات بلاد المسلمين ولا بضائعهم، وخصوصاً ما فيه تقوية للأعداء: كالبترول، فإنه يتعيَّن منع تصديره إليهم . . وكيف يصدّر لهم من بلاد المسلمين ما به يستعينون على قتالهم؟؟! فإنَّ تصديره إلى المعتدين ضرر كبير، ومنعه من أكبر الجهاد، ونفعه عظيم.
فجهاد الأعداء بالمقاطعة العامة لهم من أعظم الجهاد في هذه الأوقات، ولملوك المسلمين ورؤسائهم -ولله الحمد- من هذا الحظ الأوفر والنصيب الأكمل، وقد نفع الله بهذه المقاطعة لهم نفعاً كبيراً . . وأضرت الأعداء وأجحفت باقتصادياتهم، وصاروا من هذه الجهة محصورين مضطرين إلى إعطاء المسلمين كثيراً من الحقوق التي لولا هذه المقاطعة لمنعوها، وحفظ الله بذلك ما حفظ من عزّ المسلمين وكرامتهم.

ومن أعظم الخيانات وأبلغ المعاداة للمسلمين تقريب أولي الجشع والطمع الذين لا يهمهم الدين ولا عز المسلمين ولا تقوية الأعداء نقود البلاد أو بضائعها أو منتوجاتها إلى بلاد الأعداء . .! وهذا من أكبر الجنايات وأفظع الخيانات، وصاحب هذا العمل ليس له عند الله نصيب ولا خلاق.
فواجب الولاة الضرب على أيدي هؤلاء الخونة، والتنكيل بهم، فإنهم ساعدوا أعداء الإسلام مساعدة ظاهرة، وسعوا في ضرار المسلمين ونفع أعدائهم الكافرين . . فهؤلاء مفسدون في الأرض يستحقون أن ينزل بهم أعظم العقوبات.
والمقصود أن مقاطعة الأعداء بالاقتصاديات والتجارات والأعمال وغيرها ركن عظيم من أركان الجهاد، وله النفع الأكبر، وهو جهاد سلمي وجهاد حربي.
وفق الله المسلمين لكل خير، وجمع كلمتهم، وألَّف بين قلوبهم، وجعلهم إخواناً متحابين ومتناصرين، وأيدهم بعونه وتوفيقه، وساعدهم بمدده وتسديده، إنَّه جواد كريم رؤوف رحيم . .».

( 6 ) فتوى أبي الكلام الكلكتوني –رحمه الله-:
ومن نادى بالمقاطعة قديماً: أبو الكلام أحمد بن خير الدين الكلكتوني الشهير بـ (أبي كلام آزاد).
جاء في ترجمته في «الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام» (3/1169):
«وكانت البلاد في ذلك الحين تشتعل قلقاً واضطراباً بتأثير ما حدث في ممتلكات الدولة العثمانية وسياسة الحلفاء، وفي مقدمتهم الحكومة البريطانية في قضية العثمانيين والبلاد الإسلامية كلها، وظهر تقرير «رولت» وصدر القانون الخاص بالمسلمين، وكانت حركة الخلافة على قدم وساق، فخاض أبو الكلام في هذه الحركة وأشعلها بخطاباته الساحرة، ومقالاته البليغة القوية، ورافق مستر «غاندي» الذي كان قد احتضن حركة الخلافة وفكرتها مجاراة لعواطف المسلمين، وتأييداً لقضية عادلة، وأيد أبو الكلام مبدأ ترك موالاة الحكومة الإنجليزيّة، ومقاطعة البضائع الأجنبيّة، ومبدأ «لا عنف ولا اعتداء» المبادئ التي دعا إليها «غاندي» فأقام عليها الدلائل الشرعيّة، وجال فيها وصال، فكان لها الرواج والقبول في الأوساط الإسلاميّة، واضطربت لها الحكومة الإنجليزيّة، وقام بجولات واسعة مع «غاندي» وزعماء الخلافة في أنحاء الهند، وألقى الخطب الرنانة في المحافل الكبيرة».
وممن كان يؤيد حركة مقاطعة البضائع الأجنبيّة: عبدالباري الفرنكي محلي الكهنوي، كما في ترجمته في «الإعلام» (3/1259) -أيضاً-.

ووجدتُ العلامة تقي الدين يذكر قصصاً في مقاطعة الهندوس للبضائع البريطانيّة في الهند، ويثني على ذلك، فهي عنده مقبولة، إن آتت ثمارها وترتبت عليها نتائجها.
والله الهادي والعاصم.